ضريبة الاغتراب المكلفة لا تحول دون هجرة الشباب العرب

حلم إيجاد فرصة حقيقية في بلاد تؤمن بالعلم منهج حياة أقوى من كل العقبات.
الأحد 2018/06/10
أحلام مؤجلة
 

لم يعد غريبا الحديث عن هجرة الشباب العربي لدول غربية هربا من الواقع المتأزم في المنطقة، لكن ماذا بعد الوصول إلى “جنة الأحلام” هل نجحوا فعلا في خلق واقع مغاير لما تركوه في الوطن، أم كانت رحلة الهجرة مجرد إعادة إنتاج لأزمات من نوع آخر؟

القاهرة - طرأت في السنوات الأخيرة تغيّرات على الدول العربية، جعلت منها أسبابا قوية للهجرة والهروب من الواقع المؤلم، وبات السفر الشغل الشاغل لكل شاب يحلم بعيشة أفضل واستقرارا يحترم آدميته، إلا أن أحدا منهم لم يطرح السؤال الأهم: ماذا بعد الرحيل، هل يحقق أهدافه، وينجح في الهروب من مشكلاته الكبرى، مثل الفقر والبطالة والظلم الاجتماعي؟

أربعة نماذج عربية تركت بلدانها الأصلية واستقرت لسنوات طويلة في دول غربية باحثة عن مستقبل مشرق وطوق نجاة من العالم القاسي الذي ألقى بهم يوما ما في دول لا تحترم الإنسانية وتعج بالفوضى والدمار.

من فقر إلى فقر

يقف سيد ثابت، بعربة مثلجات قديمة ومتهالكة تبيع “الجيلاتي” (المثلجات) الإيطالي الشهير بالقرب من ميدان وكنيسة “دومو” في قلب مدينة ميلان الإيطالية. يتابع ثابت السائحين المتدافعين إلى الميدان الشهير والجذاب محاولا التقاط الزبون المناسب للانقضاض عليه لإقناعه بشراء المثلجات منه ليجني في النهاية مبلغ 40 يورو يتشارك فيها بالنصف مع صاحب العربة.

يظل المبلغ المتبقي جزءا من مدخرات ثابت اليومية المطلوب في نهاية كل شهر أن تكون كافية لدفع أجرة الغرفة التي يشترك فيها مع ثلاثة آخرين وادخار المتبقي لدفع جزء لأسرته الفقيرة في مركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية (شمال القاهرة). أما الجزء الأخير فهو من نصيب إحدى شركات التزوير الشهيرة في ميلان المختصّة في استخراج أوراق عمل مزوّرة لحمايته من أي محاولة لترحيله.

ويقول ثابت لـ”العرب”، وهو على وشك اجتياز عامه الرابع في أوروبا، “الفقر كان السبب الأول والأخير للهروب من الظروف الاقتصادية الصعبة في مصر، والانضمام إلى فوج من الراغبين في الهجرة عبر البحر من خلال مراكب الصيد المنتشرة في محافظة كفر الشيخ، في شمال القاهرة”.

نفالي ديارا:  كوني مسلما عربيا ببشرة سمراء جعلني أكثر الناس عرضة للعنصرية والاضطهاد العرقي والديني
نفالي ديارا:  كوني مسلما عربيا ببشرة سمراء جعلني أكثر الناس عرضة للعنصرية والاضطهاد العرقي والديني

يحكي ثابت قصة عبوره البحر المتوسط مستقلا مركب متهالك تقوده عصابة اشتهرت في مطلع الألفية بقدرتها الوصول لأقرب النقاط السواحل اليونانية بحيث يكون اجتياز المسافة المتبقية للأراضي الأوروبية سهلا إلى حد ما.

وأوضح أن أكثر من 50 شخصا ألقوا بأنفسهم في عرض البحر في محاولة للوصول لشاطئ اليونان، وكان هو واحد منهم، وكاد يغرق لكنه نجح في النهاية في الوصول، ليجد نفسه وثلاثة فقط من نجحوا في اجتياز البحر بنجاح، ومن بعدها انتقل إلى عدة مدن أوروبية حتى استقر به الحال في ميلان بإيطاليا.

ويرى ثابت أن الظروف الصعبة وعدم القدرة على توفير قوت الحياة اليومي له ولأسرته، التي تتكوّن من خمسة أفراد، كانت سببا في اختيار الهجرة غير الشرعية دون خشية من الموت.

