ضغوط دولية تجبر فرقاء جنوب السودان على طي صفحة الحرب

بعد تأخر دام أسبوعا عاد زعيم حركة التمرد في جنوب السودان رياك مشار إلى جوبا لقيادة حكومة وحدة وطنية سيتم تشكيلها حتى تضع الحرب الأهلية أوزارها في البلاد، لكن مراقبين يرون أن خلافاته مع الرئيس سلفاكير على عدة ملفات “حارقة” ستبقى قائمة رغم الضغوط الدولية التي أجبرتهما على تقاسم السلطة ووقف أعمال العنف.
الأربعاء 2016/04/27
هدوء مؤقت

جوبا - أدى زعيم المتمردين في جنوب السودان رياك مشار، الثلاثاء، اليمين الدستورية ليعود بذلك إلى منصبه كنائب للرئيس سلفاكير تطبيقا لاتفاق السلام الموقع في أغسطس الماضي والهادف إلى إنهاء حرب أهلية استمرت أكثر من عامين.

وقال مشار في القصر الرئاسي خلال أدائه اليمين “التزم تماما بتطبيق هذا الاتفاق بحيث تبدأ عملية المصالحة والتعافي في أسرع وقت وليتمكن الناس من الإيمان بالبلد الذي قاتلوا من أجله لوقت طويل”.

وبهذه الخطوة التي رحبت بها الأسرة الدولية يطوي طرفا الصراع خلافاتهما إلى حين، لكن الأمر لا يخلو من مجازفة، كما يقول مراقبون، في ظل الوضع الرخو الذي تعيشه البلاد وحالة الانفلات الأمني التي لا يمكن السيطرة عليها.

ويأتي ذلك بعد يوم من إعلان دونالد بوث المبعوث الأميركي الخاص إلى جنوب السودان عن أن مجلس الأمن الدولي سيجتمع، الأربعاء، لبحث الأزمة في جنوب السودان، مشيرا إلى إمكانية فرض عقوبات دولية جديدة على طرفي النزاع في حال لم يطبقا اتفاق السلام.

ورغم أن عودة زعيم المتمردين مشار تعتبر شرطا لا بد منه لتطبيق اتفاق السلام، فإن ما حصل في الأيام الأخيرة يظهر أن التباعد لا يزال كبيرا بين معسكري الرئيس ونائبه.

رياك مشار: تحقيق السلام يتطلب المصالحة الوطنية وتقديم المساعدات للمتضررين

وكان مشار الذي قام بمحاولة انقلاب على سلفاكير منتصف ديسمبر 2013، قد صرح عقب وصوله إلى مطار العاصمة جوبا قائلا إن “تحقيق السلام الفعلي يتطلب المصالحة الوطنية وتقديم المساعدات الإنسانية للمواطنين المتأثرين بالحرب”.

وأثار تأخر وصول مشار الذي كانت عودته مقررة أساسا في الـ18 من أبريل الجاري بموجب اتفاق سلام برعاية دولية وإقليمية، غضبا لدى المجتمع الدولي بعد أشهر من المفاوضات لإعادة الخصمين إلى نفس المدينة وتشارك السلطة.

وسيكون ضمان عمل الخصمين في حكومة موحدة وإبقاء الأسلحة في معسكرات منفصلة، حيث تتمركز الآلاف من القوات المتخاصمة داخل العاصمة، أمرا يتطلب جهودا كبيرة واتفاقا بين المتخاصمين على أرض الواقع وسيحتاج ذلك إلى وقت طويل، بحسب محللين.

وعاد رئيس أركان قوات المتمردين سايمون غاتويتش دوال إلى جوبا، الاثنين، في خطوة وصفها مراقبون بالمهمة ضمن عملية السلام المتعثرة. وقال دوال ملوحا بعصا للمشي أثناء ترجله من الطائرة “نحن جنوب سودان واحد”.

