ضعف أداء حكومة الفخفاخ يحرج قيس سعيد

حركة النهضة توظف احتجاجات الكامور بهدف توسيع الحزام الحكومي.
الخميس 2020/06/25
طفح الكيل

تجد الحكومة التونسية نفسها أمام امتحان عسير، بعد اختيارها للمعالجة الأمنية في فض اعتصام الكامور، وهو ما يحرج رئيس الجمهورية قيس سعيّد الذي راهن على اختيارها وسط تجاذبات سياسية “محتدمة”، ويطرح مدى قدرتها على الصمود أمام الصدمات في مشهد محتقن.

تونس – يربك أداء الحكومة التونسية التي عرفت دستوريا باسم “حكومة الرئيس” الرئيس قيس سعيّد في ظل ضعف أدائها وعجزها عن احتواء الغضب المتصاعد في مدينة تطاوين (جنوب) والتجائها إلى الحلّ الأمني بدل تهدئة الأوضاع في الكامور والإنصات إلى مطالب المعتصمين.

ويضع تعاطي رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ مع اعتصام الكامور الرئيس قيس سعيد الذي اختاره لهذا المنصب بعد مفاوضات شاقة، في موقف حرج نظرا لاستخدام حكومته القوة في تفريق المحتجين وإلقاء القبض على الناطق الرسمي باسم الاعتصام طارق حداد، ما زاد من تأجيج الأوضاع بالمدينة.

ووقع الإفراج عن الحداد الأربعاء بعد إيقافه الأحد خلال فضه اعتصاما لحراك الكامور تخلله إحراق الإطارات المطاطية وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع.

وكان المحتجون منعوا قبل ذلك بأيام قليلة مرور شاحنات وسيارات شركات البترول إلى الصحراء، للضغط على الحكومة من أجل تنفيذ كامل بنود اتفاق “الكامور”. ويطالب المحتجون الحكومة خصوصا بتنفيذ اتفاق تم التوصل إليه بعد اعتصام دام أشهرا في العام 2017، بتوظيف عدد من العاطلين عن العمل في شركات نفطية في منطقة الكامور التابعة للولاية.

وعلى الرغم من أن سعيّد نجح في تهدئة المحتجين بتعهده الثلاثاء من باريس أثناء زيارته لفرنسا بتنظيم لقاء مع ممثلين عن الجهة والاستماع إلى مطالبهم حال عودته إلى تونس داعيا العاطلين عن العمل في تطاوين إلى تقديم مشاريع تنموية للدولة، إلا أن متابعين يستبعدون إخمادا كليا لشرارة الحراك والاحتجاجات ما لم يتم تنفيذ بنود الاتفاق بشكل تام.

ومع عودة الاحتجاجات الاجتماعية، يجد سعيّد نفسه أمام امتحان الاستجابة لمطالب الشارع وخاصة الشباب الذي اختاره لمنصب الرئاسة بنسبة تأييد واسعة، والمرور إلى تطبيق شعار “الشعب يريد” الذي رفعه خلال حملته الانتخابية الرئاسية موفى 2019.

كمال القرقوري: ملف الاحتجاجات هو ملف موروث بالنسبة للحكومة
كمال القرقوري: ملف الاحتجاجات هو ملف موروث بالنسبة للحكومة

وأشار عصام الشابي أمين عام الحزب الجمهوري في تصريح لـ”العرب” إلى ضرورة أن يلعب الرئيس دورا إيجابيا في تطويق الاحتجاجات. وتعليقا على دعوة سعيد للقاء وفد من الكامور، رأى الشابي أنه من الجيد أن يكون رئيس الدولة مستعدا للحوار مع المعتصمين، غير أن الاستماع فقط إليهم خطوة غير كافية، داعيا إلى “استجابة عاجلة وحلول منسجمة”.

وترفض بعض الأوساط السياسية اتهام الحكومة الحالية بالضعف في إدارة الملفات الاجتماعية، وترى أن هذا الفشل تتقاسمه جميع الحكومات المتعاقبة بعد ثورة يناير 2011. وعلى العكس ترى هذه الأوساط أن الأحزاب التي شاركت في جل حكومات ما بعد الثورة مثل حركة النهضة تتحمل مسؤولية هذا الفشل بدرجة أولى.

ويقول الشابي إن ضعف الحكومات المتعاقبة دفع الاحتجاجات إلى العودة بقوة، فهي تطرق أبواب السياسيين وتذكرهم أن اهتماماتهم لا تتقاطع والواقع المعيشي الصعب في ظل ارتفاع مؤشرات البطالة والفقر وتواصل التهميش.