ورغم ما يحكيه ثابت عن المعيشة في أوروبا والظروف الأفضل بشكل عام والفارق في البنية التحتية بين مصر وإيطاليا، لكن مازلت أكبر مشكلاته لم تحل بعد وهي الفقر الشديد.

ويقول “خلال أربع سنوات لم أنجح في ادخار الكثير من الأموال، ورغم أن مستوى المعيشة أفضل، لكن أكثر تكلفة على الفرد، فتكلفة الطعام والشراب والمبيت في إيطاليا تمثل ضعف التكلفة في مصر، في أوروبا تعيش فقط بما تكسبه من عملك وتعيش بعيدا عن أهلك وأصدقائك”.

ويؤكد لـ”العرب”، أن فكرة العودة إلى مصر لا تراوده، فرغم العوز الذي يلاحقه في كل مكان يذهب إليه، لكن فقر أوروبا أفضل من فقر مصر وقسوته”.

ويحلم ثابت بنجاحه في الحصول على الجنسية الإيطالية وجلب زوجته وأولاده للعيش معه بعد ذلك، تماما مثلما فعل المئات من أهل قريته والقرى المحيطة.

البحث عن فرصة مستمر

لم يشفع امتلاك نفالي ديارا بيتا كبيرا على المحيط الأطلسي بحي “تفرغ زينة” الراقي بمدينة نواكشوط في موريتانيا أن يجعله يعدل عن فكرة السفر إلى بريطانيا وعدم العودة مرة أخرى لبلده. ورغم تيسر حال أسرته وامتلاك والده لشركة مختصة بالصيد، لكنه اختار الرحيل طلبا للعلم إلى جامعة وستمنستر في لندن للحصول على درجة الماجستير في العلاقات العامة.

نجح ديارا بالفعل في الحصول على الماجستير منذ عامين، ورفض العودة لمساعدة والده في عمله، مستبدلا ذلك بعمل في شركة مختصة بترجمة النصوص الأدبية من الإنكليزية إلى لغات أفريقية، منها لغة البمبارية المنتشرة في غرب أفريقيا ويجيدها بطلاقة.

يفسر ديارا أسباب عدم رغبته في العودة، لـ”العرب”، قائلا “الشباب في البلاد الأفريقية والعربية بشكل عام وموريتانيا بشكل خاص لا يملكون مستقبلا، ولا يحققون طموحاتهم لأسباب عديدة، أهمها عدم توفر الإمكانات الحديثة مثلما هي موجودة في أوروبا”.

ويلخص الفكرة في تحقيق الذات والبحث عن فرصة حقيقية قائلا “إن كان أي شخص حالم بتحقيق أمجاد شخصية، فيجب عليه الهجرة فورا من بلده النامي الفقير إلى بلد أكثر تقدما وازدهارا لا تقدم له فقط العلم الحديث لكن العيشة الكريمة وسبل النجاح”.

مشاعر ديارا القوية اتجاه الهجرة والبقاء في بلد مثل بريطانيا وتأكيده أنه بالهجرة تخلص من أكبر مشاكله، ولم تحل دون أن يواجه مشكلة أخرى لم يكن يتوقعها، وهي العنصرية وصعود الفكرة القومية لدى البريطانيين، والتي ظهرت في رغبة لندن بالخروج من الاتحاد الأوروبي.

تمتلك أوروبا بشكل عام صعودا حادا وسريعا لنبرة الشعبوية الراغبة في طرد المهاجرين من أوروبا، خاصة المسلمين بعدما تكاثفت الهجرات في العقود الأخيرة، ورأى فيها الكثير من القوميين خطرا يهدد أمنهم الخاص ويعرّض أوروبا بالكامل للأسلمة وتفشي الإرهاب مع تزايد شبح العمليات الإرهابية.

ويقول ديارا، “كوني مسلما عربيا ببشرة سمراء جعلني أكثر الناس عرضة للعنصرية والاضطهاد العرقي والديني”، وواجه بثبات صراخ واعتداء جيران له في الشارع يطالبون إياه بالرحيل والعودة فورا إلى بلده الفقير بعد أن سرق قوت أولادهم وخير بلاده.

