ضغوط أميركية أوروبية تسهّل تقاسم السلطة في السودان

خلافات بشأن التغييرات داخل أجهزة الأمن والمخابرات وعلى مرجعية رئيس الحكومة.
السبت 2019/07/13
البحث عن التوافق الدائم

الخرطوم - لعبت الولايات المتحدة دورا مؤثرا من وراء الستار للمساعدة على إنجاح الوساطة الإثيوبية التي ساهمت في التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة في السودان بين المجلس العسكري الانتقالي وتحالف الحرية والتغيير الذي تزعم مظاهرات الإطاحة بالرئيس المعزول عمر البشير.

يأتي هذا في وقت يحاول فيه طرفا الاتفاق الاستفادة من التقلبات الأمنية والسياسية لفرض نفسيهما طرفين محورين في المشهد السوداني القادم. ويستثمر المجلس الانتقالي محاولات انقلابية مغامرة بين الوقت والآخر لتأكيد دوره كضامن سياسي وأمني للمرحلة المقبلة.

وذكرت صحيفة “​فايننشال تايمز​” البريطانية في تقرير لها بعنوان “واشنطن​ تدعم اتفاق تقاسم السلطة في ​السودان​”، أن الإدارة الأميركية ألقت بثقلها خلف اتفاق تقاسم السلطة، خوفا من أن يكون بديل الاتفاق “فشل الدولة والعنف”​.

وقال تيبور ناجي، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون أفريقيا، “الاتفاق خطوة إلى الأمام، لكن الموقف ما زال هشا.. كان من الممكن أن نحصل على نموذج الصومال أو ليبيا، وهو آخر ما تسعى له مصر أو إثيوبيا”.

كما يناقش وزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تطورات الأزمة السودانية خلال اجتماعهم الدوري في بروكسل الاثنين المقبل، وبحث المساعدات متباينة الجوانب المتوقع تقديمها للخرطوم بعد تسليم السلطة للمدنيين.

وأعلن بيكا هافيستو، مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى السودان، أن الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير يقود نحو الاستقرار ويمنع العنف ويفضي إلى تشكيل حكومة مدنية، ووعد بالتحدث مع الولايات المتحدة بخصوص الوضع الاقتصادي في السودان.

ويعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز حضوره في السودان بعد انتقال السلطة إلى حكومة مدنية، ويستعد للتحضير لما يسمى بـ”مؤتمر أصدقاء السودان”، ويعول على نتائج الجولة التي يقوم بها حاليا في المنطقة هافيستو وزير خارجية فنلندا، وتشمل إثيوبيا والسودان ومصر والإمارات والسعودية.

تيبور ناجي: اتفاق الفرقاء منع تحول السودان إلى صومال أو ليبيا أخرى
تيبور ناجي: اتفاق الفرقاء منع تحول السودان إلى صومال أو ليبيا أخرى

وتقول أوساط سودانية إن الدورين الأميركي والأوروبي لعبا دورا مهما في تليين مواقف طرفي الأزمة السودانية وتجاوز نقاط خلافية كان يمكن أن تقود إلى المربع الأول، وخاصة ما تعلق بالتغييرات على الأجهزة الأمنية وشبه العسكرية مثل قوات التدخل السريع.

ويجتمع وفد المجلس العسكري الانتقالي مع تحالف الحرية والتغيير اليوم السبت، لدراسة المصادقة على الوثيقة الثانية وهي الإعلان الدستوري، بعد التوصل إلى اتفاق كامل بشأن الإعلان السياسي المحدد لكافة مراحل الفترة الانتقالية.

وتحرص الوساطة الأفريقية الإثيوبية المشتركة على تجاوز العقبات التي تعتري تفاصيل الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في 5 يوليو الجاري، وتحاول تسريع خطوات التوقيع رسميا لقطع الطريق على التحركات الرامية إلى إفشاله من جانب بعض الأطراف، مستفيدة من الزخم الإقليمي والدولي الذي يمثل غطاء سياسيا جيدا.

