ضرورة الفن تكمن في معناه وغايته

الثلاثاء 2017/04/25
حضور جاذب خال من الفائدة

يبقى أحد مقاصد الفن في كونه موضوعا لمعرفتنا الجمالية. فالفن هو الأثر الحسي الذي يتطلب تقديرا معنويا، لكنه لا يعد بشيء، سوى امتلاكه لحضور جاذب خال من الفائدة، وداع إلى التأمل. وهو غالبا نموذج شديد الندرة، غير مكرر ولا يتوافق إلا مع الأفعال الحسية النبيلة؛ إذ ليس ثمة مجال غير مجال الفن من يرفد ذائقتنا وحساسيتنا الجمالية.

لقد كان تصنيفه وتقديره قائمين ومن دون مواربة: الفن يعني الجميل دائما.

يتمثل الفن مكتسبات الرؤية ويحتفي بأسرارها، من خلال نظرة نافذة يجعل من خلالها العالم موضوعا قيد التأمل والإنجاز، يدّلنا إلى خفايا هذا العالم ويبقينا في معناه ويسكننا فيه، بل يحيلنا إلى قلب أشيائه بقدرته على الرؤية الممكنة باتجاه الأبعد.

في دراسته “أصل العمل الفني”، يستدعي الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر العمل الفني، بوصفه شيئا يولد في حضور أصيل. فهو في نظره الفضاء الذي تكشف فيه الحقيقة عن ذاتها والحرية عن وجودها. وهو نتاج تعارض دائم بين التكشف والتحّجب، والذي تتجلى خلاله الحقيقة على نحو فريد، وحينما ينبعث فيه عالم جديد وتجربة لم تكن معروفة من قبل.

عبر هذا الفهم، لطالما نصف تجارب الفنانين الكبار باعتبارها ممارسات تبتكر فنّا يوقظ فينا قوى هامدة، تمنحنا وسيلة تناشد العمق. عالم لم يأت بذريعة التقليد وإنما من خلال استقلالية الرؤية. خلال ذلك سيكون العالم هو أصله وليس ما نتوهمه عنه، فهنالك معنى تام قيد الإنجاز سيولد عبر الفن.

لا شك أن لكل عمل فني خبرة متميزة في الوجود. ومثل هذه الخبرة تتحقق وتتجلى من خلال الوعي بها. فحضور العمل الفني هو استدعاء لمحاولات فهمه وتلقيه، وانفتاح على أفعال الوعي التي يعد بها. ممارسة لا تتحدد أو تكتمل مرة واحدة، بل فعل نمارس اكتشافه لمرات عديدة ودائمة. وبذريعة حاجة متواصلة إلى مجموعات القيم والمعاني والرموز التي ينطوي عليها الفن ومجالاته الخلاّقة التي تلبي انفعالاتنا لتؤلف جزءا من خبراتنا الجمالية والوجدانية. بذلك تبدو أهمية متاحف الفن، تلك التي تقدم صورة مجازية عن شكل هذه العلاقة وطبيعة التواصل فيها. مرة، حينما تحتفظ بالعمل الفني الأصيل بوصفه رمزا قيميا ووجودا مستقلا وساميا يتطلب المشاهدة النوعية التي تقترن بتجربة تأملية. ومرة ثانية، حينما تضع الفن كما المتلقي أمام رهانات التفكير والإحساس بما هو جمالي.

العمل الفني يبقى محتفظا بجمالية غير قابلة للتبدد، وهو يعيش جميع الأفكار التي نحتفظ بها عنه. إنه يقاسمنا وجوده حينما يتحدث خفية، إلى كل منا على حدة

التفرد كأثر، هو الصفة التي يتمثلاها معا، العمل الفني والمكان الذي يحتويه. أمكنة تكتسب ذاكرة تضاهي ذاكرة الأعمال الفنية الموجودة في فضاءاتها، حيث ثمة تكريم يتبادلانه بينهما. حين يتعهد المكان بخلق تبعات اعتبارية راسخة لما هو معروض، وتقديمه للفن بكونه فعلا من أفعال تذوق المعرفة، فيما الأخير يوحي بترف حضوره مجسدا جراء وجوده بين فضاءات رمزيته الدائمة. هكذا هي الأمكنة، تنتج الرؤية وتبقيها، وتتكفلها للانخراط في الوجود.

لا شك أن المتاحف وصالات العرض مجالات تحقق للعمل الفني ما يعد به. إذ ليس ثمة حجب، بل عرض لحقيقة تحتفظ بقوة التمثل. إن الفن فيهما لا يكون سوى أصله.

كثيرة هي، بما لا تحصى، تلك الخطابات النقدية، بأبعادها الفكرية المختلفة وتسويغها لوجهات نظر فنية أخرى، تناوبت على تفسير الفن. لكن يبقى العمل الفني بمثابة وجود قصدي وحضور جمالي ينفتح على أسئلة متجددة، تعزز من قيمته وترفد الاعتراف بخصوصيته.

العمل الفني يبقى محتفظا بجمالية غير قابلة للتبدد، وهو يعيش جميع الأفكار التي نحتفظ بها عنه. إنه يقاسمنا وجوده حينما يتحدث خفية، إلى كل منا على حدة.

هكذا هو الفن في معناه وحقيقته، وليست تلك المؤسسات الفنية أو قاعات العرض ودور المزادات ومثمّنو الأعمال الفنية، وتلك الاختصاصات التي تندرج ضمن منظومات فرعية يصفها البعض بالأكاديمية غير المرئية، التي تدعي تثمين الفن والعمل الفني بمبالغ طائلة وبشكل غامض لا يدركه أحد سواها.

12