ضعف الحجج قاسم مشترك بين مناهضي الإعدام ومؤيديه في العالم العربي

الاثنين 10 أكتوبر هو اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، وقد أحيا العالم العربي هذه الاحتفالية بأشكال متفاوتة، تتراوح بين نبرة حادة ومتحمسة، وأخرى خجولة ومتلعثمة، لكنها لم تخرج في غالبيتها من جدران المنتديات وأروقة الصحافة والإعلام.
الثلاثاء 2016/10/11
تنفيذ عقوبة الإعدام يعدّ انتهاكا للحق في الحياة

ففي العاصمة اللبنانية عقدت السفارة الفرنسية نقاشا بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، تلاه عرض فيلم “مصعد إلى المشنقة” للمخرج لويس مال (1958)، في المركز الثقافي الفرنسي ببيروت.

وفي المنامة أشادت الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان بأن مملكة البحرين لم تشهد منذ 2009 تنفيذا لحكم بالإعدام وهو أمر إيجابي يشجع على المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام بشكل نهائي من التشريعات.

ودشنت منظمات حقوقية محلية ودولية بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، الذي يوافق أمس الاثنين، حملات لمناهضة أحكام الإعدام في مصر، في قضايا يراها معارضون “سياسية” وتعتبرها السلطات المصرية “ذات صبغة جنائية بحتة”. وأشارت مصادر صحافية إلى أنّ 60 معتقلا سعوديا يقبعون في السجون العراقية، مشيرة إلى أن البعض من هؤلاء المعتقلين حُوكموا وثبتت براءتهم، فيما آخرون انتهت مدة أحكامهم، بالإضافة إلى آخرين لم تتم محاكمتهم، لافتة إلى أن السلطات العراقية لم تطلق سراح من ثبتت براءتهم.

وفي العالم العربي دائما، فقد سبق للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان أن فتحت النار على وزير الدولة مدير ديوان رئاسة الجمهورية أحمد أويحيى، في ملف الجدل حول تطبيق عقوبة الإعدام من عدمه في الجزائر وتأييده لتطبيق هذه العقوبة على قاتلي الأطفال، متهمة إياه بالتستر تحت غطاء الدين.

وبدوره، ناشد “المرصد العربي لحرية الإعلام” كل الحكومات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وحماية الحق في الحياة، إلى الضغط على أنظمة عربية كثيرة لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام بحق معارضين سياسيين.

وفي هذا السياق يقول الناشط الأردني في مجال حقوق الإنسان، رياض الصبح “يسير الاتجاه العالمي حاليا نحو إلغاء أو تجميد أو تقليص أكبر قدر ممكن للجرائم التي تطبق بها عقوبة الإعدام.. ولكن، للأسف، في المنطقة العربية تسير الأمور باتجاه معاكس”.

الجدل حول إلغاء عقوبة الإعدام أو إبقاء العمل بها مازال قائما في البلاد العربية، ويخضع للعديد من الأمزجة والأهواء التي تتحكم فيها مصالح في أغلبها آنيّة وذات آفاق ضيقة، أكثر منها مبدئية وعميقة الوعي والدراية، ممّا يثبت ابتعاد العالم العربي حكومات وشعوبا عن هذا المجال الحقوقي الذي يخص الإنسان في أرقى تعريفاته.

و تعدّ المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عقوبة الإعدام “عقوبة قاسية ومهينة”. فهنالك حاليا 140 دولة أعضاء في الأمم المتحدة، إما ألغت عقوبة الإعدام أو أوقفت تطبيقها، ومازالت 57 دولة تطبّقها، من بينها 14 تطبّقها على الأطفال.

وينفذ حكم الإعدام شنقا حتى الموت بالحبل وهي الطريقة الأكثر شيوعا في العالم، أو رميا بالرصاص للعسكريين في الغالب، أو صعقا بالكرسي الكهربائي، أو خنقا في غرفة الغاز، أو بالحقنة المسمومة أو المميتة وهذا في الولايات المتحدة الأميركية أساسا والصين بدرجة أقل.

انقسم الفلاسفة وعلماء الاجتماع وفقهاء القانون إلى تيارين متناقضين، حول مدى جدوى عقوبة الإعدام، فذهب التيار الإبقائي إلى العمل على إبقاء هذه العقوبة، في حين ذهب التيار الإلغائي إلى العمل على هدم حجج التيار الإبقائي.

