ضع عينك على الجدار.. ركّز فكرك على القضية

الخميس 2014/01/16
الجدار يخترق المنازل والحقول بشكله العازل والوحشي

باريس - جدران كثيرة فصلت ولا تزال تفصل بين الشعوب، ولقد أصبحت أحد عناوين النزاعات السياسية والاقتصادية، وعنوانا للتناحر والإقصاء. من هذه الجدران الشهيرة جدار برلين الذي انهار سنة 1989، والجدار الذي يفصل بين الولايات المتحدة والمكسيك، وجدار الفصل العنصري الذي شيدته إسرائيل منذ أكثر من عشر سنوات.

إذا كانت هذه الجدران قد تحوّلت إلى مادة إعلامية وفنية، ولا سيما من خلال الصور الفوتوغرافية؛ وإذا كان جدار برلين أيضا، قد أصبح مع مرور الوقت، وقبل التوصل إلى هدمه، جدارية مفتوحة أمام الفنانين والهواة على السواء يضيفون إليها رسومهم وتخطيطاتهم المختلفة، فإن الجدار الذي بنته إسرائيل أصبح موضوعا فنيا يستوحي منه الكثير من الفنانين الفلسطينيين والغربيين إبداعاتهم.


دعم دولي


نعود إلى هذا الجدار اليوم بمناسبة صدور كتاب فخم وجميل بعنوان “لا تجعل نظراتك تبارح الجدار”، وهو يضمّ نماذج من صور فوتوغرافية أنجزها عدد من الفنانين من بينهم تيسير البطنيجي، رائد بواية، نويل جبور، رائدة سعادة وستيف سابيلا، بالإضافة إلى صور تحمل توقيع الألماني كاي ونديهوفر.

الأعمال التي تطالعنا في الكتاب كانت قد شاركت هذا الصيف الماضي في تظاهرة فنية تحت اسم “لقاءات مدينة آرل”، وهي تظاهرة ثقافية مخصصة للصورة الفوتوغرافية تقام سنويا في الجنوب الفرنسي، كما أقيم لها مؤخرا معرض في مركز “سنترال دوبون” في العاصمة الفرنسية.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن مشروع المعرض والكتاب الذي صدر باللغتين الفرنسية والأنكليزية تحقق بفضل جهود مجموعة من الشخصيات منها ألوفيا سنيج، الكاتبة والصحافية من أصول أميركية- صينية وهي تقيم في باريس، وتكتب في صحيفة “الديلي ستار” الصادرة في بيروت. ولقد لقي المشروع أيضا دعم منظمات ومؤسسات ثقافية منها “منظمة العفو الدولية”، فضلا عن شخصيات عربية وغربية، ومنها على سبيل المثال المصوّرة والفنانة السعودية ريم الفيصل.

رائدة سعادة تجعل من نفسها بطلة للصور التي تلتقطها

تتنوع رؤية المصورين للجدار، وهي، بصورة عامة، تزاوج بين البعدين الذاتي والموضوعي، فلكل من هؤلاء المصوّرين رؤيته للموضوع وطريقة معالجته فنيا. الفنانة رائدة سعادة المولودة في بيت لحم عام 1977، تجعل نفسها بطلة الصور التي تلتقطها، وهي تظهر فيها تارة كشخصية أسطورية، كما في الصورة التي تبدو فيها أمام الجدار عارية القدمين، متوجة الرأس ومرتدية ثوبا أبيض طويلا له جناحان عند الكتفين، أو تطالعنا كسيدة ترتدي فستانا أسود، وهي تغزل الصوف أمام حطام منزلها. بعض الصور تكتسب أبعادا سينمائية من حيث إخراج اللقطة المصورة والزوايا التي تؤخذ منها، وفيها كذلك مساحة كبيرة للتأويل وتعكس مؤثرات ثقافية شرقية وغربية منها الحركة السوريالية والحركة الدادائية. رائدة سعادة تنهل من هذه المؤثّرات بحرية كبيرة وتدعم من خلالها رؤيتها لجدار الفصل ولكل ما له علاقة بالاحتلال الإسرائيلي.

أما المصوّرة نويل جبور المولودة في الناصرة عام 1970، فتتسم أعمالها بواقعيتها ومشاهدها البانورامية. يظهر الجدار بطابعه الإسمنتي وأسلاكه المعدنية مخترقا المنازل والحقول بصورة وحشية لا تأخذ في الاعتبار لا الإنسان ولا الطبيعة، بل تنقض عليهما معا وتضاعف من الشعور بالبؤس والعزلة.

وإذا كانت الشخوص في تجربة نويل جبور قليلة وتؤدّي دورا هامشيا، فإنها على العكس من ذلك في صور رائد بوايا حيث تحضر بقوة. هناك صور بالأبيض والأسود للعمال والمزارعين الفلسطينيين وسط الحقول تختصر معاناتهم والبؤس المحيط بهم من كل جانب، وتتميز برؤيتها الإنسانية العميقة.


رموز وإشارات


من الواقع إلى الرموز والإشارات التي هي هنا -ولمَ لا؟- جزء من الواقع، تطالعنا أعمال الفنان تيسير البطنيجي المولود في غزة عام 1966، وقد التقط صورا لجدران غزة وما عليها من خطوط ورسوم وشعارات وصور تمثّل وجوه الشهداء. ترمز هذه الصور أيضا للغياب وتحيل على عبور الوقت وما يفعله بالصور والملصقات والشعارات، فيظهرها في حال تمزقها وتحللها وشحوب ألوانها فلا يبقى منها إلا ما يشير إليها، وإلى أجزاء صغيرة تحكي عن الأحباء الذين رحلوا. نجد هذه الأجواء كذلك، والتي تتّخذ في بعض الصور أبعادا تجريدية، في أعمال ستيف سابيلا وهي من مواليد القدس عام 1967، وتتميّز هذه الأعمال باعتمادها على لعبة الضوء والظل والأشكال والخطوط والتفاعلات البصرية.

من جانب آخر، استوقفتنا صور الفنان الألماني كاي ويدينهوفر المولود عام 1966، والذي يتمتع بشهرة عالمية. وقد اختار هذا الفنان منذ عام 1989 العالم العربي مادة لعمله، وبالتحديد الموضوع المتعلق بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، كما سجل بعدسته الأوضاع المأساوية لأهالي غزة بعد حرب عام 2008. وكانت عرضت هذه الصور في “متحف الفن الحديث” في باريس وأحدثت ضجة إعلامية واستياء في الأوساط المؤيدة لإسرائيل. أما جدار الفصل الذي شيدته إسرائيل فقام الفنان بتصويره خلال السنوات الممتدة ما بين عام 2003 وعام 2010، وقد صدرت هذه الصور في كتاب حمل عنوان “جدار”.

تقتضي الإشارة أخيرا إلى أن صور الفنانين الفلسطينيين التي تطالعنا بين دفتي الكتاب تؤكد، وبصورة باهرة، على ازدهار هذا الفن وتمكنه من تجاوز الواقع السياسي الضيق والشعارات المباشرة، لبلوغ لغة فنية عالية قادرة على اختراق الحصار الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي، وعلى مخاطبة جمهور واسع من مختلف الجنسيات بعدما وجدت موقعا مميزا لها في إطار البينالات والمهرجانات الفنية العالمية.

16