ضرورة حماية المساجد من الأخونة دفعا للتفكك والفتنة في المجتمع العربي

الجمعة 2014/05/16
أحد الأئمة المتطرفين يدعو إلى القتال في سوريا معتليا منبر المسجد الذي جعل للصلاة والتعبد وليس للدعوة إلى القتال

تونس - ترتكز الأحزاب التي تنتمي إلى فضاء الإسلام السياسي الفكري إلى جملة من الأفكار والفتاوى والبنى التنظيمية الخاصة والمؤسسات الدينية في تحركها ونشاطها في أي مجتمع تنغرس فيه قصد أخونته، ولعل مؤسسة المسجد هي الحاضنة الرئيسيّة لهذه السياسات الحزبية. وقد شهدت المنطقة العربية عموما تكثيفا لظاهرة “أخونة المساجد” وتحزيبها وجعلها منابر مصادرة لصالح الأحزاب الإسلامية (خاصة الإخوانية)، ناهيك عن محاولات الضفة الأخرى للإسلام السياسي (الشيعة السياسية) استقطاب وجوه معروفة إلى مذهبها لإذكاء توسعها في الجغرافيا العربية تحت غطاء طائفي.

جدّت في المدة الأخيرة وفي مناطق مختلفة من الوطن العربي أحداث تتعلق بتوظيف أئمة إسلاميين للمساجد والجوامع وتوظيفها لخدمة أغراض سياسوية خاصة بأحزاب وجهات بعينها، على غرار إيقاف السلطات السعودية لثلاثة خطباء عن الخطابة مدى الحياة لثبوت انتمائهم إلى تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي المحظور، وقرار عباس شومان وكيل الأزهر الشريف القاضي بمنع القارئ فرج الله الشاذلي من القراءة بالجامع الأعظم لثبوت إعلائه للآذان على الطريقة الطائفية الشيعية في أحد المساجد بالعراق، وتسجيل تفاهمات له مع رواد أحزاب سياسية طائفية شيعية بالعراق.

كما تواصل السلطات التونسية “حربها الساعية إلى حماية المساجد من توظيف الجهاديين لها” بعد أن حوّلُوها إلى فضاءات للالتقاء والتنسيق لتنفيذ عمليات إرهابية.


مساجد المملكة هدف للإخوان


قررت سلطات المملكة العربية السعودية مؤخرا إيقاف ثلاثة خطباء وصفتهم بالمعروفين (لم تكشف عن أسمائهم) عن الخطابة في المساجد السعودية مدى الحياة، بعد ثبوت ترويجهم لخطاب إخواني سياسي داخل المساجد التي خطبوا فيها، وذلك في تواصل للسلوك الإخواني الممارس في كل الأقطار والدول التي ينشط فيها هذا التنظيم. ويتسم هذا السلوك أساسا بالقدرة الكبيرة على تحويل المسجد إلى منبر سياسي خاص يروج من خلاله الإخوان لأفكارهم ومواقفهم السياسية.

وتواصل السلطات السعودية تطبيق قرارات الدوائر التشريعية والأمنية الرسمية التي أعلنت عن منع نشاط جماعة الإخوان المسلمين في المملكة، وذلك على خلفية تفطن الأجهزة السعودية لمخطط إخواني خطير يعمدُ إلى تأليب الوضع داخل المملكة وكافّة دول الخليج العربي، بهدف إسقاط الأنظمة والحلُول مكانها في إطار ما يسمى بـ”دولة الخلافة” التي يروج لها الإخوان رفقة حلفائهم.

انخرطت الأحزاب الشيعية بدورها في هستيريا توظيف الأئمة لتحويل التناقضات إلى طائفية

وتأتي أنشطة الإخوان في المساجد السعودية في سياق التواصل مع التشكيلات التنظيمية الأخرى في أقطار عربية ودول أجنبية ينتشر فيها التنظيم الدولي للإخوان. وتعد مسألة تحزيب المساجد واستخدامها كمنابر للدعاية الحزبية من أهم الوسائل التي يستعملها الإسلاميون بشكل عام لحشد الأنصار والمريدين، وقد أتقن الإخوان جيدا هذا الأسلوب وتمرنوا عليه طيلة نشاطهم في مصر ودول عربية وأوروبية وحققوا به “انتصارات” انتخابية في الآونة الأخيرة. ويأتي نشاطهم هذا في المملكة السعودية قصد مزيد الانتشار في المنطقة تمهيدا لتنفيذ المخطط (القطري-الإيراني-الأميركي-الإسرائيلي) القاضي بإعادة تقسيم المملكة العربية وكامل دول الشرق العربي إلى “كانتونات” طائفية ودويلات معزولة عن بعضها البعض من أجل مزيد تمكّن الغرب من مصادر الطّاقة التي بدأت في النّفاذ.


التشيّع السياسي وتخريب البيوت


انخرطت الأحزاب السياسية ذات المرجعية الطائفية الشيعية بدورها في “هستيريا توظيف الأئمة” التي حلت بالمنطقة بُعيْد الربيع العربي، تاركة وراءها نزاعات طويلة تتمظهر أحيانا في شكل صراعات طائفية مسلحة على غرار ما يحدث في العراق وسوريا منذ سنوات.