ومع أن الأمور تسير على نحو بطيء رغم عملية المصالحة، إلا أن المتابعين يعتقدون أنه لا تزال لدى الطرفين شكوك عميقة، والمعارك تتواصل مع انتشار ميليشيات عديدة خارجة عن سيطرة كير ومشار.

وتأخرت عودة زعيم المتمردين لأسباب من بينها أنه في بلد غارق بالأسلحة، حيث برز خلاف حول نحو عشرين قطعة من الرشاشات والقاذفات المضادة للدروع “آر.بي.جي” التي يسمح للحرس المرافق له بحملها.

دونالد بوث: إمكانية فرض عقوبات على طرفي النزاع واردة إذا لم يطبق اتفاق السلام

وقتل عشرات الآلاف من الأشخاص ونزح أكثر من مليوني شخص من ديارهم في النزاع الذي أشعل مجددا الانقسامات الإثنية وشهد انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، كما أن اقتصاد البلاد منهار فيما يحتاج أكثر من 5 ملايين شخص للمساعدة إضافة إلى النازحين.

وتكتظ المخيمات بأكثر من 180 ألف شخص تابعة لقوة حفظ السلام التابعة بدورها للأمم المتحدة في أنحاء البلاد، حيث لا يجرؤون على الخروج من خلف الأسلاك الشائكة خشية تعرضهم للقتل والتوتر شديد، فيما يرى البعض أن الأيام القادمة ستكون حاسمة.

وقال كاسي كوبلاند من مجموعة الأزمات الدولية “نحتاج لأن تبقى البنادق صامتة وتعطي الناس الوقت، كأطراف رسمية متحاربة وكأفراد، لأن يكونوا مع بعضهم البعض في الأيام القادمة”.

وأكد كوبلاند أن حجم المعاناة هائل. فأجزاء من الدولة خاصة في منطقة ولاية الوحدة المنتجة للنفط والمنكوبة أصبحت على شفير المجاعة.

وفيما يلمح العديد من الدبلوماسيين إلى أن عودة زعيم المتمردين هي “أفضل فرصة حتى الآن”، فإن الاتفاق الذي أبرم تحت ضغط دولي كبير طيلة أشهر يتضمن عودة الدولة إلى الوضع الذي كان سائدا قبل إقالته من منصب نائب الرئيس في يوليو 2013، وهو ما عجل الحرب.

وتعرض الاتفاق إلى انتهاك بصورة متكررة مع استمرار المعارك منذ التوقيع عليه، وانهارت صيغة تقاسم السلطة، الركيزة الأساسية في الاتفاق، بعد أن عمد سلفاكير إلى زيادة عدد الولايات بمعدل ثلاثة أضعاف.

واندلعت الحرب الأهلية في جنوب السودان عندما اتهم سلفاكير نائبه مشار بالتخطيط لانقلاب. وأجج النزاع الانقسامات الإثنية وتخللته انتهاكات لحقوق الإنسان ومنها عمليات خطف واغتصاب الآلاف من النساء والفتيات، ومجازر بحق المدنيين وتجنيد الأطفال والتسبب في التهجير القسري للسكان بالإضافة إلى التشويه وحتى أكل لحوم البشر.

ويعد جنوب السودان أحد أفقر الدول ولديه بعض أسوأ مؤشرات التنمية والصحة والتعليم في العالم حتى قبل اندلاع الحرب.

وتشير تقديرات أممية إلى أن لمشار أكثر من 1500 عنصر من القوات المسلحة في العاصمة فيما يتجاوز عدد القوات الحكومية رسميا الضعف. وعلى الجنود الآخرين البقاء على مسافة 25 كيلومترا على الأقل عن جوبا.

ولا يزال التهديد باندلاع أعمال عنف على نطاق محلي هائلا مع العديد من الميليشيات الخارجة عن السيطرة. وتعود خصومة مشار وسلفاكير لسنوات طويلة وحتى وإن تمكنا من العمل سويا يتعين عليهما السيطرة على قادة ميدانيين متصلبين وأقوياء.

5