"ضريبة الزهرية".. معاناة المرأة مع غلاء لا يعرفه الرجال

ارتفاع أسعار منتجات السيدات الخاصة والأساسية يضع المصريات أمام معضلة مواجهة الدورة الشهرية.
الأحد 2018/08/12
إعلانات لا تطابق الواقع المادي للمرأة

الأزمات الاقتصادية العاصفة في مختلف الدول ومن بينها مصر تُخرج المرأة عن صمتها وتدفعها إلى المجاهرة بحاجتها الماسة لإجراءات حكومية عاجلة لتخفيض أسعار الفوط الصحية أو ما يعرف بـ”ضريبة الزهرية”، فالأزمة غذت أزمة وكشفت عن معاناة من نوع آخر تتجدد مع كل دورة شهرية ضحيتها المرأة دون سواها

القاهرة – انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو أثار جدلا واسعا لمدونة فيديو أوروبية تشكو فيه مما يسمى بـ”الضرائب الزهرية”، وهو مصطلح يستخدمه البعض في وصف تفاوت الأسعار بين منتجات العناية الرجالية والنسائية، وارتفاع سعر الأخيرة فقط لكونها نسائية وزهرية اللون.

أثار المقطع جدلا واسعا بعد انتشاره بين سيدات وفتيات مصريات، وشجع بعضهن للخروج في العلن والإعلان عن سخطهن من ارتفاع أسعار منتجات السيدات الخاصة والأساسية المرهونة بطبيعتهن الفيزيولوجية، والتي يراها المسؤولون ليست سلعا أساسية تحتاجها السيدات بشكل شبه يومي. ويأتي على رأس تلك السلع الأساسية؛ الفوط الصحية للمرأة التي تستخدمها وقت الدورة الشهرية.

 ورغم عالمية الأزمة وشكوى الكثير من السيدات حول العالم، تبدو المرأة المصرية، في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة، تواجه التحدي نفسه بشكل أكثر صعوبة، بعد أن ارتفعت أسعار جميع السلع الخاصة بالسيدات، ظنا منهم أنها جزء ترفيهي وتجميلي يمكن الاستغناء عنه.

وتظل المعضلة الحقيقية في كسر حالة الجمود حول مناقشة قضية تخص الدورة الشهرية للسيدات، وهي مسألة شديدة التعقيد في المجتمعات العربية، التي ما زالت ترى في مناقشة تلك الأنواع من القضايا أمرا معيبا يخدش الحياء العام.

معاناة متجذّرة

تمتد معاناة النساء على مرّ العصور مع مواجهتهن للدورة الشهرية، فقبل ظهور الفوط الصحية التي تعرفها السيدات الآن، استخدمت النساء أمورا مختلفة لمواجهة دماء الحيض. فاستخدم اليونانيون القدامى الخشب بنفس طريقة السدادات القطنية، لكنهم استبدلوا القطن بقطعة صغيرة من الخشب الملفوفة بالقماش ووضعها داخل المهبل.

أما في العصر الروماني، استعانت السيدات بصوف الخرفان، لكنه كان يسبب العرق والأمراض، فاستبدلوه بأوراق الشجر. واستخدمت الممرضات أيام الحرب العالمية الثانية الضمادات الطبية كفوط صحية، بعد أن اكتشفن قدرتها الفائقة على الامتصاص. وفي فترات أخرى اُستخدم فراء الحيوانات والأحزمة الملحقة بجزء سفلي والمصنعة خصيصا لدماء الحيض.

وشاع استخدام نبات “الإسفغنون” لأنه يمتص السوائل، عن طريق تجفيفه ووضعه داخل قطعة من القماش. إلا أن الصينيات كن متفردات في محاولاتهن مواجهة مشكلة الحيض، وشاع أنهن استخدمن الرمال والقماش لصناعة فوطة صحية مريحة، بوضع كمية من الرمال داخل قطعة قماش وإغلاقها جيدا واستخدامها، ثم فتحها وإلقاء الرمال وغسل قطعة القماش لإعادة استخدامها.

حملت القصص التاريخية حكايات مثيرة حول سبل مواجهة السيدات لأزمتهن المتجددة كل شهر، كيف عانت المرأة وما زالت من غياب الطريقة المثلى للراحة؟

يعتقد البعض أن تلك الفوط رفاهية يمكن الاستغناء عنها مقارنين إياها بمساحيق التجميل، رغم كون تلك المنتجات الأساسية جزءا من تكوين المرأة ودورة حياتها الطبيعية.

المعضلة الحقيقية تكمن في كسر حالة الجمود حول مناقشة قضية تخص الدورة الشهرية للسيدات في المجتمعات العربية، التي ما زالت ترى في ذلك خدشا للحياء

مع ظهور الفوط الصحية بالإضافة إلى التامبونز (السدادات القطنية) المستخدمة حاليا، والتي بدت اختراعا غيّر سيكولوجية الكثير من السيدات في التعامل مع معاناتهن، أضحت النساء يعتمدن عليها كجزء من الاحتياج الضروري الذي لا غنى عنه لمواجهة النزيف الذي يستمر من 3 إلى 8 أيام شهريا.

