ضغوط دولية قوية تجبر فايز السراج على الاستقالة

رسالة طمأنة للأطراف الغاضبة من استدعاء تركيا إلى ليبيا.
الجمعة 2020/09/18
استبعاد أم استقالة

تونس - فاجأت استقالة رئيس حكومة الوفاق فايز السراج الليبيين رغم أن تسريبات صحافية مهدت لها قبل نحو أسبوع، باعتبار أن القرار جاء بعد فترة وجيزة من احتدام صراع النفوذ بين السراج ووزير الداخلية فتحي باشاغا الذي قاد حملة تحريضية غير مباشرة ضده من خلال تشجيع الليبيين على النزول إلى الشارع والاحتجاج على تفشي الفساد.

وفي حين ينظر البعض إلى استقالة السراج على أنها خطوة إجرائية لتمهيد الطريق لحكومة الوحدة الوطنية المقبلة، يرى آخرون أن هذه الاستقالة تعكس فشل محاولات السراج لمنع استبعاده من المشهد لاسيما بعدما عاد باشاغا إلى ممارسة مهامه كوزير للداخلية بسبب قرار من السراج.

ورغم الترحيب الحذر بهذه الخطوة التي مهدت لها الطريق تسريبات أميركية لافتة تردد صداها بقوة خلال الأسبوع الماضي، فإن ذلك لم يمنع من تباين الآراء والمواقف الليبية إزاء جديتها وأبعادها، الذي ترافق مع تساؤلات جدية حول مصير الاتفاقيات المُثيرة للجدل التي وقعها مع تركيا.

ويرى كثيرون أن هذه الاستقالة جاءت بضغط أميركي لاسترضاء أطراف دولية منزعجة من الاتفاقيات التي وقعها مع تركيا، لاسيما اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تثير غضب الأوروبيين بشكل عام وفرنسا واليونان بشكل خاص.

وفي تغريدة له عبر حسابه على تويتر سارع أوليفر أوفتشا، سفير ألمانيا لدى ليبيا، إلى الترحيب بهذه الخطوة قائلا “قرار الرئيس السراج يستحق الاحترام، نظرا إلى أن انتقال السلطة يمثل تحديا لأي بلد”.

وتواترت الأنباء خلال الأشهر الماضية بشأن اعتزام فرنسا تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي من أجل سحب الشرعية عن حكومة الوفاق.

وتؤكد تصريحات عضو المجلس الرئاسي عماري زايد، القيادي السابق في الجماعة الليبية المقاتلة والمحسوب على التيار المتطرف المعروف بولائه الكبير لتركيا، ما يتواتر من أنباء بشأن القلق التركي من استقالة السراج.

وقال زايد في تصريحات إعلامية إن “الشرعية التي يتم الاستناد إليها ليست مرتبطة بأيّ شخص مهما كان منصبه إنما باتفاق سياسي كان أفضل الموجود”، لافتا إلى أن هذه الشرعية تعززت بـ”الثوار” (في إشارة إلى الميليشيات) الذين التفوا على المجلس الرئاسي للمحافظة على “أهداف الثورة”، وأن هؤلاء “الثوار” من حقهم المشاركة في القرار السياسي وأنه لن يسمح بتهميشهم.

وكان السراج قد أعلن في كلمة مُصورة، توجه بها مساء الأربعاء إلى الشعب الليبي، عن عزمه رسميا الاستقالة من رئاسة حكومة الوفاق في نهاية شهر أكتوبر القادم، وذلك في تطور سريع للأمور بدا كأنه ليس معزولا عن إعلان الحكومة الموازية في شرق ليبيا برئاسة عبدالله الثني استقالتها قبل أربعة أيام.

وقال في كلمته “أعلن للجميع رغبتي الصادقة في تسليم مهامي إلى السلطة التنفيذية القادمة في موعد أقصاه شهر أكتوبر القادم، على أمل أن تكون لجنة الحوار الليبي استكملت أعمالها واختارت مجلسا رئاسيا جديدا، وكلفت رئيسا لحكومة يتم تسليم المهام إليه، وفقا لمُخرجات مؤتمر برلين التي صادق عليها مجلس الأمن الدولي”.

سعد الجازوي: استقالة السراج نتيجة إملاءات دولية لأجل مرحلة انتقالية أخرى
سعد الجازوي: استقالة السراج نتيجة إملاءات دولية لأجل مرحلة انتقالية أخرى

وتذهب بعض الآراء إلى حد القول إن السراج أراد بهذه الكلمة تمهيد الطريق لخروجه من المشهد الليبي بأخف الأضرار، ومع ذلك لم يتردد النائب البرلماني الليبي زياد دغيم في الترحيب بما جاء في كلمة السراج من التزام بالتنحي من منصبه في نهاية الشهر القادم.

وقال في اتصال هاتفي مع “العرب”، إن قرار السراج المُعلن “يُحترم وفيه تقديم للمصلحة العامة العليا، ويُضاف إلى قرارات وطنية هامة اتخذها مؤخرا، منها وقف إطلاق النار، وعدم تطوير الحرب”.

واعتبر زياد دغيم أن هذا القرار “خطوة جدية ألقى بها الكرة في ملعب الآخرين، ويجب أن تُقابل بانفتاح، ومعالجة كل مصادر قلق السراج إن وجدت”.

لكن هذا الترحيب قابله سعد الجازوي، عضو المجلس الاستشاري الليبي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، بالتشكيك، عبر ربط القرار بإملاءات خارجية حيث اعتبر أن كلمة السراج التي تحدث فيها عن الاستقالة “لم تكن نتيجة الحالة السيئة التي وصلت إليها إدارة البلاد خلال السنوات الماضية، بل جاءت اتساقا مع المشروع الدولي لليبيا”.

ورأى، خلال تصريحات بثتها قناة “ليبيا بانوراما” ليل الأربعاء – الخميس، أن كلمة السراج “جاءت نتيجة إملاءات دولية تريد لليبيا الدخول في مرحلة انتقالية أخرى”.

وأضاف “كنا ننتظر من السراج أن يضع خطوطا عملية لعلاجات حقيقية للملفات التي يعاني منها المواطن الليبي، لكنه وضعنا في السياق الدولي بأنه سيسلم (ما يضعه من خطوط عملية) إلى الحكومة التي ستنشأ عن طريق لجنة الحوار، دون إضافة جديد يخص معاناة الشعب الليبي”.

وتكاد القراءات السياسية المُصاحبة لهذا التطور تُجمع على أن السراج تعرض لضغوط قوية لها علاقة بترتيبات دولية يجري التحضير لها في عدة عواصم غربية، وخاصة منها واشنطن، لتسوية الملف الليبي عبر إعادة صياغة المشهد السياسي قبل الانتخابات الأميركية.

وتستند تلك القراءات على تقارير أميركية سابقة، كانت قد أكدت قبل نحو أسبوع اعتزام فايز السراج إعلان استقالته قريبا، وذلك بالتنسيق مع تركيا، التي ما زالت تتحكم في أوراق موازين القوى السياسية في الغرب الليبي، رغم أن كل المؤشرات تؤكد أن علاقات أنقرة وطرابلس ستتأثر بشدة بهذه الاستقالة في صورة حدوثها.

1