وأعلن المجلس العسكري مساء الخميس، أن اللجنة الأمنية أحبطت محاولة انقلابية جديدة، لم يحدد موعدها بالضبط، لتقويض الاتفاق والتفاهم مع المعارضة، قامت بها مجموعة من الضباط وضباط الصف وعددهم 12 ضابطا، منهم 7 في الخدمة و5 بالمعاش، وتم القبض على 4 ضباط، والبحث مستمر عن البقية، بما فيهم قائد المجموعة الانقلابية الذي لم يتم الكشف عن اسمه.

وقال الخبير العسكري الصوارمي خالد سعد لـ”العرب”، “إن الاتفاق مثار رفض من بعض الضباط الذين يرون أنه يهمّش دور الجيش مع إقرار الدستور الانتقالي، ونقل السلطة إلى حكومة مدنية”، ولم يستبعد حدوث المزيد من المحاولات الانقلابية حال تعرض الاتفاق للفشل.

وتكمن رسالة توالي الانقلابات في ما تحمله من إشارات إلى قوى الحرية والتغيير والمجتمع الدولي تؤكد أن المجلس العسكري حريص على أمن البلاد، وهو الجهة الوحيدة القادرة على إدارة المرحلة الانتقالية من دون مشكلات أمنية وسياسية تؤدي إلى انتكاس الثورة.

وأشار سليمان سري، المتحدث باسم التحالف العربي من أجل السودان لـ”العرب” إلى أن استمرار وجود عناصر إخوانية داخل الجيش وسيطرتها على بعض المناصب الرئيسية يقوض محاولات المجلس العسكري فرض الاستقرار داخله.

واستمعت “العرب” إلى شهادات من قوى محسوبة على تحالف الحرية والتغيير اعتبرت الاتفاق لا يلبي طموحات الثورة والشباب، بينما رأى آخرون أنه “واقعي ويمكن البناء عليه”.

ولا يمس الخلاف بين الطرفين جوهر الاتفاق، ولم يتطرق إلى القضايا المحسومة مسبقا، ويبدو محصورا في التباين حول وجهات النظر، بخصوص ماهية العضو الـ11 وهل هو مدني بخلفية عسكري، أم مدني فقط ويتوافق عليه الطرفان؟

كما أن رئيس الحكومة يريده المجلس العسكري “شخصية وطنية مستقلة”، في حين حصرته قوى الحرية والتغيير في “شخصية وطنية” وكفى، لإتاحة الفرصة للقيادات الحزبية لتولي المنصب، بجانب هيكلة قوات الأمن والمخابرات التي يقول المجلس العسكري إنها يجب أن تتم بمعرفة حكومة منتخبة، بينما تطالب الحرية والتغيير بأن تكون بمعرفة الحكومة الانتقالية.

وتنطوي هذه المعلومات على إشارات تفيد بوجود عناصر داخل الطرفين تريد التنصل من الاتفاق، بينما تحرص القيادات التي تقود التفاوض على استمراره ومنع عرقلته، وتعتقد أنه فرصة عملية للخروج من الأزمة الراهنة، ولو كان لا يلبي الطموحات العريضة.

وترى قوى حزبية سودانية أن تأجيل تسليم وثيقة الاتفاق لأسباب فنية مبررة ومقبولة لتحسين الأداء ومواجهة التحديات، لأن المقدمات السليمة تفضي إلى نهايات سليمة.

وقالت مصادر سودانية لـ”العرب” إن الجانبين يتعرضان لضغوط داخلية هائلة، لم تمنع حتى الآن من مواصلة الحوار وصمود الاتفاق، الذي جرى إبعاده عن دوائر التأثير السلبي التي تجد في إطالة عمر المفاوضات فرصة للتخريب.

وذكرت أن ما يسمى بـ”الطرف الثالث”، المتمثل في الحركة الإسلامية وروافدها الممتدة في الجيش والمعارضة، لن يتوقف عن إفشال الاتفاق، لأن صموده يعني تنحيته عن الساحة السياسية لمدة ثلاث سنوات على الأقل، تتفرغ خلالها الإدارة الانتقالية المشتركة لمحاسبة المتورطين في قضايا فساد وتجفيف منابعه الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

1