ضغوط على الصحافيين تضعهم أمام اختبار المهنية خلال الانتخابات التونسية

قطاع الخدمة العامة سيعمل تحت إمرة هيئتين إداريتين مستقلتين. فهل من استقلال الصحافي أن يأتمر بأوامر مهنية صادرة عن غير المهنة.
الاثنين 2019/09/02
البحث عن المهنية والاستقلالية

انطلق لسانها قائلة “كفوا عنا… تعبنا… أصابنا القرف…” ثم وجهت خطابها إلى القيادي كريم الهلالي من حزب رئيس الحكومة “أنتم لا تعلمون وطأة الضغوط المسلطة علينا… راجعوا أنفسكم أنتم أصحاب السلطة”. كانت مريم بالقاضي مقدمة البرنامج التلفزيوني اليومي “تونس اليوم” في بلاتوه اشتدّ فيه الغليان مساء 23 أغسطس بعد نحو ساعتين من إيقاف مرشح الانتخابات الرئاسية نبيل القروي.

كان الجدل حادا بين ممثل حزب رئيس الحكومة المدافع عن سلامة قرار سجن القروي والحاضرين الآخرين الخمسة الذين يرون فيه توظيفا للقضاء. كانت مقدمة البرنامج إلى الهدوء أقرب حتى قررت أن تنطق بما سكتت عنه “قبل نحو ساعة من إيقاف القروي اليوم هاتفني أحدهم من علية القوم ليخبرني بذلك… كنا ضد تعديل القانون الانتخابي… ضد الإقصاء… أرادوا أن يلفقوا لنا كل التهم بسبب مواقفنا”.

ولا يحتاج كلام المقدمة إلى تأويل فهناك ضغوط مسلطة على الصحافيين. قد نفهم من كلامها أنها مسلطة على البعض ممن يظهرون في التلفزيونات في أوقات الذروة من أولئك الذين يفترض الحاكم أنهم أكثر تأثيرا في الناس. غير أن ممارسات ظهرت خلال هذه الفترة التي تسبق الحملة توحي بأن حال الصحافيين لا ينبئ بخير.

فقد نشرت هيئة الاتصال السمعي البصري (الهايكا) وهيئة الانتخابات (الإيزي) قرارا مشتركا في 21 أغسطس الماضي “يضبط القواعد الخاصة بتغطية الحملة الانتخابية” ويتضمن مجموعة من الالتزامات المحمولة على الصحافيين وهي التزامات لا تطلبها، في البيئات الديمقراطية، إلاّ المهنة بحكم ميثاق أخلاقي وعرف مهني أو بقوانين سابقة الوضع لا بأوامر.

وقد جاء في القرار أن الهيئتين ستشرفان على المناظرات التلفزيونية بين المرشحين للانتخابات الرئاسية وأنه سيتم إحداَث “لجنة مشتركة بين الهايكا والإيزي تشرف على حسن تنظيم المناظرات” مما يعني أن التلفزيون والإذاعة التونسيين اللذين بادرا بها أقصيا من لجنة التنظيم وأن قطاع الخدمة العامة سيعمل تحت إمرة هيئتين إداريتين رغم صفة الاستقلالية التي تحملانها. فهل من استقلال الصحافي أن يأتمر بأوامر مهنية صادرة عن غير المهنة؟

وتتعقد الأمور لمّا يذكر القرار أنه “في حالة عدم الالتزام بقواعد المناظرة، يمكن التظلم لدى الهايكا والإيزي”. المرشحون أحرار ولهم حق التظلم لدى من شاؤوا، غير أن ذلك لا يفرض على الصحافيين وصاية تمارسها الإيزي عليهم. وهل يمكن أن تنصف الإيزي المرشحين بمؤاخذة الصحافيين؟ فما علاقتها بالصحافيين أصلا؟

ويُفهم أن تنظم الهايكا والإيزي الانتخابات بقرار ينشر في الجريدة الرسمية يضبط الجوانب الإجرائية في الانتخابات مثل القرعة أو تحديد الوقت بالمساواة، وإن كان الذين أخذنا عنهم تركوه، أو الإعلان السياسي أو غيرها من المسائل لكن هل نضبط بالأوامر الرسمية صفة من يضع الأسئلة من غير الصحافيين؟

ففي القرار جوانب مهنية لا يحق لغير الصحافي أو المسؤول عن التحرير التطرق إليها. يتحدث القرار عن “التزام الصحافيين في المناظرات بالأسئلة المحددة مسبقا” دون ذكر محددها وهنا لا مفر من أحد أمرين: أسوأهما أن يضع الأسئلة غير الصحافيين وأقلهما سوءا أن يشاركهم في وضعها غير الصحافيين وفي الحالتين يتجنى الجميع على قواعد استقلال المهنة وأدناها حق الصحافي في السؤال.

