ضعف الدولة واليأس الاجتماعي يغذيان التطرف والإرهاب

الإطار الأيديولوجي في تحليل ظاهرة الانضمام إلى التنظيمات الإسلامية وخاصة المسلحة منها، دائما ما يكون محكوما بتفكيك الظاهرة بطريقة نظرية صرفة، تغوص في المرجعيات وآليات التحليل. وهذا ناجع إلى حد ما، للكشف عن أطر الصراع داخل قوانين العولمة وصدام الحضارات وحتى الصراع داخل فضاء الإسلام نفسه بين راديكاليين ومعتدلين (أو هكذا يراد تصويره). أما على الجانب الآخر، فيلاحظ وجود عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية تدفع الأفراد إلى الانتماء إلى الجماعات الإسلامية وتبني أفكارها وعقائدها، بل وربما تتفوق هذه العوامل المادية المحسوسة على العوامل الأيديولوجية في أحيان كثيرة، وهذا ما يدفع إلى إعادة اكتشاف الواقع المحيط بشباب تلك الحركات.
الاثنين 2015/10/12
يستقطب داعش عددا كبيرا من الشباب باستغلال ظروفهم الاجتماعية اليائسة

تفطن العديد من السياسيين إلى إشكال النقص في الفرص الاقتصادية والاجتماعية والآفاق التي تنتظر الشباب في مستقبلهم الشخصي لتتم صياغة خطاب سياسي يماهي بين التحذير من الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة والحركية في أبعادها الفكرية وأشكالها التنظيمية، وأيضا التنبيه إلى ضرورة حل العقد الواقعية التي تصاحب حياة الشباب الآن من متاعب في الحياة وانسداد في الأفق الاجتماعي. ولكن دون أن تكون لهذا الخطاب السياسي المتذاكي في توصيف الواقع أي بدائل تطرح بشكل عملي ملموس.

وقد وردت عديد البحوث في جامعات عديدة في العالم تضع مسألة الذهاب نحو التطرف وحمل السلاح بخلفية التطرف الديني في دائرة الضوء، وصدرت في الأخير أطر نظرية مختلفة تتفق جلها حول “الحرمان النسبي”، وهو تعبير سوسيولوجي لتوصيف واقع الشباب الذي انضم إلى الجماعات الإسلامية (خاصة تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية).

يربط الباحث في العلوم الاجتماعية الأميركي ميشيل دامبرن بين التعصب (الديني أو العرقي أو القومي) بالهوية والمكانة الاجتماعية بشكل مباشر ويفسر تلك الروابط على أنها “آليات تأخذ منحى عنيف لتشكيل الموقف من الدولة والمجتمع وبالتالي اختيار التعبير عن ذلك الموقف بشكل متطرف، إما بالانضمام إلى مجموعات صغرى متطرفة أو استعمال العنف للتعبير عن ذلك الموقف”.

ويرى دامبرن أن الحرمان النسبي هو سلوك متطرف للفرد أو لجماعة ما سببته حالة الحرمان التي تحيط بذلك الفرد أو تلك الجماعة، ويقول الباحث أنها تتشكل من جزأين: جزء ستاتيكي أو ثابت وهو الوعي بحالة الحرمان تلك، نتيجة الملاحظة والمقارنة بينه وبين أفراد آخرين أو جماعات أخرى من الطبقات التي تكون مجتمعه. وجزء آخر ديناميكي أو متحرك وهو الجزء الانفعالي الذي يتبلور في الموقف المتعصب والعنيف في سياق ردة الفعل على هذا الحرمان.

