ضعف الإعلام العراقي يمنح الجيوش الإلكترونية فرصة الصعود

تحظى ظاهرة الجيوش الإلكترونية على فيسبوك بتأثير على شريحة واسعة من الجمهور العراقي، وتتمثل المشكلة في أن غالبية هذه الصفحات تروج لمعلومات مضللة وخطاب كراهية وتحريض على العنف، في ظل غياب وسائل إعلام موثوقة ومؤثرة وانعدام المحاسبة من قبل السلطات.
الخميس 2017/07/13
مصدر الإشاعة

بغداد - تنتشر العشرات من الصفحات في ما يعرف بـ”الجيوش الإلكترونية”على موقع فيسبوك الأكثر شعبية بين مواقع التواصل الاجتماعي لدى العراقيين، وتبث أخبارا مفبركة وتعليقات متهكمة عبر محترفين وخبراء في الصحافة والمونتاج.

ورغم أن هذه الظاهرة لا تخص العراق وحده، وتلاحظ في الكثير من بلدان العالم ومنها الدول العربية، إلا أن الأمر الخطير هنا أنها تحظى بالإقبال وأصبحت عاملا كبيرا في توجيه الرأي العام في العراق، دون وجود أي محاسبة أو ملاحقة لمروجي خطاب الكراهية والتحريض على العنف والفتنة المذهبية والطائفية.

ورصد بيت الإعلام العراقي في تقريره التاسع والعشرين هذه الظاهرة، من خلال 30 صفحة على فيسبوك وكان معيار الاختيار أنها ممولة عبر إعلانات مدفوعة تم توثيقها، ولاحظ مستخدمو مواقع التواصل كثرة انتشارها في الآونة الأخيرة وحصلت على الآلاف من المتابعين خلال أيام قليلة، وغالبا ما يشمل الإعلان الممول لهذه الصفحات أخبارا معينة تتضمن رسائل سياسية.

ويميز المدون والناشط مصطفى الصوفي بين الصفحات التي تعبر عن قضايا اجتماعية مهمة، وبين تلك التي تبث خطاب الكراهية، معتبرا أن صفحات التواصل وما يطلق عليه بالجيوش الإلكترونية، هي ظاهرة إيجابية وهي جزء من ثقافة اجتماعية للتعبير عن الرأي، ومطلب أساسي من متطلبات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ويضيف أن “ثمة مغالطة يسوقها البعض بخصوص تعميم عمل هذه الصفحات، حيث أن كل التيارات الدينية والسياسية والاجتماعية وحركات الدفاع عن حقوق الإنسان تمتلك مجموعات تنسيقية للترويج والضغط وصناعة الرأي العام والتبشير الديني أو التثقيف السياسي والدعاية الانتخابية، وهذا جزء من ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان”.

غير أنه رفض “عمل بعض الصفحات التي تسعى لبث خطاب الكراهية وانتهاك خصوصية الأفراد، لأن هذين النوعين من الخطابات مخالفان للقانون وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.

ويرى الصوفي أن الموضوع اختلط على المتلقي “ولم يعد الجمهور يميز بصورة واضحة بين من ينتهك القانون ويحرض على العنف، وبين من يعمل لأجل قضية سليمة”، ووفق رأيه “فليس كل الفرق الإعلامية الناشطة في هذا المجال يمكن وصفها بالسذاجة والسطحية، لكن ثمة مشكلة في كل الصحافة العراقية، من حيث كونها صحافة صفراء تحب الفضائح والميل باتجاه التصعيد، ويمكن ملاحظة هذا في أغلب الفضائيات والصحف، وأن هذا الأسلوب هو لأجل جذب عواطف الجمهور”.

ونفى اعتبار كل المجموعات الإعلامية التابعة للسياسيين بنفس المستوى، لأن الكثير منها كما يرى “عكست طبيعة السياسي وطريقته” دون أن يتطرق إلى أسماء صفحات ومدونين بعينهم.

