ضعف الدراما الخليجية يعكس خللا في أطراف الإنتاج

الرقابة الصارمة وهشاشة النص وشحّ الإنتاج.. أزمات مكرّرة تبحث عن حلول.
الجمعة 2021/05/07
"مارغريت" ليّ مربك للنصوص الدرامية لصالح النجم الأوحد

كرّرت الدراما الخليجية خلال الموسم الرمضاني الحالي نفسها بشكل فاضح، فتناولت الثيمات القديمة كالحب والثأر والعطاء والجحود والشهامة والنذالة من خلال نجوم مكرّرين دون تجديد في الدماء. وهو ما كرّس ظاهرة سطوة النجم الواحد على حساب العمل، فتضاعفت أزمتها ما جعلها تغرق في محليتها.

تزامن تاريخ الدراما الخليجية مع بداية البث التلفزيوني في الكويت في مطلع الستينات من القرن الماضي، وقد عرف الإنتاج الدرامي طريقه لاحقا إلى بقية العواصم الخليجية الأخرى تباعا، مع احتفاظ الكويت بريادتها في هذا المجال.

وبدا حينها أن هناك نية واضحة من العاملين في هذا القطاع الحيوي الناشئ للمساهمة بفاعلية في ساحة الدراما العربية، وهي نية تمت ترجمتها في عدد من المشاريع الخلاّقة التي ظهرت لمساندة الإنتاج الدرامي الخليجي والعربي، ومن بينها على سبيل المثال “أستوديوهات عجمان” التي أنشئت في سبعينات القرن الماضي في إمارة عجمان بالإمارات وضمت العديد من أستوديوهات التصوير الدرامي والسينمائي المجهزة بأحدث التقنيات. وقد استقطبت هذه الأستوديوهات منذ إنشائها العديد من المشاريع الدرامية والسينمائية على مستوى الخليج والمنطقة العربية كافة، نظرا للإمكانات والتسهيلات التي تمتّعت بها.

سد ثغرات

"ممنوع التجول" مسلسل واحد حلقاته تتفاوت بين الجيد والرديء

خلال العقدين الماضيين ومع بداية البث الفضائي ظهرت العديد من التحوّلات التي ساهمت في تعدّد أقطاب الإنتاج الدرامي الخليجي وروافده، ما ساهم في تأكيد السمات الخاصة التي تُميّز هذا الإنتاج، والذي بات الاعتماد عليه خليجيا في تزايد بدلا من الاعتماد الكامل على المواد الدرامية التي يتم جلبها من عواصم الإنتاج الدرامي التقليدية في مصر وسوريا ولبنان.

وهذه السمات المشتركة التي تميّز الإنتاج الدرامي في دول الخليج العربي والسهولة في انتقال الكوادر الفنية بين عواصمها، بالإضافة إلى تقارب اللهجة وعادات وثقافة المجتمع، كانت كافية للتعامل مع الدراما الخليجية كوحدة متجانسة ومتعددة الأقطاب.

ورغم هذا الاستقرار النسبي الذي يتمتع به الإنتاج الدرامي الخليجي وتعدّد أقطابه إلاّ أنه ظل يواجه الكثير من التحديات التي وقفت حجر عثرة في طريق تطوره وانتشاره عربيا.

ولعل المتابع للإنتاج الدرامي الخليجي يدرك جيدا أن الانتشار العربي يمثل هاجسا لدى العاملين في هذه الدراما وأقطابها، كأنه هدف غير مُعلن، ورغم هذا نجد أن هذا الهدف لم يتحقّق إلى اليوم، أو ربما يكون أيضا صعب المنال في ظل الأوضاع التي تعانيها الدراما الخليجية، هذه الأوضاع التي تحول بينها وبين المنافسة الحقيقية خارج الإطار الخليجي.

أما الأسباب فلا شك أنها تتجاوز حاجز اللهجة بكثير، وهي أسباب لها علاقة بالمحتوى الذي يمثل صلب الأزمة في الدراما الخليجية التي ظلت -رغم محاولاتها الحثيثة للانتشار والمنافسة- مُحاصرة ضمن الإطار الخليجي، على الرغم من انفتاح سوق البث التلفزيوني على مصراعيه ووجود الفضائيات والقنوات العابرة للحدود والرقابة.

"ستوديو 21" كوميديا مستوحاة من مواقع التواصل الاجتماعي
"ستوديو 21" كوميديا مستوحاة من مواقع التواصل الاجتماعي

ويمكننا أن نوجز بعض ملامح هذه الأزمة على ضوء الأعمال الخليجية المعروضة ضمن السباق الرمضاني الحالي. واللافت هنا أن هذا اللهاث السنوي من أجل اللحاق بالموسم الرمضاني غالبا ما يفاقم هذه السلبيات التي نشير إليها ونوجزها في شُحّ الإنتاج وضعف النصوص والمعالجة المكرّرة للقضايا الاجتماعية. فهناك العديد من الأعمال التي يتم إنتاجها على عجل، كأن الموسم الرمضاني هو موسم مراوغ يهبط علينا على حين غفلة، أو أن توقيته من الغيبيات.

