ضغوط على باكستان لضرب البنية التحتية للتطرف

إسلام آباد تجد صعوبة في إقناع العالم بحسن نواياها في معاقبة الجماعات الإسلامية، بعد الحملة التي استهدفت مجموعة "جيش محمد" التي أعلنت مسؤوليتها عن الاعتداء في الهند.
الأحد 2019/03/17
اجتثاث أم غلق مؤقت

تعمل باكستان على رسم صورة جديدة لها تقطع مع صورتها التي ارتبطت بالتشدد والإرهاب. وقد لا يكون للخطوات الإصلاحية التي تتبعها للحد من مظاهر التطرف في البلاد تأثير حيني قريب، لأن التشدد يضرب في الجذور العميقة للمجتمع والدولة وسيستغرق الأمر سنوات لاجتثاث ذلك، لكن قطع الطريق مهم جدا إذا كانت إسلام آباد تسعى لتطوير علاقاتها الاستراتيجية وإقناع العالم بجدية توجهها.

إسلام آباد - عند الحديث عن المجتمعات التي يغلب عليها التشدد وتتواجد فيها تنظيمات مصنفة إرهابية تأتي باكستان في صدر القائمة، الأمر الذي يجعلها اليوم تجد صعوبة في إقناع العالم بأنها بصدد العمل على بلورة سياسة خطة جديدة تقطع مع تلك الصورة المتشددة ومسايرة التغييرات الطارئة على دول داعمة لها مثل المملكة العربية السعودية، كما مسايرة المجتمع الدولي الذي لا يقبل بحليف متهم بدعم التطرف.

وتواجه باكستان ضغوطا قوية للقضاء على المنظمات المتطرفة وإقناع العالم بحسن نواياها. وفي أحدث تحرك في هذا السياق، اختفت من أمام مسجد جماعة الدعوة، في باكستان، أي إشارة إلى هذه المجموعة التي تُعتبر إرهابية.

وأعلن عن الاعتقالات الأولى لناشطين إسلاميين في الخامس من مارس، بعد أقل من أسبوع على المواجهة الخطيرة بين نيودلهي وإسلام آباد بشأن منطقة كشمير المتنازع عليها. وتتهم الهند منذ فترة طويلة باكستان بإيواء إرهابيين على أراضيها، وتستخدمهم ذريعة لمهاجمتها، خصوصا الاعتداء الانتحاري في 14 فبراير في بالوما الذي فجّر الأزمة.

وكانت هناك أكثر من مئة عملية اعتقال بالإجمال كما تقول السلطات، وكذلك تجميد حسابات ومصادرة ممتلكات. ويُقدر عدد المؤسسات التي أعلنت السلطات السيطرة عليها بحوالي 700 مسجد ومدرسة ومستوصف.

وقال رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إن “الحكومة لن تسمح لأي مجموعة متمردة باستخدام الأراضي الباكستانية للقيام بأي نوع من النشاط الإرهابي خارج البلاد”، مضيفا “نحن جزء من المجموعة الدولية، نحن بلد مسؤول”.

ودعا عمران خان إلى “باكستان مستقرة وسلمية” تتوافر لديها كل المعطيات التي تخولها اجتذاب المستثمرين. لكن المحللين يقولون إن على باكستان القيام بكثير من الجهود لإقناع المجتمع الدولي بأن هذه العملية، التي ليست الأولى من نوعها في البلاد، تتسم بالصدقية.

ميرا ماكدونالد، الخبيرة في الشؤون الباكستانية، تبدي شكوكا حيال أن تمضي إسلام آباد حتى النهاية في التخلص من المجموعات التي أوجدتها ودعمتها ودافعت عنها طوال ثلاثين عاما، وتحذر في نفس الوقت من مخاوف حقيقية من أن ترد هذه الجماعات الضربة للدولة الباكستانية 

وعززت عرقلة الصين، الحليف الوثيق لباكستان، الأربعاء في مجلس الأمن الدولي، فرض عقوبات على زعيم جماعة “جيش محمد” مسعود أزهر، الشكوك في أن التدابير المتخذة تجميلية بشكل أساسي. ولو أدرج اسم أزهر في اللائحة السوداء، لكانت باكستان مضطرة أخلاقيا لتوقيفه، كما قال دبلوماسي.