ويتفق الكثير من الصحافيين على ازدياد حجم تأثير هذه الصفحات إلى درجة أن وسائل الإعلام تستقي بعض أخبارها وتقدمها للجمهور برغم افتقارها إلى المعايير المهنية، وباتت جزءا مهما من مصادر المعلومات لدى الجمهور، وفق ما قال معدا التقرير منار عزالدين ومنتظر القيسي.

صالح الحمداني: موجة جديدة ستجتاح وسائل التواصل كلما اقتربنا من الانتخابات التشريعية

كما أن غياب حق الحصول على المعلومة من الجهات الرسمية، والافتقار إلى الحد الأدنى المقبول من حيادية وسائل الإعلام، أعطيا الظاهرة دورا أكبر للانتشار، وسط مخاوف من تزايد نشاطها أوقات الأزمات، وبثها أخبارا ومعلومات لا تخلو من خطاب كراهية ضد أفراد ومجموعات في المجتمع.

وترى الصحافية العراقية والناشطة المدنية نور القيسي أن هذه المواقع أثرت على الرأي العام المحلي حيث “حلت بعضها محل الإعلام التقليدي في مجال صناعة الرأي العام، لذلك الحديث عنها أو محاربتها أو حتى محاربة أخبارها المفبركة عملية صعبة”.

وأضافت القيسي أن “القضية لها وجهان، وممكن القول إن العاملين في هذه الجيوش بعضها يعكس سطحية ثقافة القائمين عليها، لكن هنالك صفحات والتي تعتبر الأكثر تأثيرا، يمتلك القائمون عليها من الذكاء والخبث، بحيث أنهم يستطيعون توصيل أو إقناع المتلقي بمعلومة جديدة وغير متداولة، مثل افتعال حروب وتحريك الناس من خلال أسلوبهم المقنع”.

وعزت أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى “ضعف وسائل الإعلام واعتمادها على التمويل الحزبي، وافتقار الإعلام العراقي للرقابة القانونية والأخلاقية للتعاطي مع المعلومة”.

وأوضحت أن “لكل حزب أجنداته الخاصة وله خط سير لا يسمح بالخروج عنه وهذا ما يقيد الإعلام بعدم عرض الصورة كاملة، فيعرضها منقوصة لصالح مذهب معين أو أجندة بعينها أو سياسي معين، بحيث يزيد أو ينقص من الحقيقة وفقا لما يخدم مصلحته”.

وأردفت أن “الأمر الآخر والأهم عدم وجود قانون يحاسب الكاتب على أي خبر مفبرك لموضوع يؤجج الفتن الطائفية، والمثال الأبرز على ذلك تلك الدعوات التي تزامنت مع سقوط الموصل وطالبت بقصف المدينة بالكيماوي أو تلك التي دعت إلى قتل الأهالي”.

ووصفت القيسي أسلوب عمل بعض الصفحات بأنه شبيه بطريقة القاعدة وداعش بتجنيد الناس البسطاء من خلال محاكاة عواطفهم لتحريكها، خاصة وأن المجتمع عاطفي. فضلا عن أن ضبابية الإعلام الحكومي وصعوبة الوصول إلى المعلومة من الإعلاميين المستقلين، ساعدا على انتشار مثل هذه الصفحات ومنحها فرصة أن تكون الصانع الأول للرأي العام.

واقترحت أن يكون هنالك إعلام قوي مضاد، متحرر من السطوات الحزبية، أو صفحات تعمل بنفس الأسلوب مهمتها كشف الحقيقة مثل صفحة تقنية من أجل السلام.

ومن جهته، يرى المدون والإعلامي العراقي صالح الحمداني أن ظاهرة الجيوش الإلكترونية مؤثرة بشكل كبير، مبديا اعتقاده بأن موجة جديدة ستجتاح وسائل التواصل كلما اقتربنا من الانتخابات التشريعية في أبريل 2018.

وأضاف أن “الجيوش الإلكترونية مهمتها التشويش والتسقيط والتسطيح، وهي تنجح بعفويتها وبساطتها التي نراها، فهي تستهدف فئة معينة”.

18