هاله منصور: توافر البيئة المحفزة على العمل بالإضافة إلى قدرات المهاجر الشخصية هي التي تحدد مدى نجاحه
هاله منصور: توافر البيئة المحفزة على العمل بالإضافة إلى قدرات المهاجر الشخصية هي التي تحدد مدى نجاحه

ويُمثل الشباب طبقا لتقرير التنمية الإنسانية العربي الصادر عن الأمم المتحدة عام 2016، أكبر كتلة تشهدها المنطقة العربية على مدى الخمسين عاماً الأخيرة، إذ يشكلون 30 بالمئة من السكان البالغ عددُهم 370 مليونَ نسمة.

ويرى محللون أن ثورات الربيع العربي أصابت جيل الشباب بنشوة الانتصار على واقع مرير، غير أن تغييب هذا الجيل وتهميشه عن المشهد لصالح نخبويين من جيلي الوسط والشيوخ بدعوى الاستفادة من خبراتهم، أدى إلى شعور عام بالإحباط ورغبة قوية في الهجرة وعدم الانتماء.

وتقول هاله منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس في القاهرة، إن “توافر البيئة المحفزة على العمل، بالإضافة إلى قدرات المهاجر الشخصية من العوامل التي تحدّد مدى نجاحه من عدمه، غير أن توافر عوامل الجذب للهجرة وأخرى طاردة من البلدان التي يتواجدون فيها تساعد على زيادة طاقات التحمل لتحقيق نجاحات شخصيه لهم بالخارج”.

وأضافت لـ”العرب”، أن “عدم إتاحة الفرصة لكثير من المهاجرين في بلدانهم تكون دافعا لإثبات أنفسهم في الخارج، وتكون صعوبة العودة إلى بلدانهم مقدمة على الرغبة في إقامة حياة مستقرة، بغض النظر عن مدى النجاح أو الفشل”.

عامل بدرجة طبيب

 في غضون شهر واحد تحوّل نبيل رائد، من طبيب شاب يعمل نهارا في إحدى العيادات الخاصة وليلا في قسم الطوارئ بمستشفى حكومي بالدار البيضاء بالمغرب، إلى غاسل أطباق في مطعم دجاج شهير بمدينة سلامنكا الصغيرة شمال غرب العاصمة الإسبانية مدريد.

خرج رائد من بلاده بحثا عن عمل أفضل ينجيه هو وأهله من ويلات صعوبة البحث عن وظيفة واحدة تكفيه للعيش حياة كريمة، ورغم كون رائد طبيبا ماهرا ومجتهدا، لكن مثلما هي ظروف بلاده انعكست الظروف الاقتصادية الصعبة على حياته فقرر مثل حال الكثير من المغاربة شد الرحال إلى أقرب البقاع الأوروبية، إسبانيا.

ذكرت بعض الإحصاءات الرسمية أن أكثر من مليون مغاربي يعيشون في إسبانيا بشكل قانوني، بينما تفيد أرقام غير موثقة أن ضعف هذا الرقم يعيش بشكل غير شرعي في أنحاء إسبانيا والبرتغال.

ويختار عدد كبير من المغاربة الهجرة بحرا بطرق غير شرعية، لكن رائد اختار الحل الأسلم مستغلا وظيفته كطبيب ليحصل على تصريح سفر بغرض تعلم اللغة الإسبانية لمدة شهر واحد، ليكسر تلك المدة ويقرر العمل بشكل غير شرعي في سلامنكا، مركز الراغبين في تعلم الإسبانية.

ويؤكد رائد لـ”العرب” أن الأسباب التي دفعته للرحيل من بلاده هي الأسباب ذاتها التي يحملها كل مهاجر من دول العالم الثالث إلى العالم المتقدّم، الفقر والبطالة والظروف القاسية تجبر الجميع على أن يترك خلفه أسرته ومعارفه من أجل البحث عن المال.

كابوس اقتصادي

اثبات النفس في الخارج
اثبات النفس في الخارج

يضيف رائد “ربما أكون قد تغلّبت على جزء من مشكلاتي بالحصول على مبلغ مالي أكبر من عملي في أوروبا، ومعنويا بالعيش في بلد أكثر تقدّما، لكن خسرت أمام ذلك الحصول على وظيفة تناسب قدراتي وشهادتي العلمية كطبيب، وفي المقابل استبدلتها بالوظائف المتوفرة خاصة للشباب الذين يعيشون بشكل غير قانوني، كالعمل في المطاعم والحانات”.

