ضرب الأطفال عادة ضارة وغير فاعلة في تقويم السلوك الخاطئ

ما زال عدد كبير من الآباء يستسهل وسيلة الضرب بدرجاته المختلفة، لتثبيط سلوك غير مرغوب فيه يقوم به أبناؤهم الصغار والكبار على حد سواء. في حين، لا تلقى نصائح أهل العلم أي أذان صاغية.
الأربعاء 2016/01/06
العنف لا يقوم السلوك

أثبتت نظريات علم النفس التربوي القديمة والحديثة منها، عدم جدوى ضرب الأبناء بالأدّلة الدامغة، إلا أننا ما زلنا نتابع بعض المواقف المخزية التي يتعرض فيها الأهل إلى أبنائهم بالضرب حتى مع وجود الغرباء، وربما في الأماكن العامة إذا توافرت البيئة الاجتماعية (خاصة في الشرق) التي تتسامح مع هكذا تجاوزات. يعدها بعض المتخصصين أمرا خطيرا يمس حقوق الإنسان ويستدعي معه ما يتصدى لها من عقوبات قانونية ومجتمعية رادعة.

ويعتقد أوغو أوش؛ طبيب الصحة النفسية في ولاية ميتشيغان الأميركية، بأن ضرب الأطفال عادة ضارة وغير فاعلة لأن الهدف من الضرب هو التأديب، ولا يمكن أن يتحقق هذا الهدف بتبني سلوك العنف، وأقرب مثال على ذلك عندما يقوم أحد الأبوين بصفع الابن الكبير كعقاب له بسبب ضربه شقيقه الأصغر، وهذه مفارقة غير مستساغة حيث يحاول الأهل تفادي العنف بالعنف ذاته، فيضيع الهدف من الرسالة التي ينبغي تمريرها بنبذ العنف وعدم استخدام القوة والسلطة مع من هم أصغر سنا منا، أما الرسالة البديلة التي ستصل إلى الابن الأكبر فتقول: “نرفض بشدة تعرضك لشقيقك الأصغر بالضرب، لكننا لا نمانع في ضربك”.

ولد أوش لأبوين نيجيريين وقضى جزءا من طفولته في نيجيريا، ثم انتقل للعيش والعمل في أميركا، حيث استثمر تنوع البيئة الثقافية هذا في إثراء تجربته المهنية والعلمية من خلال أبحاثه الخاصة في أسس تربية الأطفال والمراهقين.

هدف الآباء يجب أن ينصب على تعليم أبنائهم السلوك المهذب والأخلاقي، بعيد عن العنف

ويعتقد أوس بأن الطفل يفهم من خلال هذا النوع من العقاب بأنه ارتكب خطأ ما، وبأن سلوكه هذا غير مرحب به من قبل الوالدين، إلا أنه لا يفهم دوافع عدم الترحيب هذه أو نوع الخطأ الذي ارتكبه أو لماذا يعده الآخرين خطأً.

من ناحية أخرى، قد يرى الغرباء في سلوك بعض الأطفال نوعا من التهذيب، إلا أنه في حقيقته مجرد تنفيذ أعمى لأوامر سلطة أبوية صارمة، تتبع أسلوب الضرب كبديهة في التعامل اليومي، سواء أساء الأطفال التصرف أم لم يسيئوا. ولهذا، يرى أوش بأن هدف الآباء يجب أن ينصب على تعليم أبنائهم السلوك المهذب والأخلاقي الذي يقتضي احترام الآخرين والعطف على الصغير والتحلي بالأخلاق الحميدة التي يكفلها المنطق والعقل، لا أن يلتزموا بالسلوك الجيد تجنبا للعقاب.

ومن الناحية التشريحية، فإن السلوك الخاطئ عندما يقرن بالعنف فإنه يفعّل من عمل الدماغ الأولي (الابتدائي) وهو المسؤول عن سير الاستجابات التلقائية في الجسم؛ مثل التنفس ودرجة حرارة الجسم إضافة إلى نظام الاستجابة الدفاعية ضد هجوم جسدي من قبل شخص آخر، وعندما يتعلق الأمر بالتعلم فإن الطفل يتعامل مع الأمر ضمن هذه المنطقة من الدماغ أي أنه سيربط بين العنف وتجنب السلوك الخاطئ بصورة آلية، أما التجارب المعقدة التي تتعلق بتنمية الجانب الأخلاقي فهي المتعلقة بقشرة الدماغ، حيث يستطيع الأطفال ترجمة الرسائل الكامن فيها إذا كانوا في حالة هدوء واسترخاء، وهذه هي الحالة المثالية التي تستطيع فيها العمليات العقلية أن تجد منفذا مناسبا لها إلى قشرة الدماغ؛ وتهدف في المقام الأول إلى التفكير المجرد وتعلم حل المشاكل.

تؤثر البيئة الأسرية وخاصة الأبوان، وتجارب الطفولة المبكرة والثقافة في طبيعة النمو الأخلاقي للفرد

وهذا السبب هو الذي يمنع الطفل الذي يتعرض للصفع أو العدوان من تعلم السلوك الصحيح، بسبب مشاعر الخوف والتوتر النفسي والصدمة التي يعانيها، لذلك تركن عملياته العقلية إلى الجزء الخامل وهو (الدماغ الابتدائي) الذي يعالج الحدث من منظور ميكانيكي مغلق وجامد.

من جانبها، ترى الدكتورة دارسيا نارفايز؛ أستاذة علم النفس التطوري في جامعة نوتردام الأميركية وهي مؤلفة كتاب “علم الأعصاب والتنمية الأخلاقية”، أن أغلب الأخطاء السلوكية للشباب مردها خلل في التربية الأساسية في سنوات العمر المبكرة، حيث تؤثر البيئة الأسرية، وتجارب الطفولة المبكرة والثقافة في طبيعة النمو الأخلاقي للفرد والطريقة التي يتشكل بها، إذ أن عملية التطور العقلي والمعرفي في تطور وتغيير مستمرين ابتداء من سنوات الطفولة المبكرة، كما أن نمو دماغ الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى أن يحصل الطفل على رعاية أبوية كافية لينمو بشكل سوي، وهو حساس بما فيه الكفاية خاصة إذا كانت البيئة التي ينتمي إليها غير مثالية.

وتؤكد نارفايز على أهمية أن يراعي الأبوان تنمية الجانب العاطفي في التربية، في التعامل مع مخاوفه وردود أفعاله المختلفة على التجارب الجديدة التي تواجهه في طفولته، وتعويده على كيفية التعامل مع مشاعره بمختلف اتجاهاتها، الأمر الذي يوفر له رصيدا عاطفيا ومعرفيا سيسهل له التعامل مع الأحداث اللاحقة في الحياة.

21