 وتساءل “هل تحاول باكستان فقط خداعنا؟” وأجاب “أود أن أقول نعم”. ولا تخفي الهند أيضا شكوكها إزاء التدابير التي أعلنتها باكستان. وأعلنت فرنسا الجمعة تجميد أصول مسعود أزهر “على الصعيد الوطني”.

ويقول جيمس دورسي، الخبير الأميركي في السياسات الدولية، إن الرهانات بالنسبة إلى باكستان عالية بما أنها تواجه ضغوطا دولية متصاعدة. ويرى أن على باكستان أولا محاربة التطرف ومجاراة الولايات المتحدة في سياسة كنس فوضى محاربة السوفييت، التي تسببت في ظهور الإرهاب والتطرف وتطوره إلى شكله الحالي.

واستهدفت الحملة خصوصا مجموعة “جيش محمد” التي أعلنت مسؤوليتها عن الاعتداء في الهند، وجماعة الدعوة الخيرية التي تُعتبر فرعا من جماعة “عسكر طيبة” التي تتهمها الهند والولايات المتحدة بأنها مسؤولة عن تفجيرات بومباي العام 2008.

وتعد جماعة الدعوة نشطة جدا وتتمتع بشعبية في البلاد بسبب المساعدة الإنسانية التي تقدمها إلى الفقراء.

وصرح أكبر خان، أحد مسؤولي جماعة الدعوة في بيشاور، “لقد أمرنا بإغلاق مراكزنا الصحية وتسليم السلطات سيارات الإسعاف التي نستخدمها ومدارسنا”. وأضاف “طلب منا قادتنا قبول كل الأوامر والحفاظ على النظام”.

وخلا مسجد القبة في إسلام آباد من أي إشارة إلى جماعة الدعوة. وتفيد يافطة خضراء مثبتة على عمود، عن الإدارة الجديدة للمركزين التي عينتها “حكومة باكستان”. وقال مصدر قريب من جماعة “جيش محمد” “اعتُقل جميع قادتنا تقريبا، واستُبدل جميع أئمتنا، وتمت السيطرة على جميع مساجدنا”. وأضاف “لم نواجه من قبل أبدا تدابير تتسم بمثل هذه الشدة”.

جيمس دورسي، الخبير الأميركي في السياسات الدولية يقول إن الرهانات بالنسبة إلى باكستان عالية بما أنها تواجه ضغوطا دولية متصاعدة

وللعملية الحالية سوابق. فبعد الهجمات على البرلمان الهندي في 2001 وبومباي في 2008، المنسوبة إلى جماعات متطرفة باكستانية، اعتُقل العشرات من الإسلاميين ثم أخلي سبيلهم. وحصلت موجة جديدة من الاعتقالات المؤقتة بعد مجزرة 2014 في مدرسة في بيشاور، وأسفرت عن حوالي 150 قتيلا.

وترى حوما يوسف، الباحثة في مركز ويلسون، أن “إغلاق البنى التحتية الرئيسية مرحلة بالغة الأهمية، لكن لا يظهر أن الشبكة بأكملها قد تم تفكيكها”.

وتقول إن “آلافا من الناشطين ما زالوا في البلاد. ماذا نفعل بهم؟ خطة للسلام والمصالحة والقضاء على التطرف؟ لا شيء مطروحا في الوقت الراهن”، معربة عن الأسف لعدم وجود “استراتيجية طويلة الأمد”.

وتضيف يوسف قائلة “من الواضح أن هذا رد فعل قوي لمواجهة الضغوط الدبلوماسية وضغوط فريق العمل المالي الذي يهدد بإدراج باكستان في قائمة سوداء للبلدان التي تمول الإرهاب”. وسيشكل أي قرار من هذا النوع انتكاسة كبيرة لباكستان ويمكن أن يضعف اقتصادها الذي أصبح في المنقطة الحمراء. لكن حتى هذا الاحتمال لا يمكن أن يكون كافيا لإقناع الأجهزة العسكرية الباكستانية القوية بقطع الجسور مع الإسلاميين.

وتبدي ميرا ماكدونالد، الخبيرة في الشؤون الباكستانية، شكوكا حيال أن تمضي إسلام آباد حتى النهاية. وتتساءل “لماذا يتخلصون من المجموعات التي أوجدوها ودعموها ودافعوا عنها طوال ثلاثين عاما؟”. إلا أنها تحذر من مخاوف حقيقية من أن “ترد هذه الجماعات الضربة للدولة الباكستانية إذا ضربتها بقسوة”.

6