ضغوط الأسرة تكبر كلما تقدم الابن المتوحد في السن

منذ اكتشاف الأسرة لإصابة أحد أبنائها بالتوحد تتغيّر الكثير من السلوكيات والظروف وينصبّ جلّ اهتمام الأبوين على العناية بالابن المصاب على حساب بقية إخوته. وفي الوقت الذي يعوّل فيه الأبوان على تحسن حال المصاب مع تقدمه في السن وتطور مقدرته في الاعتماد أكثر على نفسه واندماجه أكثر مع محيطه، كشفت التجارب أن اضطراب الحالة النفسية خلال فترة المراهقة تعمق أعراض التوحد وتزيد حجم المسؤولية على كاهل الأسرة بأسرها.
الأحد 2017/03/05
المراهقون المصابون بالتوحد كثيرو التعرض للانتكاسة

واشنطن – اضطرابات سن المراهقة الجسدية والنفسية تفاقم الاختلالات التي يلحقها مرض التوحد بالمصابين به، ومع التعامل مع خصوصيات هذه المرحلة العمرية الحساسية يجد الآباء أنفسهم أمام ضغط أكبر حجما لاحتواء أبنائهم ومساعدتهم على تجاوز الانتكاسات والنوبات.

ويقول باحثون إن أمّ المراهق المتوحد تتعرض لضغط نفسي كبير يزداد ويتعمق كلما رأت طفلها المصاب يكبر أمام عينيها. فيزيد تقدمه أكثر في السن من إحساسها بالعجز أمام مسؤولياته ومتطلباته، خاصة وأنها لا تجد من حولها من يساعدها ويرسم أمامها الطريق الأفضل لتربيته، إلى أن يصل إلى أكثر المراحل صعوبة وضغطاً وهي مرحلة المراهقة التي تواجه فيها ضغط البلوغ وما يترتب عليه من تغيرات داخلية وخارجية في بنية جسم ابنها أو ابنتها.

ما تشهده هذه الفترة الحساسة من العمر من تقلبات ومزاجية يزيد من حدة نوبات المتوحد وتعكر حالته النفسية، في أحيان كثيرة، إلى أن يصل إلى فترات الانتكاسة التي تتطلب إلحاقه فورا بقسم الطوارئ حتى لا تتسبب الحالة في ضرر يهدد حياته.

وكانت دراسة طبية أميركية قد حذرت من أن مرضى التوحد من المراهقين هم الأكثر عرضة لزيارة قسم الطوارئ بمعدل أربع مرات بالمقارنة مع أقرانهم ممن لا يعانون من مرض التوحد، وذلك وفقا لأحدث الأبحاث الصادرة عن كلية الطب جامعة بنسلفانيا الأميركية.

وكان الباحثون قد عكفوا على دراسة وتحليل البيانات الصحية لنحو 12 شخصا تراوحت أعمارهم ما بين 13 و21 عاما خلال الفترة من 2005 إلى 2013. وأشارت المتابعة إلى وجود زيادة كبيرة في معدلات الإصابة بالتوحد بين المراهقين في سنوات الدراسة. وأكدت الباحثون أن معدلات الإصابة بالتوحد قد تضاعفت إلى خمسة أضعاف من 3 بالمئة في عام 2005 إلى 16 بالمئة في عام 2013.

وتؤدي الانتكاسة في سن المراهقة لدى الأشخاص ذوي التوحد إلى العودة بهم إلى السلوك الطفولي الذي يشمل نوبات الغضب والانفعال والعنف والعزلة الاجتماعية ورفض الكلام.

وعرضت شبكة بي بي سي البريطانية تقريرا للصحافي ستيف سيلبرمان تحدث فيه عن تعامل الأهالي مع ابنهم المتوحد. وقال إن مواقع الإنترنت المخصصة لأهالي المصابين بالتوحد تعج بالاقتراحات التي تقشعر لها الأبدان. وبيّن التقرير أنه في عام 1970 بلغت نسبة المصابين بالتوحد من بين تلاميذ المدارس الأميركية واحدا من كل 10000 تلميذ، والآن تبلغ النسبة واحدا من بين كل 68 تلميذا.

بعض الآباء والأمهات يلومون الحقن التي تستخدم في علاج المصابين بالتوحد، مشيرين إلى حالة الطبيب الباطني أندرو ويكفيلد في عام 1998 الذي ادعى وجود علاقة بين حقنة “أم أم آر” واضطرابات في البطن يطلق عليها اسم “ناخر الأمعاء التوحدي”. ولا يوجد دليل على صحة ادعاء ويكفيلد، كما أن شريكه في كتابة البحث أعلن تخليه عن هذا الادعاء.

وجاء في التقرير أن المساهم الرئيسي في انتشار الخوف من التوحد في العقود الأخيرة هو حقيقة أن عددا كبيرا من الأطفال والمراهقين والبالغين تم تشخيص إصابتهم بالمرض. وحتى عقد الثمانينات من القرن العشرين لم يكن هناك تصنيف للتوحد على أنه مرض، فقد تم تعريف الحالة في حدود ضيقة جداً وساد اعتقاد خاطئ ساهم الباحث الشهير ليو كانر في قوله بأن التوحد حالة نادرة.