ويتندر التونسيون على فيسبوك بقول بعضهم إن الصحافي بوبكر بن عكاشة سلّم رئيس الحكومة يوسف الشاهد الأسئلة ليطّلع عليها قبل الحوار الذي جرى على تلفزيون التاسعة مساء 30 أغسطس الماضي فيرد البعض الآخر إن ذلك خطأ فرئيس الحكومة هو الذي سلم بوبكر بن عكاشة الأسئلة. وتُظهر هذه الطرفة أن التونسيين يفترضون حدوث الأمر كما أنها تبين نظرتهم إلى علاقة الإعلام بالسياسة.

وقد يجادل البعض بأن تلك الإجراءات ظرفية وهي زائلة بعد الحملة. والرد بسيط يتمثل في القول إن المنطق يقتضي أن يعمل الصحافيون بالقوانين نفسها وبالأخلاقيات نفسها أيا كانت الظروف. ولا ينبغي أن نطلب من الصحافي أن يتعامل بقوانين وأخلاقيات مختلفة باختلاف الظروف لأنه أمر يقود إلى الاستثناء والاستثناء المتكرر يكسر القاعدة.

فما معنى مثلا أن يطلب من الصحافي أن لا يحاجج المرشحين في المناظرات؟ هل معنى ذلك أن يكتفي بإلقاء الأسئلة المتفق عليها ويصمت؟ وهل نحتاج إلى صحافيين أصلا في تلك الحالة؟ أليس ذلك هو دور مذيعات الربط اللاتي يذكرهن التونسيون في زمن الأبيض والأسود؟ وقد نفهم أن المحاججة المقصودة لا تكون في الأفكار لكن ماذا يفعل الصحافي في حضرة متناظر يمعن في التطاول على آخر؟ هل يتظلم لدى الإيزي؟

ويمنع القرار المشترك الصحافيين من إعادة بث المناظرات “كليا أو جزئيا” مما يعني أن القنوات التلفزيونية لا يمكنها الإخبار عن المناظرات إلاّ بالقول إنها جرت يوم كذا بين المترشحين العشرة إن أتيح للصحافيين ذكر الأسماء. وإن طلب منهم الإخبار عن المناظرات تلفزيونيا دون بث مقتطفات فسيكونون مجبرين على ذلك بتلخيص كلام المتناظرين بلا صوت ولا صورة. ألا يؤدي الأمر إلى ما يشبه سبب المنع؟

صحيح أن الجميع يعيش التجربة في خطواتها الأولى وما هذا المقال إلا للفت النظر إلى ما سيسيء إلى استقلال الصحافيين والإعلام. لقد أحسنت الهايكا يوم 30 أغسطس بنشر دليل يستعين به الصحافيون في تغطية الحملة الانتخابية غير أن فيه ما يقتضي المراجعة ليتلاءم مع الأخلاقيات والعرف.

ومثال واحد عن ذلك قول الدليل إنه “في حالة نقل تصريحات فيها اتهامات لأحد المرشحين من الضروري إتاحة حق الرد له”. إن مثل هذا الكلام ينسف ما تعلمه الصحافيون وما تقوله الأخلاقيات من أن الصحافي لا ينشر أبدا تهما يوجهها عمرو إلى زيد قبل أخذ رأي زيد في الأمر وإن رفض يباح له النشر مع ذكر الرفض.

إن هذا ليس من التفاصيل لأن تكراره قد ينزع يوما عن الصحافيين شرعيتهم ومشروعيتهم المتمثلتين في أن لا سلطان عليهم غير الأخلاقيات والقانون ورضا المواطنين لا المستهلكين. دور الإيزي مراقبة الانتخابات ودور الهايكا مراقبة التزام التلفزيونات والإذاعات بالقوانين ولا إشراف لهما على عمل الصحافيين.

18