ضغوط واشنطن وأخطاء المحافظين تحدد مسار الانتخابات الإيرانية

على الرغم من الاحتمالات المتباينة التي تحفل بها المنافسة صلب الانتخابات الرئاسية في إيران إلا أن مؤشرات المشهد تحيل إلى حظوظ وافرة للرئيس الحالي حسن روحاني لانتخابه لعهدة ثانية، مستفيدا من عدة عوامل داخلية وخارجية والتي قد تجعل من استمرار الإصلاحيين في السلطة ضرورة سياسية وبراغماتية.
الثلاثاء 2017/05/16
روحاني أخف الأضرار

طهران - أعلن مجلس صيانة الدستور في إيران، في العشرين من أبريل الماضي، أسماء المرشحين الخمسة الذين تم فحص أهليتهم القانونية لخوض الانتخابات الرئاسية التي ستجرى الجمعة المقبل، فيما قوبل ملف ترشح الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بالرفض وهو ما اعتبر أمرا طبيعيا نتيجة لمعارضة المرشد الأعلى علي خامنئي لترشح نجاد مجددا.

لم تشذّ هذه الانتخابات عن تقليد راسخ في المنافسة الانتخابية الرئاسية منذ مرحلة ما بعد الثورة، من خلال ترشح عدد من المنافسين الثانويين والذين غالبا ما يعلنون انسحابهم تباعا قبل الدور الأول ودعمهم لأحد المرشحين الجديين، وهو الأمر الذي يشمل نائب الرئيس الحالي وحليف روحاني إسحاق جهانغيري، والمحافظ الشديد مصطفى مير سليم، ورئيس اللجنة الأولمبية الإيرانية سابقا مصطفى هاشمي طابا.

ومع تصدّر الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني لاستطلاعات الرأي ونوايا التصويت، يحمل كل من رئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف والمدعي العام الشيخ إبراهيم رئيسي آمال التيار المحافظ في إحداث مفاجأة انتخابية خلال الدور الثاني، اعتمادا على حشد كل أصوات وجهود المحافظين خلف مرشح قويّ قادر على ضمان الفوز.

لكن إعلان رئيس بلدية طهران باقر قاليباف انسحابه أمس الاثنين لفائدة إبراهيم رئيسي قد يؤدي إلى نتائج عكسية خلافا لمساعي المحافظين في توحيد الصفوف خلف مرشح واحد. وبحسب مصادر إعلامية مطلعة من داخل إيران فإن الرئيس حسن روحاني سيكون المستفيد الأبرز من انسحاب قاليباف، والذي كان يعدّ المنافس الأشدّ ثقلا لدى الشارع الإيراني بعكس آراء قيادات التيار الأصولي.

وتؤكد ذات المصادر أن انسحاب قاليباف مدفوعا بضغوط من داخل الكتلة المحافظة يعدّ خطا استراتيجيا قاتلا سيسهم في حسم السباق الانتخابي منذ الدور الأول لفائدة الإصلاحيين. وتربط المصادر قرار قاليباف بمخاوف داخل المعسكر الأصولي من تكرار سيناريو انتخابات 2013 والتي أدّت إلى خسارة المحافظين نتيجة تشتت أصواتهم وتمسك قاليباف حينها برفض الانسحاب.

وكانت القوى والتيارات الدينية المحافظة والمتشددة في إيران أعلنت بداية العام الحالي عن تشكيل جبهة انتخابية وسياسية مشتركة تحت مسمى حركة الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية (جامنا)، بهدف تجاوز حالة التشتت والخلافات المسيطرة على معسكر المحافظين، بما يدعم حظوظهم في الانتخابات الرئاسية.

انسحاب قـــاليـــباف يعد خـطا استراتيجيا سيسهم في حسم السباق الانتخابي منذ الدور الأول لفائدة الإصلاحيين

وعلى العكس من تصدر رئيسي لنتيجة الاستفتاء التي أجريت مطلع أبريل الماضي داخل التحالف المحافظ لتحديد قائمة المرشحين، يبدو قاليباف الأشد حضورا والأكثر قربا إلى مزاج القاعدة الشعبية للمتشددين وناخبيهم، وهو ما تؤكده استطلاعات الآراء التي نشرتها مؤسسة “ايسبا” الإيرانية لسبر الآراء والتي وضعت قالباف في المركز الثاني خلف روحاني.

وبحسب الأرقام التي نشرتها وكالة ايسبا فإن الفارق بين روحاني وقاليباف لا يتجاوز نقطة ونصف بالمئة من نوايا التصويت، والتي يتصدرها الرئيس الإصلاحي بواقع 39 بالمئة فيما حصل منافسه المحافظ على 37.5 بالمئة وهو ما يجعل من إمكانية فوز قاليباف بالدور الثاني أمرا ممكنا.

روحاني في وضع أفضل

يمهد خروج رئيس بلدية طهران من السباق استجابة لرغبات القياديين الأصوليين الداعمين لرئيسي الطريق بحسب المراقبين أمام اكتساح سهل وميسر لروحاني للمنافسة وحسمها منذ الدور الأول. وتزيد هذه الوضعية في تعقيد مهمة إبراهيم رئيسي والذي ينظر إليه على نطاق واسع داخل إيران كخليفة مرجح للمرشد الأعلى علي خامنئي، وهو ما قد يفسر سعي رئيسي إلى بلوغ سدة الرئاسة لإضفاء شرعية سياسية على خلافته المرتقبة لخامنئي والذي كان فوزه بعهدتين رئاسيتين خلال الثمانينات من القرن الماضي عتبة ساعدت على اختياره لخلافة الخميني سنة 1989 في ذات المنصب.