وتعيش إسبانيا كابوسا اقتصاديا بسبب قدراتها الاستثمارية المتعثرة وارتفاع معدلات البطالة التي تجبر أبناء البلد أنفسهم على العمل في وظيفتين صباحا ومساء، ويشير رائد إلى أنه فوجئ بعدما وصل إلى إسبانيا أنه هرب من المغرب بحثا عن عمل، فوجد بلدانا أوروبية تعاني هي الأخرى من البطالة، مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان.

ويقول علاء عوض، وكيل وزارة الهجرة في مصر سابقا، إن الرغبة في الهروب من المشكلات الداخلية تكون دافعا نحو النجاح أو على الأقل السعي المستمر إلى تحقيق هدف معيّن، بالإضافة إلى أن بيئة العمل المختلفة والتي تحفّز بشكل أساسي على العمل تصبّ في صالح وصول المهاجرين إلى أهدافهم.

ويوضح لـ”العرب” أن الرغبة في إقامة حياة مستقرة، لتكون ملاذا من الفقر أو الاضطهاد، أصبحت هدفا في حد ذاته، ما يساهم في زيادة أعداد المهاجرين الذين يعيشون على الإعانات الشهرية التي تقدّمها بعض المجتمعات الغربية للعاطلين.

نبيل رائد: خسرت فرصة الحصول على وظيفة تناسب قدراتي وشهادتي العلمية، واستبدلتها بالوظائف المتوفرة
نبيل رائد: خسرت فرصة الحصول على وظيفة تناسب قدراتي وشهادتي العلمية، واستبدلتها بالوظائف المتوفرة

ويشير عوض إلى أن “المهاجر يصطدم بالواقع المؤلم، والهروب من مشكلات بلده لا يعني أن حياته أصبحت وردية، فيجد المهاجر نفسه أمام أزمات التأقلم مع المجتمع والاندماج وفهم فرق الثقافات والعنصرية”.

وثمّة نموذج آخر يختلف عن سابقيه في تحقيق نجاح كبير وملموس، وهو وليد حسنين طبيب مصري هاجر إلى الولايات المتحدة ليصبح جرّاحا ويخترع جهازا فريدا لنقل الأعضاء البشرية والحفاظ عليها لفترة أطول وبطرق أكثر جودة، ليتم اختياره بعدها ضمن قائمة مجلة “فورين بوليسي” الأميركية للأكثر تأثيرا في العالم في عام 2016.

هاجر حسنين، منذ قرابة العشرين عاما، تغيّر به الحال كثيرا ولاقى نجاحا كبيرا في مجاله الطبّي الهام. ويؤكد الطبيب أن الظروف والإمكانيات الموجودة في البلاد الغربية ساهمت بشكل أساسي في نجاحه وتطور عقليته وآليات عمله.

وأضاف أن التهيئة النفسية في الخارج واحترام العقول العلمية وتقدير الإنسان، عوامل تشجع أي شخص على الإبداع والتقدّم، وهو ما يغيب عن الكثير من الدول النامية، لذلك تهاجر العقول المبدعة والطموحة بحثا عن فرصة حقيقية في بلاد تؤمن بالعلم منهج حياة. ويلفت الانتباه إلى أن الاغتراب له ضريبة يجب تسديدها، وهي فقدان الحياة الاجتماعية المعتادة من مناخ أسري حميم وترابط وصداقة.

ويتزوج الكثير من المغتربين من الدول التي يهاجرون إليها ويكوّنون أسرا وأصدقاء جددا، إلا أن أغلبهم يشعرون بالحنين لحياتهم الاجتماعية السابقة في بلدانهم الأصلية.

ويرجع البعض تلك الأسباب إلى كونها مرتبطة باختلاف العادات والتقاليد بين الشرق والغرب، لا سيما أن الأوربيين يحترمون مبدأ الخصوصية بشكل كبير، على عكس مجتمعات الشرق الغارقة في الفضولية والتي ترى في ترك الآخرين وعدم مساعدتهم في وقت الأزمات وصمة عار.

ويرى وجدي عبدالعزيز، مدير مركز الجنوب لحقوق المهاجرين في مصر، أن التغلب على صعوبات البداية هي التي تحدد مدى نجاح الشخص من عدمه.

وأضاف لـ”العرب” أنه في حال تخطى الأمر ووصل إلى مرحلة الاستقرار تكون فرص نجاحه أكبر، وهذه الصعوبات تكون بشكل أكبر في الهجرة غير الشرعية التي تتطلب الانتظار سنوات لحين توفيق أوضاعه في بلد اللجوء.

19