ولا شك أن هذا الأمر يعكس خللا ما في التخطيط أو التنسيق بين الأطراف المنتجة للدراما الخليجية، ما ينعكس على التضارب والعشوائية في اختيار النصوص أو عرض الأعمال. وهناك أعمال أخرى لا تحظى بالإعداد الجيد، ويتم تجهيزها على عجلة لسد ثغرة ما في خارطة الفضائيات، ليس أكثر.

ويمكننا أن نضرب هنا مثلا الأعمال الكوميدية التي عُرضت هذا الموسم، والتي تميزت بالوفرة مقارنة بالمواسم السابقة، فمن الملاحظ في بعض ما عُرض من أعمال أن الحلقات داخل المسلسل الواحد تتفاوت بين الجيد والرديء كحال مسلسل “ممنوع التجول” للفنان السعودي ناصر القصبي، في حين امتلأت أغلبها بالكليشيهات المكرّرة كحال المسلسل الكويتي “أمينة حاف” للفنانة إلهام الفضالة الذي ناقش ثيمة تعدّد الزوجات بشكل مكرّر لا يضيف جديدا.

كما حفلت أعمال كوميدية أخرى بتعليقات مستوحاة من مواقع التواصل الاجتماعي، مسلسل “ستوديو 21” نموذجا، دون بذل جهد حقيقي للاهتمام بالحبكة الدرامية، وهي سمات تتكرّر كثيرا، حتى أن بعض الأعمال تكاد تكون نسخة مطابقة لأعمال أخرى سابقة للنجوم أنفسهم.

كل هذا جعل أحد المتابعين يقول “رغم وجود المخرجين والكتّاب والممثّلين الجيدين، من المؤسف ألاّ يوجد في الدراما الخليجية، هذا العام، ما هو مهم أو مميز أو ملفت للانتباه، حيث يمكننا -ودون قلق التعميم- أن نضع جميع الأعمال في سلة واحدة، ونصنفها وفق معايير التفاضل بين السيء والأسوأ، والرديء والأكثر رداءة، والتافه والأتفه، وهكذا..”.

طروحات مكرّرة

Thumbnail

من بين أبرز أسباب الأزمة في الدراما الخليجية يبرز شحّ الإنتاج، وهو عامل رئيسي في خروج العديد من الأعمال الدرامية بمظهر متواضع. ولعل الحديث عن شحّ الإنتاج في مجتمعات تتمتع بالوفرة كدول الخليج العربي أمر مربك للبعض، لكنه في حقيقة الأمر يعكس خللا في التنسيق بين أطراف القائمين على الإنتاج الدرامي في المنطقة.

فالخليج العربي لا تنقصه رؤوس الأموال اللازمة لإنتاج درامي جيد، لكن العمل الدرامي يمثل حلقة ضمن صناعة أوسع تحتاج إلى توائم بين أطرافها كافة، بداية من الإنتاج إلى التوزيع وتوفر الكوادر الفنية اللازمة، ومن دون ذلك قد يحجم أصحاب الأموال والشركات المنتجة عن المجازفة. ولهذا يفضل أغلب المنتجين التعامل مع النماذج المضمونة لإعادة تدوير هذه الأموال التي يتم إنفاقها.

محمد دحام الشمري: المسلسلات الخليجية لم تعد تلبي ذائقة الجمهور وتطلعاته ولهفته على دراما مختلفة ذات روح جديدة

وبالتالي ينعكس هذا الأمر على طبيعة الأعمال التي تميل عادة إلى معالجة الموضوعات الاجتماعية، والتي يقتصر فيها التصوير على ما يوجد داخل المنازل الخليجية المغلقة، بأثاثها المُبالغ فيه وسياراتها الفارهة.

ولعل اللجوء إلى مثل هذه النوعية من الأعمال يأتي لتدني إنتاجها وهامش ربحها المضمون. ويذهب المخرج السعودي محمد دحام الشمري إلى أن مثل هذه الأعمال “لم تعد تلبي ذائقة وتطلعات الجمهور ولهفته على دراما مختلفة وجديدة الروح”، وهو يرى أن معظم الأعمال المنتجة خليجيا تسقط في فخ النمطية والتكرار والسطحية على مستوى القصص والنجوم والرؤية البصرية.

ومن بين المآخذ الأخرى على الدراما الخليجية اعتمادها على النجم الأوحد، كما هو الحال مع مسلسل “مارغريت” للفنانة الكويتية المخضرمة حياة الفهد، فقد بات الاعتماد على النجم الأوحد يمثل ظاهرة شائعة اليوم في الدراما الخليجية، وهناك مسلسلات تُكتب خصيصا لنجوم بعينهم، في اجترار واضح لما يحدث في الدراما المصرية مثلا.