وزادت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الحكومة أعقاب ظهور وباء كورونا المستجد، وفيما استفادت من حالة الطوارئ الصحية التي وضعتها في سلم أولوياتها لضمان استمراريتها وصمودها في وجه خصومها ومحاولات تشويهها من حركة النهضة الغير راضية على حكومة الرئيس منذ تشكيلها، إلا أنها باتت اليوم في مواجهة مباشرة مع الشارع.

ويعتقد الشابي أن الحكومة لم تكن قادرة على المسك بهذا الملف الحارق. ويضيف أن هذا الفشل “يحرج جميع السياسيين وبالتالي قيس سعيد سيجد نفسه محرجا أمام مطالب الشعب، بما أنه على رأس السلطة ومعني بها”.

ويجمع المتابعون على فشل المعالجة الحكومية للملف الاجتماعي، ولطالما تعرضت حركة النهضة التي كانت على رأس الحكومات المتعاقبة لانتقادات حادة نتيجة أدائها الضعيف والتهائها بتحقيق مكاسب سياسية بدل البحث عن حلول.

وأشار كمال القرقوري الأمين العام لحزب التكتل في تصريح لـ”العرب” إلى أن ملف الاحتجاجات هو ملف موروث بالنسبة للحكومة التي انطلقت بأزمة صحية وشكل أولوية الأولويات بالنسبة إليها، وبشكل اضطراري لم تكن انطلاقتها بمعالجة الأزمات الموروثة.

وتابع “ملف الاحتجاجات يمثل إحراجا لكل من هو في السلطة، خاصة وأنها احتجاجات مبنية على مطالب مشروعة في منطقة مهمشة”. وتوقع القرقوري أن الحكومة ستتجه لفتح هذه الملفات والمضي في إصلاحات عميقة.

ولاحظ متابعون أن اهتزاز التحالف الحكومي الذي دبت داخله الخلافات يؤثر على أداء الحكومة وعلى عمل البرلمان المطالب بالمصادقة على مشاريع القوانين الصغيرة (اليومية) إلى الكبيرة الخاصة بتعديل القانون الانتخابي على الأفراد بدل القوائم.

وقد لا تجد دعوة الرئيس في تغيير النظام السياسي والقانوني الانتخابي التي ألمح إليها مؤخرا، صدى في البرلمان حيث ستقع ضحية التجاذبات الحزبية. وظهر إلى العلن عدم انسجام التحالف الحكومي وعمله بشكل غير موحد بعد تبادل الاتهامات بين حزبي الشعب والنهضة وصلت إلى حد التهديد بالانسحاب من الحكومة، إضافة إلى اتهام رئيس الحكومة باستغلال منصبه لإبرام صفقات.

ومع ظهور بوادر أزمة حادة داخل حكومة الفخفاخ قد تهدد مصيرها، دعا القرقوري الحكومة إلى ضرورة إدارة الخلافات في ما بينهم وإيجاد حلول لخدمة الإطار العام سواء في التنفيذ أو التشريع.

ويحمل متابعون مسؤولية الصراع داخل الحكومة التي تعمل على إضعاف صورة “حكومة الرئيس” أمام الرأي العام. وتعمل النهضة على استثمار الأزمات للضغط على الحكومة بهدف توسيع الحزام السياسي وتشريك حليفها قلب تونس في الحكم لمواجهه خصم قوي مثل عبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر التي نجحت في كسب تأييد شعبي حسب استطلاعات الرأي الأخيرة.

وفيما رفض الفخفاخ توسيع الحكومة بضم قلب تونس، تضغط النهضة بتوظيف الاحتجاجات الاجتماعية وتأليب الرأي العام عبر صفحاتها الإلكترونية ضد الحكومة لرضوخها لطلبها أو التهديد بسحب الثقة منها. كما أن الرئيس سعيّد في مرمى استهداف النهضة الذي اختار أن يكون عكس التيار ويتصدى لطموحها في الاستحواذ على السلطة بتجاوز رئيس الحركة والبرلمان راشد الغنوشي صلاحياته الدستورية.

ويستنج المحلل السياسي فريد العليبي أن ملف الكامور يضعف أداء قيس سعيّد بما أنه المسؤول عن اختيار الفخفاخ. ويتابع “كما يحرج سعيد من حيث التناقض الذي بدا جليا بين قصر الرئاسة ورئاسة البرلمان، وهو ما يعني صحة الأخبار المتواترة عن سعي حركة النهضة لاستغلال الاحتجاجات في الكامور في اتجاه الضغط على الحكومة من أجل توسع نطاقها من جهة، وتخفيف سعيد لانتقاداته للبرلمان من جهة ثانية”.

4