في المقابل، يبدو روحاني في وضع أفضل بكثير مستفيدا من عدة عوامل أبرزها مبادرة قيادات الإصلاحيين بالتعجيل بإعلان دعم روحاني في مارس المنقضي بعد اجتماع مجلس السياسات الإصلاحي، والذي تمخّض عن إعلان مساندة روحاني على الرغم من عدم الإجماع الحاصل حوله داخل الصف الإصلاحي، حيث تذهب البعض من التيارات إلى رفض تصنيف الرئيس الحالي ضمن الإصلاحيين.

العامل المعقّد الآخر هو تكوّن تمرّد بين المصلحين الحقيقيين الذين عجّلوا بدعم إعادة انتخاب روحاني بالرغم من أن روحاني لا يعتبر “واحدا منهم”. في 12 مارس اجتمع مجلس صنع السياسات الإصلاحي برئاسة عضو المجلس محمد رضا عارف، وتم الاتفاق خلال هذا الاجتماع على أن تدعم المنظمة إعادة انتخاب حسن روحاني. ورغم خضوعه للإقامة الجبرية منذ العام 2011 إلا أن كروبي يعدّ أحد أبرز قيادات الإصلاحيين، والذي يحضى باحترام شعبي ومكانة سياسية كبيرة حيث يعتبره البعض “المرشد الأعلى” للتيار الإصلاحي في إيران، ما يجعل من مواقفه و قراراته امرأ قاطعا.

تشدد إدارة ترامب تجاه إيران بشأن رفع العقوبات ومراجعة الاتفاق النووي قد تجعل من استمرار روحاني ذي النزعة المعتدلة تجاه الغرب ضرورة للمرحلة القادمة

تأثير عامل ترامب

تجد دعوات الأصوليين الانتخابية والسياسية دعما كبيرا بفضل الخطاب المتشدد تجاه إيران من جانب إدارة ترامب. وبالرغم من أن إدارة ترامب سلمت خطاب الإشهاد للكونغرس الأميركي تقر فيه التزام طهران الكامل باتفاقها المبرم مع مجموعة الخمسة زائد واحد، فقد أعلمت الرسالة الكونغرس كذلك بأن إدارة ترامب ستجري مراجعة على مدى تسعين يوما بشان قرار رفع العقوبات ضد إيران أو الإبقاء عليها نظرا للمشاغل الأمنية الوطنية صاحبة الأولوية في القرار.

وأوضحت الرسالة التي أمضاها وزير الخارجية ريكس تيلرسون بأن مراجعة العقوبات تعتمد على دور إيران كدولة راعية للإرهاب. ويشار إلى أنه بموجب قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني الذي صوّت عليه المجلسان في الكونغرس في سنة 2015، على الرئيس ترامب أن يشهد على التزام إيران بالاتفاق مع مجموعة الخمسة زائد واحد كل تسعين يوما.

وفي اليوم الموالي لتسليم رسالة الإشهاد إلى الكونغرس أخبر تيلرسون الصحافيين بأن “خطة العمل الشاملة المشتركة لا تنجح في تحقيق هدف إيران غير نووية، فهي تؤجل فقط هدف تحولها إلى دولة نووية.

يمثل هذا الاتفاق نفس المقاربة الفاشلة في الماضي التي أوصلتنا إلى التهديد الوشيك حاليا الآتي من كوريا الشمالية. ليس لإدارة ترامب أي نية لتمرير المسؤولية لإدارة مستقبلية في موضوع إيران”.

في العشرين من أبريل ألقى الرئيس ترامب شخصيا بثقله في المسألة معلنا أن إيران تخرق “روح” الاتفاق مع مجموعة الخمسة زائد واحد، “إنهم لا يوفون بروح الاتفاق. يمكنني قول ذلك لكم. ونحن نحلل ذلك باهتمام كبير جدا، وسيكون لدينا ما نقوله عن الموضوع في المستقبل غير البعيد. لكن إيران لم توف بروح الاتفاق. وعلى الإيرانيين فعل ذلك. عليهم فعل ذلك. إذا سنرى ماذا يحدث”.

وأكد زير الدفاع جيمس ماتيس، الذي كان يعرف بمعارضته الشرسة لاتفاق الخمسة زائد واحد وكذلك اعتراضه على سياسات الرئيس الأميركي السابق تجاه إيران، إن الاتفاق باق ويجب عدم التخلي عنه. لكنه أضاف قائلا “ذلك لا يخفف أو يبرر الأنشطة الإيرانية الأخرى في المنطقة بأي حال من الأحوال بما في ذلك دعمها للحرب في اليمن التي تدور رحاها بفضل الدعم الإيراني، أو ما يفعلونه في سوريا ومواصلة التدمير وحالة الفوضى والقتل الجاري هناك”.

لهذه الانتقادات الصادرة عن إدارة ترامب لإيران وقع موسيقى في آذان المتشددين الإيرانيين الذين يأملون في أن يترجم الكلام القاسي إلى أصوات للمرشح الأصولي، إن أمكن لهم التحرك صفا واحدا والتوحد خلف شخص واحد.

لكن تشدد إدارة ترامب تجاه إيران بشأن رفع العقوبات ومراجعة الاتفاق النووي قد تزيد من مخاوف الفئة الأكبر من الإيرانيين من عودة البلاد إلى مرحلة العزلة والعقوبات الدولية ما يجعل من استمرار روحاني ذي النزعة المعتدلة تجاه الغرب ضرورة للمرحلة القادمة.

7