ولا شك أن الاستعانة بالنجوم الكبار تعدّ وصفة مضمونة لتسويق العمل، غير أن الأمر قد ينطوي أحيانا على بعض المجازفات التي تخصم بلا شك من رصيد هذا النجم أو ذاك.

غير أن اللافت هنا -وهو ما يشكو منه الكثير من المتابعين- ما يحدث من ليّ النصوص الدرامية من أجل إعطاء مساحة أكبر لبعض الفنانات أو الفنانين، وهو أمر بالغ الغرابة والخطورة أيضا وسلوك شائع على ما يبدو باتت تعاني منه العديد من الأعمال الدرامية الخليجية. فهناك بعض النجوم لا يكتفون بمساحة الدور المرسومة لهم على الورق، على الرغم من أن هذه المساحة التي يرونها غير مناسبة قد تكون أفضل لهم على المدى البعيد، فالمساهمة بدور محدود المساحة لكنه مؤثر ومكتوب بشكل جيد أفضل بالطبع من ليّ النص كي يتوافق مع المُستجدات المُقحمة عليه.

ونأتي هنا للآفة الكبرى التي تعاني منها الدراما الخليجية، وهي الرقابة، ولا شك أن الرقابة على المنتج الدرامي أمر تعاني منه الدراما العربية بشكل عام، غير أن الرقابة في الدراما الخليجية تبدو أكثر وطأة من غيرها، ما يحول دون التعرّض للكثير من المواضيع والأفكار الملحة التي تنتشر في المجتمع والتي يمكن طرحها بشكل واع على شاشات العرض، من خلال أعمال درامية تسهم في تقريب وجهات النظر وطرح الحلول والتساؤلات بين أطياف المجتمع.

تابوهات ومبالغات

"أمينة حاف" مسلسل يناقش ثيمة تعدّد الزوجات بشكل مكرّر
"أمينة حاف" مسلسل يناقش ثيمة تعدّد الزوجات بشكل مكرّر

يرى الشمري أن مثل هذه الموضوعات باتت تمثل تابوهات مغلقة الإحكام لا يمكن إخراجها دراميا دون الدخول في قلاقل وإشكاليات عديدة. وأمام ما هو مطروح على الساحة من نصوص محدودة يضطر الممثلون والمخرجون وكامل الجهاز الفني إلى القبول بما هو مطروح من نصوص من باب الرزق والمردود المادي. ولا شك أن العراقيل الرقابية تُساهم في تقليص مساحة التعبير والإبداع.

وفي أجواء كهذه يتم فيها تشديد الخناق على ما يطرح من نصوص لا يجد كتاب الدراما مفرا حينئذ من الخوض في مواضيع وطروحات مُكرّرة، أو تناول بعض الموضوعات الأخرى بشكل سطحي لا يرقى إلى المستوى المطلوب.

وعادة ما يلجأ كتاب الدراما الخليجية إلى التحايل في صوغ النصوص أو المعالجة الإخراجية لبعض الأعمال كي تتوافق مع ما تفرضه المؤسسات الرقابية من شروط أو ملاحظات.

هذه الشروط والملاحظات قد تتعرّض في الكثير من الأحيان إلى تفاصيل عبثية، كأن يحتوي العمل بين شخصياته على امرأة أو فتاة خليجية مدخنة مثلا. وعادة ما تشمل الخطوط الحمراء للرقابة العربية على الأعمال الدرامية والسينمائية الثلاثي التقليدي: السياسة والجنس والدين.

أما في الرقابة الخليجية فتضيف من جانبها عددا من المحاذير الأخرى التي تتسم بالمبالغة، كوضع حدود للصورة التي يجب أن تظهر عليها المرأة والفتاة الخليجية، وهي صورة ليس لها علاقة غالبا بالعري أو العلاقات الاجتماعية المُشينة، ففي معظم الأعمال الخليجية يُكتفي غالبا عند التعبير عن المشاعر بين رجل وامرأة بالنظرات فقط، حتى لو كانت هذه المشاعر بين أم وابنها.

وفي تصريح مثير للجدل أعلن أحد مسؤولي الرقابة الكويتية على الأعمال الفنية أن دور الرقابة هو الحفاظ على المكانة الرفيعة للمرأة الكويتية، بحيث لا تظهر في وضع اجتماعي أو اقتصادي غير لائق. وهو يرى أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تظهر المرأة في مسلسل ما كنادلة في مطعم مثلا. وعلى قدر ما في هذا التصريح من غرابة، إلاّ أنه يعكس طبيعة المساحة الضئيلة التي يتحرّك خلالها كتاب الدراما في الخليج العربي، وهو ما ينعكس بالطبع على المحتوى الذي يتمّ تقديمه.

16