لم يرغب كانر في وضع تحديد دقيق لتلك المتلازمة -التي تحمل اسمه أيضا “متلازمة كانر”-، ولم يشجع التشخيص إلا إذا تطابقت صفات الأطفال مع الصفات الجوهرية التي حددها عام 1994. فقد تفاخر ذات مرة بأنه رد تسعة من أصل عشرة أطفال أحيلوا لعيادته لتشخيصهم بالتوحد.

70 بالمئة من الأشخاص الذين يعانون من التوحد لديهم مشاكل في النوم

كان هذا يعني في الولايات المتحدة أنه يتعين على الوالدين أن يزورا تسعة أو عشرة متخصصين في مجالات مختلفة قبل أن يحصلوا في النهاية على تشخيص التوحد وهو ما كان يعني أن قليلاً جداً من العائلات الفقيرة كانت تطيق أن تفعل ذلك. من ناحية أخرى كانت إصابة البنات بالتوحد أمراً غير معروف بالنسبة إلى علماء النفس حتى نهاية القرن العشرين.

وخلال عقد الثمانينات من القرن الماضي أثار عالم النفس أول إيفار لوفاس قلق أهالي الأطفال المصابين بالتوحد بادعائه أن بعض الأطفال يمكن جعلهم غير مميزين عن نظرائهم بإخضاعهم لبرنامج مكثف وفردي لتعديل السلوك. والطريقة التي اخترعها معروفة باسم تحليل السلوك التطبيقي وما تزال أكثر أساليب التدخل المبكر المتبعة لمعالجة التوحد على مستوى العالم.

استعرض تقرير بي بي سي مشاكل عديدة في طريقة لوفاس هذه حيث أن البرنامج المكثف الشامل الذي صممه يحتاج إلى مشاركة جميع الأشخاص المهمّين في كافة البيئات المهمة، وهو أمر يصعب تطبيقه ومكلف من الناحية المادية واللوجيستية بالنسبة إلى غالبية العائلات. ويوصي أطباء تحليل السلوك التطبيقي الآن بنحو 40 ساعة تدخل في الأسبوع، وهو ما يزال أمراً صعباً بالنسبة إلى معظم العائلات.

فضلا عن ذلك، يسترجع بعض البالغين الذين كانوا مصابين بالتوحد تجاربهم من حيث أن إرغامهم على التصرف كنظرائهم الطبيعيين أدى إلى إصابتهم بتوتر على مدى الحياة. في مقالها “الأيدي الهادئة” تقول جوليا باسكون “عندما كنت طفلة صغيرة كنت مصابة بالتوحد، وعندما تكون متوحداً لا ينبغي أن يساء إليك ولكن ينبغي علاجك برفق”.

وقد نشر باري بريزانت كتاباً في الآونة الأخيرة يشجع فيه الوالدين والأطباء على أن يعتبروا سلوك التوحد -مثل الرفرفة باليدين والترديد اللفظي- ليس مؤشراً على المرض، ولكن على أنه استراتيجيات للتكيف مع عالم يبدو مضطرباً وطاغياً ولا يمكن التنبؤ به.

وتكمن المشكلة في التدخلات التي تركز على محاولة تقديم الطفل على أنه غير مختلف عن نظرائه في معاملة الطفل على أنه مشكلة لا بد من حلها بدلاً من أن يكون إنساناً يحتاج إلى من يفهمه كما يقول بريزانت. ويضيف “هذه الطرق غالباً ما تفاقم المشكلة والحل هو أن تسأل ما الذي يتسبب في هذه السلوكيات وما الذي يدفع إلى هذه الأنماط من السلوك”.

يذكر أن الاهتمام باضطراب التوحد بدأ بشكل علمي عام 1943 من خلال دراسة قام بها الطبيب النمساوي ليو كانر الذي كان يعمل في مستشفى جونز هـوبكنز ببـالتيمور في الولايات المتحدة الأميركية. ولقد نشر كانر تقريراً بعنوان “اضطراب التوحد في مجال التواصل الانفعالي” وكان ذلك من خلال فحصه لمجموعة من الأطفال الذين يراجعون وحدة الطب النفسي البالغ عددهم 11 طفلاً، منهم 9 ذكور وفتاتين. وقد لاحظ كانر من دراسته للتوحد زيادة لعدد المصابين بالتوحد، وأن عدد الذكور أعلى من الإناث بنسبة من 3 إلى 5 أولاد مقابل بنت واحدة.

ولقد لفت اهتمام كانر وجود مجموعة من الأنماط السلوكية غير العادية تمثلت فـي:

• الانعزالية المفرطة: وصف أفراد هذه الفئة بأنهم عاجزون عن التواصل مع البيئة المحيطة بهم.

• قصور في اللغة: أفراد هذه الفئة يتأخّرون في استخدام اللغة بالرغم من توفر حـصيلة لغوية جيدة لدى بعضهم.

• الحفظ والذاكرة المشوشة

• الحساسية المفرطة

• الرفض الشديد للتغيير

• قدرات إدراكية عاليـة

وكشفت إحدى الدراسات أن 70 بالمئة من الأشخاص الذين يعانون من التوحد لديهم مشاكل في النوم. ورجح الباحثون أن يكون ذلك بسبب القلق والتوتر الدائمين.

21