تحتاج المرأة الواحدة إلى استخدام 3 أو 4 فوط يوميا، على الأقل في خلال اليوم الأول والثاني، ما يعني أنها بحاجة إلى 15 فوطة شهرية أو أكثر، بافتراض أنها سترتدي واحدة فقط يوميا لمدة تمتدّ من 6 إلى 8 ساعات.

تكمن أزمة السيدات المعاصرات مع أسعار تلك المنتجات التي تفرض بعض الدول ضرائب عليها باعتبارها سلعا ترفيهية. ولا تزال نساء كثيرات يخضن المعركة لرفع الضرائب أو لتوفيرها مجانا للنساء غير القادرات.

وتشير إحصائية أجرتها مؤسسة بلان الدولية في بريطانيا أن واحدة من كل 10 فتيات لا يستطعن تحمل تكلفة الأدوات الصحية وقت الدورة. كما أشارت صحيفة “ذا تايمز” الهندية إلى أن 18 بالمئة فقط من النساء الهنديات يستطعن شراء الفوط الصحية.

 وحسب صحيفة الغارديان البريطانية، أظهرت دراسة أجريت في أسكتلندا أن النساء يعانين من عدم وجود الفوط الصحية إلى حدّ أنهن يستخدمن الورق والملابس القديمة بدلا منها. ولوحظ في دول عديدة عزوف الفتيات عن الذهاب إلى المدرسة وقت الدورة لعجزهن عن شرائها كالهند وكينيا.

ربما يظن البعض أن المسألة بسيطة بالمقارنة بأزمات اقتصادية أخرى، لكن حجم الاستهلاك اليومي يضع المرأة المصرية في ظل معركتها مع الغلاء أمام تكلفة شهرية لا يمكن تجاهلها. ويبلغ سعر العبوة شائعة الاستخدام، والمكونة من 7 أو 8 قطع، دولارا، وهي أسوأ الأنواع الموجودة، علاوة على حوالي 2 دولار ثمنا للفوط اليومية، أي تحتاج المرأة المصرية العادية محدودة الدخل إلى 4 دولارات شهريا للعناية بجسدها أيام الدورة.

 أما أنواع الفوط الجيدة، فضلا عن كونها غير متوفرة في مناطق كثيرة، فهي مرتفعة الثمن نسبيا عن مثيلتها، ما قد يرفع تكلفة الفوط الشهرية إلى حوالي 6 دولارات، دون شراء أي منتجات أخرى، وضعف الرقم في حالة أن تكون الأسرة بها عدد أكبر من النساء، فتصبح الأمور أكثر تعقيدا وتكلفة.

أزمة مصرية

بحسابات بسيطة فإن التكلفة بشكل عام تصل إلى 60 دولارا فما فوق سنويا للمرأة الواحدة، ما يساوي دخل شهر كامل لسيدة متوسطة أو محدودة الدخل في مصر.

كشفت دراسة حديثة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن المرأة المصرية أكثر الفئات معاناة من الفقر وتدهور الوضع الاقتصادي.

وأوضحت الدراسة أن معاناة السيدات في مصر نابعة من كون أكثر من 40 بالمئة منهن لا يعملن بوظائف دائمة توفر لهن أموالا خاصة، وهو ما يجعل المرأة الفئة الأضعف لعدم تحقيقها مستلزماتها الأساسية بسبب غياب المادة، كما أن غالبية المطلقات والأرامل يصبحن مسؤولات عن توفير القوت اليومي في حالة غياب الرجل، ما يضعهن تحت ضغط عبء أكبر.

تختار النساء عادة مستلزماتهن الأساسية وفقا لجودة المنتج، ومع ارتفاع الأسعار، تواجه النساء بمفردهن مسؤولية توفير احتياجاتهن الشهرية، وأمام الأزمة الاقتصادية تتضاءل المشتريات.

وكشفت حوارات أجرتها “العرب”، مع عدد من السيدات عن ابتكارات نسائية بدت طريقا لمجابهة ارتفاع الأسعار، فحكت شيماء (27 سنة) عن مراحل تقشفها في شراء الفوط الصحية، وكيف انتقلت من الأنواع المميزة للأصناف العادية في ماركتها المفضلة ثم غيرت النوع الذي تستخدمه بالكامل، ومع موجة الغلاء التالية بدأت في تقليل استهلاكها باستبدال الفوط الصحية في آخر أيام الدورة بقطع القماش داخل المنزل، وهذا ما فعلته مع كل أدوات العناية الأخرى، ماركة أقل ثم تخفيض الاستهلاك.