التعصب مرتبط بالهوية الاجتماعية ويصبح سلوكا إرهابيا إذا توفر له التبرير الأيديولوجي والحضن التنظيمي

إن الانتظارات التي مر بها أغلب الشباب المنضم إلى التنظيمات الإسلامية المسلحة (أو غير المسلحة والمتطرفة فكريا) تعد بمثابة تضحيات في اعتبار تلك الفئة الحساسة في كل المجتمعات، وإزاء عجز الجهاز الضخم الذي يعيشون فيه وهو الدولة على الاستجابة إلى تلك الانتظارات بطريقة تتوازى معها “تضحيات الدراسة والاختصاص والحاجة” مع “التشغيل وتحقيق الاستقرار المادي والمعنوي”، تتحول الطاقة التي خزنها الفرد استعدادا لتقديمها في حياته المهنية والاجتماعية إلى جموح حاقد على الدولة ومؤسساتها، وهذا يتفاعل بشكل عميق مع الدعوات الطوباوية التي يروجها خطاب التنظيمات الإسلامية بشكل عام في الشهادة والجهاد لتبرير الموت أو “الانتحار الاجتماعي” حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي دور كايم.

وبالبحث في الخطاب السياسي الذي توج هذه الرؤية الاجتماعية في أسباب انضمام أو إعجاب بعض الشباب بالتنظيمات الإرهابية المسلحة كتنظيم داعش، نجد خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي دعا إلى إيجاد أرضية مشتركة بين الاتجاهين أثناء خطابه بشأن مكافحة التطرف العنيف. وقد أقر بالطبيعة الدينية والأيديولوجية للتهديد الذي تمثله الجماعات الإسلامية المسلحة، من خلال تأكيده على أن المنتمين إلى الجماعات أمثال داعش والقاعدة يصورون أنفسهم على أنهم مجاهدون يدافعون عن الإسلام. واستطرد سريعا بتوضيح أن أميركا في حالة حرب مع أُولئك الذين حرّفوا الإسلام، وليس الإسلام نفسه.

حسب بعض الخبراء، يجب الانتباه في المستقبل إلى فئة الناجحين المحبطين حتى لا ينحرفوا إلى الإسلام العنفي

وفي غضون ذلك، أوضح أوباما مرارا وجهة نظر مفادها أن الحرب الأيديولوجية الحقيقية ينبغي أن تكون بين المعتدلين والمتطرفين داخل الدين الواحد.

وبعد تناوله البعد الأيديولوجي للخطر، دافع أوباما أيضا عن الرأي الآخر المؤيد لعوامل السياق الاجتماعي والاقتصادي قائلا “إن التحدي الثاني الذي تنبغي علينا معالجته هو المظالم التي يستغلها الإرهابيون وتشمل المظالم الاقتصادية. فالفقر وحده لا يجعل الشخص إرهابيا، كما أنه لا يجعل الشخص مجرما. إلا أنه واقعيا وعندما يتم إفقار الملايين من الناس، وخاصة الشباب، فلا يكون لهم أمل في المستقبل، عندما يعانون من إذلال الفساد لهم يوميا، وعندما لا توجد أي منافذ يعبرون بها عن همومهم، حينها يتفاقم الاستياء بينهم، وبالتالي ينمو لديهم خطر عدم الاستقرار والتطرف”.

ويعد هذا الخطاب السياسي، من الخطابات النادرة التي أرادت التوفيق بين مستويي الأزمة التي تدفع الشباب إلى التطرف والتسلح للتعبير عن هذا التطرف في سياق الحديث عن الإسلاميين.

ولكن وحسب التجارب الميدانية، لا يمكن التسليم بشكل كامل بهذا الطرح، فهناك أسباب أخرى عديدة تدفع الشباب إلى الانضمام إلى حركات إرهابية، مثل الاقتناع الديمغاوجي بمقولات تلك الحركات وأيضا ردود الأفعال السياسية إزاء التغيرات السريعة. لكن الانتباه حسب بعض الخبراء سوف يصبح مركزا في المستقبل على هذه الفئة من “الناجحين المحبطين” الذين تطرفوا نتيجة ضعف الدولة وخياراتها الاجتماعية والاقتصادية وتوظيفها للتراث النير للدين الإسلامي.

13