ضرورة التحليل النفسي لمعالجة مجتمعاتنا

الجمعة 2016/09/09

رحم الله الراحل جورج طرابيشي الذي قضى أغلب سنوات حياته في البحث عن تعقيدات النفسية العربية الفردية والجمعية وكان أمله أن يحررها من عقدها التي فرّخت ولا تزال تفرّخ مختلف ظواهر التخلف والهزائم السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية. ومما يؤسف له أن صيحات جورج طرابيشي المنادية بضرورة إدخال مادة التحليل النفسي في المناهج الدراسية بدءا من الابتدائي وصولا إلى الجامعي، لم تجد إلى يومنا هذا آذانا صاغية علما وأن الصحة النفسية تمثل شرطا جوهريا لضمان الصحة الاجتماعية والعقلية والثقافية والسياسية وهلمّ جرا.

وفي هذا السياق نجد المحلل النفسي المصري الدكتور مصطفى صفوان، يؤكد في دراساته ما معناه أنه من الصعب على الأب المغلوب على أمره أن ينشئ ذرية مستقلة ومتحررة بل إن الأب المهزوم ينقل العدوى النفسية لأبنائه فتصيبهم الهزيمة نفسها في حياتهم، وفي هذا الخصوص كتب قائلا “طالما أن الأب المثالي مهزوم بمعنى الأب الواقعي مهزوم (أي يفشل في أن يكون على قدر المستوى المطلوب منه، من اسمه) وكلما انهزم ازدادت مطالبة الطفل بالأب المثالي، والأب المثالي موجود في المتخيل الذاتي ولكن ليس هناك تحقق كامل، وإذا افتقد السند الواقعي له، اشتدت المطالبة بالأب المثالي”. ويعني صفوان أنه إذا انعدم الأب المثالي في الواقع “يزيد شعورنا بالنقص”. والأخطر من كل هذا، بحسب نظرية صفوان، هو أن التعلق بهذا الأب المثالي يأتي نتيجة لفقداننا للأب الواقعي غير المهزوم وهذا الفقدان يجعلنا “لن نخرج من الدكتاتورية”.

وهكذا يمكن أن يكون فقدان هذا الأب الواقعي، النموذج في حياتنا، بمثابة فقدان للقائد الواقعي الموثوق فيه والذي نتماهى معه باستقلالية كاملة ونحاول أن نعيد تفعيل رمزيته في حياتنا، وقد يكون أيضا بمثابة فقدان أو نفي للرموز الحضارية والتاريخية الوطنية التي ينبغي أن نرتبط بها ونحوّلها إلى رأسمال ثقافي تتأسس عليه بنى مشاعرنا. إن عناصر الخلل التي حاول الدكتور طرابيشي تعقّبها في إنتاجنا الأدبي والفكري هي في الحقيقة تمظهر لبؤر الخلل المستشرية في حياتنا اللإجتماعية والسياسية وهي في مجملها تفصح عن انعدام النضج لدى الأفراد والجماعات.

وفي هذا السياق نجد محللا نفسيا غربيا يعرّف الديمقراطية كثقافة يومية بأنها “النضج، والنضج هو الصحة النفسية” للأفراد المكونين للجماعة في المجتمع، وأن “الديمقراطية هي النضج الأكثر وليس الأقل لبنيات المجتمع”، ولذلك فإن إنجاز عمليات “تنمية وتطوير الديمقراطية”، أمر مرهون بهذا النوع من النضج النفسي.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15