هل يمكن اعتبار تنفيذ حكم الإعدام رادعا للمجرمين؟ وهل هذا التنفيذ يقي المجتمع حقا من القتلة؟ وهل الردع يكمن في الإعدام بحد ذاته أم أن الإعدام هو الوسيلة الأخيرة التي يمكن اللجوء إليها في حال لم تكن الخطوات السابقة قادرة على إحقاق الحق وإشاعة حالة الرضا والارتياح بين الناس؟

الإعدام للإرهابيين سلاح في حده الحد بين الحق والباطل

الإعدام طريقة لتجنب الإعدام

المطالبون بالإبقاء على عقوبة الإعدام في العالم العربي، ليسوا قلة كما تشير إحصائيات كثيرة، وهم يزيدون على مطلبهم هذا ويذيلونه بمطالب جانبية وإضافية، تتعلق بطرق الإعدام، ويرغبون في أن ينفذ الحكم علنا، وأن تنقله الشاشة الصغيرة حتى يراه الجميع بغاية الارتداع وأخذ العبرة، لكن عمليات التنفيذ في أغلب البلدان -وفي نظر هؤلاء- ما عادت تتم بشكل علني، بل تجري في باحة السجون والغرف المخصصة أمام عدد قليل من المعنيين.

وينبغي أن لا تأخذنا الهالة الإعلامية الموسمية وحدة الحماسة العابرة في اليوم العالمي لمناهضة الإعدام، فهذه الاحتفاليات لا تخرج من المنتديات المتخصصة والمغلقة، أو التغطيات الإعلامية العابرة، فالرأي العام تتسم مواقفه عادة بردود الأفعال، لا بالموقف الثابت والنابع من خلال الوعي العام بضرورة الإبقاء أو إلغاء عقوبة الإعدام، وهذا الأمر لا ينطبق على العالم العربي وحده، فلقد عمَّت المظاهرات إيطاليا عند اغتيال جنرال في الشرطة عام 1981، وفي هذه الفترة أيضا تم خطف القاضي “جيوفاني دوروسو”، واكتسحت المظاهـرات شوارع إيطاليا مطالبة بعودة عقوبة الإعدام، وذلك كرد فعل فقط لهذين الحدثين.. وفـي منتصف عام 1982 عمت المظاهرات إيطاليا أيضا مـطالبة بإلغاء عـقـوبة الأشغال الشاقة، وذلك بعد اكتشاف حالة بـريء قضـى حـياتـه فـي السجن محكوما عليه بـالأشغال الشـاقة.

المدافعون عن قانون الإعدام يرون فيه عقوبة وجدت لتحقيق مفهوم العدالة، فالقاتل الذي حرم آخرا من حقه في الحياة في ظروف غاية في الفظاعة، يجب أن يكفر بحياته عما اجترح في حق غيره، والإعدام عقوبة عادلة لأن حرمان الفاعل من حياته يساوي حرمان حياة القتيل.

إذا ألغيت عقوبة الإعدام فإنه يستحيل إيجاد عقوبة أخرى تحل محلها، وأن الأخذ بها فيه تحقيق لمبدأ المساواة والعدالة في تطبيق العقوبة، وبصورة متناسبة مع ما ارتكبه الجاني من جرم، وقد أثبتت الوقائع أن استبدال عقوبة الحبس المؤبد بهذه العقوبة غير مجد لأن هذه العقوبة لا تلبث أن تنقلب إلى عقوبة مؤقتة بفعل قوانين العفو الشامل، وكثيرا ما يحدث أن يستفيد المجرم من سهولة قوانين العفو، ويخرج إلى المجتمع حاملا معه عنصر الانتقام.

إن الجاني إذا أمضى حياته في زنزانة انفرادية كعقوبة له بدلا من الإعدام فإنه سوف يكون أشقى حالا مما لو أعدم، وكل محاولة لإصلاحه لا تنفعه لأن الإصلاح يهدف إلى إعادته للمجتمع شريفا طاهرا، ولم تزل يداه ملوثة بدماء الأبرياء وقهر ذوي القتيل..

كما أن حراسة السجين المؤبد تكلف الدولة نفقات باهظة يمكن أن تنفق لإصلاح الآخرين ممن يرجى إصلاحهم.

