ضريبة الشعر في الجزائر

رغم انكماش بعض الشعراء المنخرطين في هذا التيار لأسباب كثيرة فإن هناك من لا يزال يواصل التجريب قصد تعميق وتكثيف تجربته الشعرية بعيدا عن الضجيج الإعلامي غالبا.
الجمعة 2018/04/13
أزمة حقيقية لواقع الشعر (لوحة: عمار النحاس)

لا شك أن واقع انكماش الشعر في الجزائر، لا يختلف بشكل عام عن حال الشعر في مشهد الحركة الأدبية في العالم العربي بأسره، وهذا لا يعني عدم وجود بعض المساهمات الشعرية المكتنزة التي يمكن اعتبارها استثناء إيجابيا رغم قلتها من جهة وغياب النقد الذي يقدمها ويرعاها بواسطة تحليل تطوراتها على صعيد التقنية الفنية والمضامين من جهة أخرى.

وفي هذا السياق يلاحظ الراصد لهذا الواقع الشعري تباين المناخ الذي رافق مراحل التأسيس التي عرفها الأدب العربي منذ نهاية الأربعينات إلى غاية الثمانينات من القرن العشرين عن مناخ المرحلة الحالية ويمكن اختصار هذا التباين في انعدام ظاهرة التيار الشعري الذي يستند إلى الرؤية المتكاملة مثلما كان عليه الأمر في الفترة التي شهدت، مثلا، تأسيس شعر التفعيلة من قبل الشعراء الملقبين بالرواد وكذلك ترسيخ قصيدة النثر على أيدي شعراء درسوا بجدية وعمق تراث قصيدة النثر في التجربة الشعرية الغربية وبذور تشكل ملامحها في التراث الأدبي العربي معا.

ففي الجزائر كانت تجربة الشعر الحر التفعيلي بعد استقلال البلاد مباشرة انطلاقة مغايرة، أحدثت بعض التحول النوعي ليس فقط في التوزيع الموسيقي الذي يتشكل من عناصر التجربة التي يعبّر عنها الشعراء بل على مستوى الرؤية الاجتماعية والحضارية أيضا. وهكذا كان الصراع بين التيار الشعري التقليدي وتيار شعراء التفعيلة، في الجزائر في ذلك الوقت، صراعا حول مفهوم التحديث والسبل التي ينبغي أن تؤدي إلى تجديد الحياة وتحرير المجتمع وليس على شكل أو طريقة الكتابة الموسيقية للقصيدة فقط.

ورغم انكماش بعض الشعراء المنخرطين في هذا التيار لأسباب كثيرة فإن هناك من لا يزال يواصل التجريب قصد تعميق وتكثيف تجربته الشعرية بعيدا عن الضجيج الإعلامي غالبا. أما كتابات الجيل الذي جاء بعد الشعراء المؤسسين لشعر التفعيلة في الجزائر فهي لم تحدث أي تحول راديكالي يمنحها التميز ويعود السبب أساسا في التقدير النقدي إلى عدة عوامل مترابطة منها ندرة الموهبة لدى أغلبهم، والجري وراء تقاليع مستوردة وغير مؤصلة مثلما يسمى بقصيدة الهايكو، فضلا عن استسهال كتابة قصيدة النثر التي تعتبر نمطا شعريا أصعب بكثير من نمط قصيدة التفعيلة أو القصيدة التقليدية.

ويبدو أن الملاحظة النقدية الساخرة التي سجلها مؤخرا الكاتب الجزائري رمضان نايلي حول واقع الشعر الجزائري راهنا جديرة بالتأمل فعلا لأنها تشير إلى وجود أزمة حقيقية تتلخص في تقديره في كون “عدد الشعراء في الجزائر أصبح أكثر من عدد الدواوين الشعرية، هذا إذا كانت تنطبق عليها معايير الدواوين الشعرية، ولهذا يجب على الدولة أن تتخذ إجراءات صارمة، و”ذلك بتبني سياسة تحديد النسل، لكل عائلة الحق في إنجاب شاعر واحد، وأي إضافة تتطلب دفع ضريبة”.

15