وقالت تسنيم (32 عاما) إنها استبدلت الأنواع عالية الجودة بالأنواع العادية السميكة، رغم حساسية بشرتها تجاهها، وشعورها بعدم الراحة أثناء ارتدائها، بالإضافة إلى استغنائها عن منتجات الوقاية من الشمس لارتفاع سعرها، واستبدال منتجات العناية والترطيب بنوع واحد من الزيوت المرطبة، والتنازل نهائيا عن المعطرات.

مع ارتفاع الأسعار، تواجه النساء بمفردهن مسؤولية توفير احتياجاتهن الشهرية، وأمام الأزمة الاقتصادية تتضاءل المشتريات.

أما صفا (27 سنة) فتوقفت تماما عن استخدام الفوط اليومية داخل المنزل بعد أن اعتادت على استخدامها طوال الوقت، وبالنسبة للفوط الشهرية، بدأت التفكير في استخدام فوط القماش داخل المنزل لكنها لم تبدأ بعد. وبدت طريقة سارة (22 سنة) وهي أم لطفل، الأغرب على الإطلاق من بين جميع السيدات المتقشفات، فقد استعانت بحفاضات الأطفال، بعد أن وجدتها تتحمل لوقت أطول ولا تسبب الحساسية، بالإضافة إلى استخدام المناديل الورقية بدلا من الفوط اليومية.

لم تكن سارة وحدها أول من بدأت تلك الطريقة الجديدة، لكن هناك سيدات اخترن الحفاضات بعد أن وجدن أنها أرخص، مقارنة بالفوط، وأكثرها قربا لراحة وجودة الفوط الصحية.

لم تتوقف الحالة التقشفية التي بدأتها السيدات عند الفوط الصحية، بل امتدت لتشمل كل ما يخص المرأة من منتجات، فوفقا لما صرحت به هبة (27 سنة) لـ”العرب”، فإنها استبدلت أغلب منتجات التجميل والعناية بالبشرة بمنتجات طبيعية مثل قشور الفواكه وزيوت النباتات، واتجهت إلى اقتسام بعض المنتجات مع زوجها مثل غسول البشرة ومعجون الأسنان.

حل الأزمة

تبقى أزمة توفير مستلزمات الدورة الشهرية مشكلة عالمية تؤثر على النساء في دول متفرقة، وباتت أزمة تؤرق مصريات كثيرات في ظل عدم الاهتمام بمشكلاتهن بعد أن طغت الأزمة الاقتصادية على كل المنتجات والسلع الأساسية.

وبدت الاستعانة بتجارب عالمية لمواجهة الأزمة أو التخفيف من صعوبتها، ابتكارا مقبولا بعد أن ظلت الحلول التي سعت إليها السيدات، من تقليل الجودة واستبدال الفوط بأخرى، غير مناسبة وتشي بالكثير من العيوب.

وابتكرت سيليا هودسون فكرة جديدة لتوفير الفوط الصحية لمحدودي الدخل في بريطانيا عن طريق إنشائها شركة هاي غيرلز، لخدمة هدف واحد وهو مقاومة عوز مستلزمات الدورة الشهرية.

وتقوم الفكرة عن طريق بيع منتجات الحيض عبر الموقع الرسمي، وفي مقابل كل عبوة تقوم بشرائها، يتبرع الموقع بعبوة أخرى لصالح امرأة بحاجة إليها في بريطانيا.

وقالت هودسون لموقع “ستاندرد” البريطاني إنه بالإضافة إلى الفوط الشهرية توفر الشركة مصادر تعليمية تهدف إلى مساعدة الفتيات البريطانيات على التعامل مع حيضهن بطريقة سليمة.

وقدمت الهند صورة مختلفة لحل الأزمة، بعد أن قررت الحكومة في يوليو الماضي إلغاء الضريبة التي أقرتها على الفوط الصحية، بعد احتجاجات شعبية دشنها نشطاء وحقوقيون لإلغاء الضرائب، وأطلقوا عليها “ضريبة الدم”.

ولقي القرار استحسانا واسعا، واُعتبر خطوة هامة نحو تمكين النساء وإزالة العقبات التي يواجهنها، خاصة فتيات المدارس اللاتي كن يمتنعن عن الذهاب إلى المدرسة لعجزهن عن شراء الفوط الصحية.

وسلكت تنزانيا طريقا شبيها بما فعلته الهند في الشهر نفسه، وفي الخطوة نفسها، حيث قامت بإزالة الضرائب المقررة على سلع الحيض بعد مجهود طويل من المؤسسات المعنية بالأمر. ووعد الرئيس يوري موسيفيني في أوغندا، في خضم سباق الانتخابات الرئاسية 2016 بتوفير الفوط الصحية لفتيات المدارس، لكن وعده لم ينفذ حتى الآن.

تبدو التحركات النسوية العالمية للتوعية بتلك الأزمة والمطالبة بالتسهيل على السيدات، مدخلا لتحريك المياه الراكدة في دولة مثل مصر، تبدأ بالتوعية أولا بأهمية تلك الأنواع من السلع، كونها جزءا من احتياج المرأة الأساسي، الذي يحتاج إلى دعم كامل وسريع.

20