فقد قرر عباس شومان، وكيل الأزهر، منع القارئ فرج الله الشاذلي من تلاوة القرآن بجامع الأزهر الشريف، وذلك إثر ظهور الشاذلي مُعمما، في مقطع فيديو، وهو يرفع آذان الشيعة في أحد المساجد بالعراق وقد كان محاطا بقادة سياسيّين شيعيّين يتعهد إليهم بالتّمهيد لطُهور المهدي المنتظر. وقد ظهر في الفيديو أتباع المرجعية الصدرية (نسبة إلى موسى الصدر) المعروفة بتشددها للطائفة الشيعية وضلوعها في ارتكاب أعمال عنف وقتل في العراق بدوافع طائفية وإقليمية موالية لإيران. ولعل وجود قارئ بارز مثل فرج الله الشاذلي في جمع من الشيعة في العراق، يأتي في إطار بحث الأجهزة الإيرانية عن مواطئ قدم داخل أسوار الأزهر الشريف صاحب المرجعية الوطنية والعروبية، بعد أن ثار الشّعب على الحليف الأول لإيران في المنطقة، الذي يتمثّل في جماعة الإخوان المسلمون، في 30 يونيو الماضي.

تحولت المساجد في تونس إلى حاضنة لجماعات تخطط في السياسة متكلمة بلغة دينية

وقال شومان إنّه لا يُشرّف الأزهر الشريف أن ينتمي إليه واحد من أمثال الشاذلي، مشيرا إلى أنّه سيطلب من وزير الأوقاف معاملته بالمثل في جميع المساجد التابعة للأوقاف.

وأضاف قائلا: “أطالب بإحالته إلى التحقيق في ما نسب إليه في الفيديو المتداول على مواقع مختلفة، وأقول له إنّ بعض الدنانير ليست ثمنا كافيا لأن تبيع دينك وعلمك في أواخر أيامك، وأعلم أنك وأمثالك ومن كنت تجلس معهم يلقنونك كتلميذ، ومن يقف خلفهم كذلك، لن يستطيعوا التمهيد لأحد، ولن تستطيع الدنيا بأسرها التأثير على سنيّة المصريّين، فعقيدة أهل السنة والجماعة التي يعتقدها الأزهر الشريف تجري في دمائهم، وتكسبهم حصانة من عبث العابثين”.


منابر المساجد منابر للحرب


بعد أن نجحت السلطات التونسية نسبيا في إخماد توهج الجماعات الاسلامية المتشددة عبر اعتقال أو قتل أبرز قياداتها في المعارك التي نشبت بين الجماعات المتشددة التكفيرية (والمنتمية إلى تنظيمات إرهابية كالقاعدة والجهاديين الإخوان…) في الأشهر الأخيرة، انتقلت المعركة الآن إلى مستوى آخر، عبر تضييق الخناق على هذه الجماعات في المساجد، والتي تمثل أحد أهم القلاع القليلة التي تبقت بحوزة السلفيين.

وتسعى الحكومة الجديدة، التي تسلمت السلطة قبل أكثر من ثلاثة أشهر إثر استقالة الحكومة السابقة التي كانت تقودها حركة النهضة الإسلامية، إلى استرجاع سيطرة الدولة على المساجد التي ظل أغلبها لثلاث سنوات تحت سطوة إسلاميين متشددين. وقد استغلتها أطراف متطرفة مرتبطة برجال أعمال تونسيين ودول مجاورة للتحريض على القتل والعنف في تونس، ولتجنيد الشباب للسفر والقتال في سوريا.

وقد كانت المساجد الحاضنة الأبرز لهذه المخططات. وقد دفع توظيف المساجد والأئمة الخطباء إلى نشوب العديد من الصراعات العنيفة بين المواطنين والمتشددين حول مواضيع تتعلّق بالتحريض على الجهاد وتكفير الحاكم والسياسيين (خاصّة المعارضين للنهضة) ما تسبّب بدوره في تنفيذ نقابة الأئمة لإضرابات متواصلة وتصريحات متواترة تتّهم من خلالها وزير الشؤون الدينية حينها(ينتمي إلى حزب النهضة) بالمشاركة والتواطؤ في زرع بذور الفتنة والدفع بالشباب إلى الانتحار في حروب لا تعنيه، من خلال “ترك المجال مفتوحا أمام الخطباء المتحزبين للتكلم واعتلاء المنابر للتحريض”، حسب قول نقيب أئمة المساجد التونسية. وقد اعترفت السلطات فعلا بمعضلة السيطرة على المساجد في العديد من المناسبات وإلى حدود الأيام الأخيرة، حيث أكّد كمال الفطناسي، المسؤول الأول عن المساجد في وزارة الشؤون الدينية التونسية، أنّ “المهمة معقدة وصعبة وقد تستغرق شهورا” لأنّ من وصفهم “بأصحاب الفكر المتشدّد لن يقبلوا التفريط بسهولة في المساجد وربما هم مستعدون لأيّة مواجهة”، في سبيل تحقيق أهدافهم السياسية المتخفّية وراء شحنة الخطاب الديني الجذابة.

13