ضغوط الحياة جعلت الغضب وباء العامة

مع ازدياد ضغوط الحياة والصعوبات التي تواجه الإنسان، يطلق المرء العنان لحالة الغضب بغض النظر عن عواقبها الخطيرة، حتى أصبح الغضب جزءا من الحياة اليومية، بل ووباء العامة، الذي ينطلق في أمواج متلاطمة من الألفاظ والأفعال تتسبب في الكثير من المشاكل والأزمات سواء المعنوية أو المادية.
السبت 2015/11/14
الغضب العنيف أحد أنواع الإدمان

يهدد الغضب حياة الإنسان اليومية، لما له من أثر كبير على مشاعره وارتباطه بشكل مباشر بالعنف، بدءاً من المضايقات في مكان العمل والعلاقات العاطفية، وصولا للخلافات العائلية التي يمكن أن تتحوّل إلى مزيج من الضغط النفسي والاكتئاب.

وفي هذا السياق حذرت دراسة أميركية من أن يؤدي التزام الصمت وكبت الغضب من قبل أحد الزوجين في حال نشوء الخلافات بينهما، بدلاً من التنفيس السليم عنه، إلى التسبب في مشاكل صحية، حيث وجدت أن معدلات الوفيات المبكرة أعلى بين من يلجأون إلى عدم التنفيس عن الغضب مقارنة بمن يفعلون خلاف ذلك من الأزواج أو الزوجات.

وعرفت الدراسة كبت الغضب، بأنه فعل أحد شيئين، إما عدم إبداء أي مظاهر من الغضب إزاء ما يتعرضون له، أو عدم الرغبة في مواجهة الشريك بما يتهم به، أو الشعور بالذنب والندم بعد إبداء الغضب أثناء المشاجرة، كرد على تعامل الشريك الظالم.

وأكدت دراسة أخرى أن التزام الزوجات بالصمت عند حصول مشاجرات زوجية يرفع من معدلات الوفيات بينهن بنسبة أربعة أضعاف، مقارنة بمن ينفسن عن غضبهن أمام أزواجهن.

وأكد علماء النفس أن الغضب يصبح شبيهاً بالمحفز، الذي يبحث عن أنشطة تثير الانفعال، حيث أن وجود مؤشرات خطر تُنذر بالغضب والهيجان، تحفز إفراز هرمون “الدوبامين” في مستقبلات الدماغ، مثل ما يحدث في حالات الإدمان المختلفة كإدمان الرياضات العنيفة، والمقامرة، وحتى إدمان المخدرات مثل الكوكايين، حيث يصبح الغضب محفزاً للمزيد من الغضب العنيف كأحد أنواع الإدمان، وهو ما يجعل العواقب تكون خطيرة ومؤثرة، خاصة مع الاستجابة لأيّ محفز بدون أخذ الصورة الكلية بعين الاعتبار.

الغضب مثل أيّ نوع من أنواع الإدمان الأخرى، والخطوة الأولى لمواجهته هي الاعتراف بوجود مشكلة

وتمنح لحظة الغضب الإنسان شعوراً جيداً، حيث تبدو كأنها أصح شيء يمكن القيام به، ويخرج ما بداخله من طاقة، وهذا جزء من المشكلة، حيث أنه في هذه اللحظة يسقط الإنسان كافة القيود ويتجاهل القيم الأخلاقية ويضرب بالعقلانية عرض الحائط.

وتنطلق هذه الحالة من الجهاز الحوفي في الدماغ، وهو المركز المسؤول عن الانفعالات الغريزية مثل الخوف والشهوة. ويمتلك هذا الجهاز روابط مباشرة مع نظام الاستجابة “الدفاع أو الهرب”، ما يشمل التحكّم في تدفّق الأدرينالين، وحواس أخرى تدفع الإنسان للقيام بأحد أمرين: الاقتتال أو الهرب سريعاً.

وقد يكون الغضب آلية للراحة ووسيلة لتجنّب العواطف. ففي الغالب يجد الأشخاص الذين نشأوا في بيئات تعمّها الفوضى بشكل مستمر في تقلّبات المزاج والغضب مجالاً للراحة، ربما تساعدهم على الفرار من الشعور الداخلي بالخواء أو الخوف. كما أن الصراع له آثار مدمرة عاطفياً، ولكن البعض قد يفضّله إذا ما قُورن بالمشاعر السوداوية مثل الخسارة أو الحزن.

