ضعف الذاكرة وعناء التفكير

الاثنين 2015/11/23

كيف تستقرّ الآراء والمعتقدات الدينية والسياسية؟ ولماذا نلاحظ لدى الكثير من المتصفين بسمو المدارك اعتقادا في الخرافات والأباطيل؟ وما هي علة عجز العقل عن تغيير عقائدنا العاطفية؟ كيف يمكن اكتناه ما في المعتقدات من قوى عجيبة؟ لماذا يخضع الإنسان بغتة لإيمان كان يجهله؟ ما هي العلة التي يرفع بها الإيمانُ الإنسانَ إلى مستوى أرفع من مستواه؟ ما هي العناصر النفسية التي تنبجس منها الأضرار؟

أسئلة يسعى الكثير من المفكرين السابقين والمعاصرين إلى الإجابة عنها، ومن بين هؤلاء الفرنسي غوستاف لوبون الذي يلفت إلى أن هناك الكثير ممن يخلطون المعتقد أحيانا بالمعرفة على ما بينهما من اختلاف كبير، ويجد أن العلم والاعتقاد أمران مختلفان في تكوينهما ومصدرهما، وبالرأي والمعتقد يتم سيرنا، وعنهما تنشأ أكثر حوادث التاريخ ولا فرق بينهما وبين المحدِثات الأخرى من حيث كونهما تابعين لنواميس، وإن كانت هذه النواميس لم تعيّن بعد.

كما يثير الواقع أسئلة كثيرة بدوره: لماذا يسود نوع من ضعف الذاكرة يولّد بدوره عناء في التفكير لدى الكثيرين؟ ألا يؤدّي هذا بدوره إلى أن تكون حياة الأمم أكبر دليل على ضرورة التجارب المكررة البارزة؟ لماذا يجب أحيانا تخريب مدن كثيرة وإراقة دماء غزيرة كي تفقه أمة بضع حقائق تجريبية؟ لماذا لا تستمر استفادة الأمم من التجارب زمنا طويلا؟ ألا ينتج ضعف ذاكرة المشاعر عدم انتفاع جيل لاحق بتجارب جيل سابق؟

يصف لوبون المعتقد في كتابه “المعتقد والمعرفة” بأنه كل ما هو من عمل الإيمان، وأنه متى استعان المرء في تحقيق صحة المعتقد بالتأمل والتجربة لا يظل المعتقد معتقدا، بل يصبح معرفة. ويشير إلى أن المعرفة هي عنصر الحضارة الأساسي، وهي العامل الكبير في ارتقائها المادي، وأما المعتقد فهو الذي يرسم وجهة الأفكار، ومن ثم وجهة المصير.

ويشير كذلك إلى أن روح الإنسان تمقت الشك، ولا تطيق الارتياب. وإذا تطرق الشك أحيانا إلى قلب المرء فذلك لأجل محدود، فالإنسان يفتقر إلى إيمان ديني أو سياسي أو أخلاقي يهيمن عليه عناء التفكير، وإذا تداعى معتقد فذلك ليحل مكانه معتقد آخر، ولا حول للعقل إزاء هذه السنة القاهرة التي لا تتبدل.

ألا يتجلى للكثير منّا أن الراهن ينذر بعدم الاعتبار ممّا سبق، والأخطر من ذلك هو الإنذار ربّما بإعادة الدوران في حلقة دامية من الأفكار والأفعال التي لا يتبدّى أيّ خلاص منها إلا بتفعيل التفكير، واللجوء إلى الذاكرة كي تبقى متنبّهة متيقّظة على الدوام. فهل نلجأ إلى الذاكرة لنستدلّ بها على دروب خلاص من متاهات الواقع الدموية؟

كاتب من سوريا

15