ساعة اليد التي كانت تطوق معصمه، فقد استبدلت بزرد السلاسل، وقيد سوف يرافق نبضات قلبه الراكضة نحو منصة الإعدام والنهاية

لا بد من أن نضع نصب أعيننا عند إيقاع العقوبة هدفا رئيسيا يكمن في إصلاح المجرم وليس استئصاله، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اتخاذ عادة الثأر كسبب لاستئصال المجرم حيث بينت المسيرة التاريخية للجنس البشرى زيف الدعاوى القائلة بأن عقوبة الإعدام “أو القتل القانوني” أو “القتل باسم العدالة” بإمكانها خلق مجتمع خال من جرائم القتل أو الجرائم المروعة.

قال محمد أبوحامد، عضو لجنة التضامن والأسرة بمجلس النواب المصري، إنه لا بد من تشديد العقوبة الخاصة بالاعتداءات الجنسية على طفل سواء كان معاقا أو غير معاق، إوذلك بالإعدام، حتى لا يفكر أي شخص في التورط بتلك الجريمة، وذلك في إشارة إلى جريمة مروعة شهدتها مصر.

وتقول المحامية علا نصرالله من لبنان إن التزايد في عدد الجرائم في الآونة الأخيرة يعود إلى عدم تنفيذ أحكام الإعدام بحق المجرمين والمماطلة في التعامل معهم. “بالرغم من أن دور المحامي هو الدفاع عن المجرم لإثبات براءته وأننا كناشطين حقوقيين ضد الموت والقتل ولكن العقاب القاسي للمجرم هو الحل لردع الجريمة”.

وبفضل تفعيل عقوبة الإعدام في وقت سابق، خفت الجريمة نسبيا لتعود وترتفع في الآونة الأخيرة، والأمر أصبح على فوهة بركان، على حد قولها.

يستشهد مؤيدو الإعدام بالولايات المتحدة التي تضم تشريعات متطورة، لكن ولاية أوهايو الأميركية تخطط لاستئناف عقوبة إعدام السجناء المدانين في يناير لتنهي بذلك توقفا دام ثلاث سنوات وفقا لبروتوكول الحقن المميت الجديد الذي وضع بحيث يحصل على مصادقة المحكمة العليا الأميركية.

وقال قسم إعادة التأهيل والإصلاح في أوهايو إنه سيستأنف في يناير، الإعدام المقرر لرونالد فيلبس المدان والمحكوم عليه بالموت في 1993 في قضية اغتصاب وقتل طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات.

وسيكون فيلبس "42 عاما" أول مدان من الولاية يعدم منذ يناير 2014، وأوهايو من بين 31 ولاية أميركية تنفذ عقوبة الإعدام وكانت قد أوقفت تنفيذ هذه العقوبة في 2015 بسبب صعوبة الحصول على العقاقير المطلوبة في تنفيذ عمليات الحقن المميت.

لم تعد للأجساد البشرية أي حرمات

الإعدام جريمة تستحق الإعدام

الإعدام ليس بعقوبة، إنه جريمة.. جريمة بحق البشرية جمعاء، وليس بحق من يطاله حكم الإعدام وحده، إنه جريمة بحقنا نحن الأحياء قبل أن تكون بحق من طالته الجريمة، هذا ما يردده كل المناوئين والمناهضين لعقوبة الإعدام.

أتيحت لي فرصة الالتقاء بأحد الذين حكم عليهم بالإعدام في قضيّة رأي ثمّ شمله العفو التشريعي العام في تونس بعد 14يناير2011.

لست أدري إن كنت محظوظا في هذا اللقاء الأعجوبة والتحدّث إلى شخص كان يرتدي بدلة الإعدام الزرقاء والوحيدة طيلة عشر سنوات، يحاور النمل والخنافس والجرذان في خليّته ويتحسّس رقبته كلّما سمع صرير الأبواب واقتراب خطوات الموت في الممرّات الموحشة كلّ فجر، ذلك أنّ الشمس التي ودّعها وهي في كبد السماء نحو الأقبية الرطبة والجدران الرمادية، لا يعلم أين هي الآن، مشرقة أم غائبة، أمّا ساعة اليد التي كانت تطوق معصمه، فقد استبدلت بزرد السلاسل، وبقيد سوف يرافق نبضات قلبه نحو منصة النهاية.

خيّل لي وأنا أحاور هذا “الميّت الحيّ” أنّي من الجماعة المهووسين باستحضار الأرواح والمولعين بغريب الأحداث والأحاديث.

كان صديقي يتحدّث ببطء وهدوء غريب، لم الاستعجال؟، وهو الذي صبر على الصبر نفسه.. لكنّي أراه اليوم مفرطا في الملذّات الشخصية، والتي تبدأ بالتدخين والشرب والسهر والمراهنة على خيول السباق، إلى أن تصل إلى التهام الكتب والأفلام والمسرحيات.