الأنا الهشة هي جزء من الاضطرابات النفسية التي تكون جلية في الشخصيات النرجسية، حيث تكون المشاعر الداخلية العميقة بالضعف أو عدم الأمان السبب الحقيقي وراء اندفاع الشخص للغضب، فيصبح الغضب وسيلة تجعل الإنسان يشعر بالقوة في لحظات تمكّنه من الانتصار على شعوره بالضعف، كما يمنح الغضب المرء شعوراً لحظياً بالسيّطرة على الأمور التي لا يملك زمامها، إلا أن التعزيزات السلبية اللاحقة تضر بصورة المرء في عيون الآخرين وتستمر دورة الشعور بعدم الأمان، وتصبح الأمور أشبه بدورة سيئة من نوبات الغضب والعقاب والتي تؤذي في النهاية الشخص العصبي.

وأكدت دراسات أن الغضب مثل أيّ نوع من أنواع الإدمان الأخرى، والخطوة الأولى لمواجهته هي الاعتراف بوجود مشكلة. وهذه الخطوة تُعدّ الأصعب بالنسبة لكثيرين، حيث يدركون المشكلة بعد أن يفقدوا الكثير، معنوياً ومادياً، ومن ثم يحتاج الأمر إلى النضج والجرأة معاً، من أجل أن يتم الاعتراف بأن الغضب أصبح مشكلة جدية، بحاجة إلى مواجهتها والسيّطرة عليها.

المشاهد العنيفة التي تبث في الإعلام عن الحروب والقتل وتصدير الانقسامات والكره، ساعدت على إطلاق العنان لحالة الغضب بغض النظر عن عواقبه الخطيرة

وعن طرق علاج الغضب، قال الدكتور طارق أسعد، استشاري الطب النفسي في مصر: هناك العديد من الاستراتيجيات للمساعدة على علاج نوبات الغضب، في مقدمتها علاج الظروف المرضية الكامنة خلف الغضب، والتي يكون الغضب مجرد مؤشر عليها مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، وتعلّم سلوك بديل كحل المشكلة بطريقة بناءة والتحدّث مع الآخرين عن الأشياء التي تسبّب الهيجان والغضب، وممارسة التدريبات الذهنية، إضافة إلى اتباع استراتيجيات إيجابية للتغلّب على الضغط، مثل المرح، وممارسة الرياضة، واليوغا، والتأمل. هذا بجانب تغيير نمط السلوك الضار.

وأضاف الدكتور أسعد أن معالجة الاضطرابات النفسية تساعد بشكل مؤثر على الحدّ من نوبات الغضب، لافتاً إلى أن العلاج المعرفي السلوكي هو أسلوب من أساليب العلاج النفسي يعالج المشكلات ويساعد على تحقيق السعادة عن طريق تعديل السلوك والمشاعر والأفكار المختلفة، على عكس النظرية التقليدية الفرويدية.

أما الدكتور محمود غلاب، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، فيشير إلى أن الغضب يزيد حالة اللاوعي لدى الإنسان، ما يدفعه إلى تخطي الكثير من الحواجز الأخلاقية والأدبية، ويصبح مؤهلاً لأن يفعل أيّ شيء، لذلك فهو عندما يهدأ ويعود إلى طبيعته يشعر بالندم والأسى تجاه ما فعل، لافتاً إلى أن الجهاز الحوفي في الدماغ هو المسؤول عن الوظائف الانفعالية لدى الإنسان.

وأكد على أن المشاهد العنيفة التي تبث في الإعلام عن الحروب والقتل وتصدير الانقسامات والكره، ساعدت على إطلاق العنان لحالة الغضب بغض النظر عن عواقبه الخطيرة، قانونياً واجتماعياً وصحياً، والتي تؤدي بشكل كبير إلى زيادة معدلات الغضب الحاد المؤهلة للتحوّل إلى عنف، وربما إلى جريمة قتل.

21