ضرورة تكييف الديمقراطية مع الفضاء العربي

الخميس 2014/11/13

أعلم أن السطو على الممتلكات الثقافية يعاقب صاحبَه القانون. لكني أؤمن بأنّه إذا كانت الغاية نبيلة جاء الحكم خفيفا. رغم هذا فأنا مقدم بكل إرادة وعزم على السّطو والاقتباس. رغم أنني أعتقد أن سرقة الأموات أخطر من سرقة الأحياء، فسأقدم على التعدّي على من رحل إلى عالم الحق والرحمة.

ضحيتي ممثل مكسيكي شهير، عرفه هواة الشاشة الكبيرة والصغيرة باسمه الفنّي كانْتِيفْلاس، بينما اسمه الحقيقي: ماريو مورينو. كانت كلّ الأشرطة التي ظهر فيها إنسانية المواضيع، اجتماعية المشاكل، تهدف إلى بلوغ العدل والمساواة. أما ما سأسطو عليه من أقواله، فهو خطاب ألقاه، رمزا، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفة سفير بلاد صغيرة. رغم أنّ ما قاله يعود إلى أربعين سنة مضت، ورغم أنه عالج مشاكل عالمية، فكلّ ما قاله صالح اليوم، وفيه كثير يهم سياسيّينا والذين يريدون حكمنا، أو يحكموا علينا بما لم تنتفض جماهيرنا من أجله، لكن ليس فيه ما هم يجرون وراءه دون أن يعترفوا به.

يقول الممثل الحكيم: “نجتاز مرحلة تواجه فيها بلداننا نفسها. نحن نجتاز مرحلة تاريخية، صار فيها الإنسان عملاقا علميا وفكريا، لكنه بقي قزما أخلاقيا. إنّ الرّأي العام في بلداننا منقسم انقساما عميقا، لا يتفق فيه اثنان على رأي حصيف… وأرادت الأعجوبة أنّ صوتا واحدا، صوت إنسان ضعيف، يستطيع أن يميل الميزان لهذا الجانب أو للآخر. إننا، كما يقال، أمام ميزان، حيث يضع صاحب الصوت نفسه يميل الميزان. أليست هذه مسؤولية عظمى لشخص واحد؟ إني لا أرى من العدل أنّ نِصْفَ الإنسانية، أو البلاد، أو الشعب، أيّا كان ذلك النّصف، يبقى ليعيش تحت نظام سياسي واقتصادي ليس من مرغوباته، لمجرّد أنّ فردا واحدا، كان من كان، أدلى بصوته، أو جعلوه يدلي بصوته، في هذا الاتجاه أو ذاك”.

ذكّرني قوله بما سبق أن كتبته بخصوص الأغلبية. فالديمقراطية مثلا، كثيرون يعتبرونها زيّا رسميا يجب على من يريدها أن يرتديه، بينما هي قيم، إن توفرت، لبسها كل واحد حسب مقتضياته.

إن أسس الديمقراطية ضمان الحريات، بما تشمله من حقوق وواجبات. فإن توفرت هذه وضُمِنت، بقوانين غير قابلة للتدنيس والتدليس، كانت الديمقراطية، فكان لكلّ أن يرتديها حسب حاجياته. أمثلة كثيرة مأخوذة من تجارب من يُعتبرون آباء الديمقراطية، تؤكد عدم بلوغهم الكمال فيها فتراهم في نضال ونقاش بحثا عن مَخرج مما وقعوا فيه.

فمنهم من يشكو قانون الانتخابات، وغيره يتألم من دكتاتورية الحزبين أو جمودهما، وآخر يعيب قانون أغلبية الواحد والخمسين بالمئة وعيوبها التي كثُرت فأضرّت، وهذا وذاك يعيبان ما يتمتع به النواب من امتيازات مادية وغير مادية، تضر بخزانة الدولة وتأتي على المساواة، والجميع يتذمر من التبذير خاصة عند اقتراب موعد الحملات الانتخابية، التي أصبحت مهرجانات واحتفالات، مضاف إلى كل هذا غموض شرعية تمويل الأحزاب السياسية، وأخيرا لا آخرا، انعدام المشاركة الجماعية في الآراء والاقتراحات والقرارات. فعمّ التساؤل عن مفهوم الديمقراطية التي يعيشونها وقد خلت من نصف معناها “ديمو”- الشعب- وبقي النصف الثاني “كراسيا” أي السلطة.

ما يسمّى بالأغلبية المطلقة بعيد أن يكون عدلا صرفا، تثبته التجارب العديدة كالتي عاينتها كصحفيّ، عندما نجح حزب ما، في بلد ما، بخمسين بالمئة من مقاعد برلمانه، “فاشترى” من بعض صغار الأحزاب، صوت أحد نوابه فكانت له الأغلبية، وهذا مثال يعزّز تشكي الممثل العظيم، من أن ذلك ليس عدلا، حين قال: “لا أرى من العدل أن يعيش النصف مكرها تحت ما يقرّره النصف الآخر”.

رغم هذا التعدي على الإنصاف الحقيقي، لا تزال الأصوات ترتفع هنا وهناك مشيدة بالديمقراطية “الغربية”، كما يحلو للكثيرين تسميتها، متغاضين عن عيوبها، لا في حدّ ذاتها، بل في بعض محتوياتها، لأنها عمل بشري، فهو إذن عرضة للنقص والخطأ، وغير ذلك مما تزخر به النفس البشريّة وأهواؤها.

إذا أُضيف إلى هذا اختلاف الظروف والحاجيات والثقافات وغيرها ممّا يميّز بلدا عن آخر، أو مجتمعا عن غيره، سهل الاقتناع والموافقة على ما سبق لي قوله عن الديمقراطية، ولزوم مسايرتها الزمان والمكان، دون المساس بجوهرها وهو ضمان، ووجوب ضمان كلّ الحريات بما تشمله من حقوق وواجبات. إن توفرت هذه وضُمِنت، بقوانين واضحة، كانت الديمقراطية المنشودة، أو بعض من الديمقراطية المنشودة.

فاليوم وتونس، وغيرها من بلداننا العربية، تقف عند منعطف مصيري دون شك، أضحى من واجب كلّ المسؤولين وكلّ المواطنين، أن يعتبروا بمن سبقوا ولا يقلّدوا، لأن المحاكاة والتقليد ضارّان وغير نافعين. فكما قال أحدهم، “ما أحوج العرب المعاصرين إلى أن يأخذوا ما هم في أوكد الحاجة إليه، من نسمات الأريحيّة الطبيعية، التي تعرف كيف تبتسم للحياة في نطاق الجدّ والثقة والطمأنينة ونور البصيرة، وكيف تنتصر على كلّ القوى الظلاميّة، التي تتألّب على الحياة وتريد لها ضيقا وانقباضا وتزمّتا، وتُقلّص ظلّا في ظلمة الأهواء وكذب المبادئ، وذهول الغرائز، وزيف الحقارات”.

ليس أصدق من هذا النداء الصّادق الذي أنقله لكلّ مواطنيَّ العرب، خاصّة منهم، كما هي الحال في تونس، أولئك الذين رشحوا أنفسهم، أو قبلوا ترشيحهم لاستلام مقاليد مسؤولية الحكم وتسيير أمور الشعوب.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9