كأنّه ينتقم لتلك السنوات التي قضمت من حياته ظلما ويثأر لجسده الذي دمّره الحرمان والإهانة… ولروحه التي كانت معلّقة في صرير المفاتيح وقرع الأبواب، وعاشت مسحوقة تحت أقدام السجّانين وخطواتهم الذاهبة نحو حتفه.. كأنّه يريد لشعره الأبيض أن يرتدّ أسود كثيفا دون أصباغ أو مستحضرات.

الحكم بموت بشر على يد جماعة من البشر، ولجريمة يقرّرها البشر مسألة مفزعة وتتخطّى أبعادها الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. إنها تحتاج إلى عمر من “التفكير المؤبّد” في منطق الشرائع السماوية والوضعيّة، وتطرح السؤال الأكبر: من أنت حتى تحكم بفناء إنسان وإبادة نسل وإجهاض أحلام؟

هل أنّ صديقي الذي كان يلبس بدلة الإعدام الزرقاء (وفق أعراف السجون التونسية) ثمرة فاسدة حتى يقرّر المعنيون بالأمر استبعادها من الصندوق كي لا تضر غيرها؟

عقوبة الإعدام إذا ألغيت فإنه يستحيل إيجاد عقوبة أخرى تحل محلها، وأن الأخذ بها فيه تحقيق لمبدأ المساواة والعدالة في تطبيق العقوبة

يبقى أن نشير إلى أنّ الحكم بالإعدام لا يقتصر على أروقة المحاكم وزنازين الإيقاف ومطارق القضاة في مجتمعاتنا، بل على جماعات تمارس سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية -وحتى الإعلاميّة- دون رادع أخلاقي أو ديني، وبإيعاز من أفراد ودول نصّبت نفسها ولاّة وقضاة في مملكة السماء.

يذهب نشطاء سياسيون وحقوقيون كثيرون نحو ربط عقوبة الإعدام بمصالح سياسية وفئوية لا تغيب عن كل ذي عقل ومنطق، فالطبقات الحاكمة، في نظرهم، ولكي تضفي طابعا من “القانونية” على جريمة قتل النفس هذه، لجأت لتسميتها بـ“عقوبة الإعدام”، وتعمل على إشاعتها في أذهان الناس كشيء طبيعي وعادي.

عقوبة الإعدام -على عكس تبريرات مؤيديها- لا تحد من الجريمة ولا تردع مرتكبيها، بل على العكس تماما، وفي هذا الصدد يقول الكاتب والناقد الإنكليزي “آرثر كوستلر” (1905ـ1983) إنه “في العصر الذي كان فيه النشالون يُعدمون في إنكلترا، كان لصوص آخرون يمارسون مهازلهم بين الجمهور المحتشد حول المشنقة التي يُشنق عليها زميلهم”.

يذكر أنّ إحصاء قد أجري في مطلع القرن العشرين في إنكلترا، يظهر أن 170 من أصل250 تم الحكم عليهم بالإعدام، قد سبق لهم وشهدوا شخصيا تنفيذ إعدام أو إعدامين في حياتهم.

تعارض منظمة العفو الدولية عقوبة الإعدام في جميع الحالات بلا استثناء وبغض النظر عن طبيعة الجريمة أو خصائص المجرم أو الأسلوب الذي تستخدمه الدولة لقتل السجين فعقوبة الإعدام هي إنكار مطلق ونهائي لحقوق الإنسان.

إنها عبارة عن قتل إنسان مع سبق الإصرار وبدم بارد من قبل الدولة باسم العدالة. وهي تشكل انتهاكا للحق في الحياة كما هو منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

المشكلة أنّ عقوبة الإعدام لا يمكن تلافي الخطأ فيها، فإذا تبين بعد تنفيذها أن الحكم كان خاطئا فإنه لا يمكن إعادة الحياة إلى من مات، وقد ثبت عمليا وقوع مثل هذا الخطأ في البعض من الدول التي تطبق هذه العقوبة.

كما أنّ الإعدام عقوبة غير مفيدة لأن البلدان التي أقرتها لم تلاحظ نقصا في نسبة جريمة القتل، وهي ليست رادعة بدليل أن المجتمعات التي تطبقها لا تزال مسرحا لجرائم خطيرة، فالمجتمع لم يمنح المجرم الحياة حتى ينتزعها منه.

12