ضم القرم هل يعزل روسيا دوليا

الثلاثاء 2014/03/25
تباين آراء المحللين السياسيين إزاء تدخل روسيا لضم القرم

مثلت رغبة حكومة كييف في إخراج أوكرانيا من فلك الكرملين وتقريبها من الغرب، السبب الرئيس وراء التحرك الروسي باتجاه الدفاع عن مصالح موسكو في المنطقة، وكانت القرم التعبيرة الواضحة عن تلك المصالح. ولكن الخطوة الروسية أثارت الكثير من ردود الأفعال خاصة بعد المصادقة الفعلية من قبل مجلس الاتحاد في البرلمان الروسي على معاهدة ضم القرم إلى روسيا، متحديا بذلك الأسرة الدولية مما قد يدفع نحو عزلها دوليا.

وقد رأت الأوساط الغربية في التصرف الروسي، ضربة غير مقبولة لسلامة ووحدة أراضي أوكرانيا، كما تمارس واشنطن ضغطا كبيرا على الاتحاد الأوروبي، لفرض عقوبات اقتصادية موجعة لموسكو، وذلك لإدراكها أن العقوبات الأميركية الأحادية، لن تؤثر بشكل كبير في الاقتصاد الروسي.

ويشير بعض المحللين إلى أن الموقف الأوروبي من جدوى العقوبات وشكلها، مازال يعرف نوعا من التذبذب والتجاذبات البينية خاصة من الطرف الألماني الذي يفوق حجم استثماراته في روسيا عشرين مليار يورو.

كما يعتقد آخرون أن الاتحاد الأوروبي الغارق في مشاكله الداخلية، لن يقدر على إحياء الاقتصاد الأوكراني العاجز الآن عن تسديد فواتير “غازبروم” الروسية بالسعر التفضيلي، فما بالك عندما ترفّع موسكو سعر الغاز بنسبة 30 بالمئة.

ونعرض هنا موقفين من المسألة، الأول للكاتب الروسي إنغو مان تويفل الذي يرى أن بوتين يقود روسيا إلى العزلة الدولية، والثاني للدبلوماسي الروسي السابق فياتشسلاف ماتوزوف، الذي يذهب إلى أن الحديث عن عزل روسيا، مثير للضحك.


روسيا ستصبح في عزلة


رأى الكاتب الروسي إنغو مان تويفل أن الرئيس بوتين، بإقدامه على ضم القرم فهو يقود روسيا في أيسر الطرق إلى عزلة دولية من الصعب عليه الخروج منها مرة أخرى.

وأوضح الكاتب أن بوتين لا يلقى دعما دوليا في الخطوة التي أقبل على اتخذها. فهناك العديد من الدول ومنها الصين لا تؤيد الكرملين في سياسته العدوانية تجاه أوكرانيا، إذ لم يتلق المصادقة بخصوص هذه الخطوة (ضم القرم)، سوى من نظام الأسد وكوريا الشمالية.

الكاتب إنغو مان: بوتين يقود روسيا إلى عزلة دولية بضمه القرم

وأكد تويفل أنه لا يمكن الحديث عن إرادة حرة للمواطنين في شبه جزيرة القرم، لذلك فإن الاستفتاء الذي تم بالإضافة إلى أنه لم يكن شرعيا، فإنه أيضا لم يكن مستقلا ولا حرا.

وأوضح إنغو مان أن الاستفتاء الذي أجري في وقت قصير، لم تسبقه مناقشة سياسية حقيقية، وقد تمّ في ظل وجود قوات مسلحة روسية و”قوات الدفاع الذاتي” المتحالفة معها.

كما أن الاستفتاء جاء وفقا لسيناريو معروف، إذ لجأ جوزيف ستالين إلى استخدامه سابقا، أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية في مناطق وسط وشرق أوروبا المحتلة آنذاك، حيث كانت مجموعات موالية للكرملين تقوم بالتعاون مع قوة موسكو العسكرية، بتنظيم استفتاء عبارة عن تمثيلية ترافقها دعاية صاخبة لتعطي قدرا من الشرعية لسياسة التوسع.

ويفسر تويفل خطوة بوتين، بأنه كان يعتقد من وراءها، أن الغرب سيتركه يمر بفضل هذه السياسة العدوانية والمخالفة للقانون الدولي، في ظل الفوضى في أوكرانيا ما بعد يانوكوفيتش، وأن بوتين كان يتوقع أن يواجه قليلا من الانتقادات الغربية.

كما أنه لا يزال يعتقد بأن السخط السياسي سيهدأ وأن الغرب يخاف من العقوبات الروسية، خاصة خلال السنوات الأخيرة، إذ يُتداول في النقاش العام الروسي، مفهوم خاطئ يقوم على فكرة أن اقتصاد الغرب متوقف على إمدادات الطاقة الروسية.

ورأى إنغو مان أن بوتين أخطأ في حساباته، والأسوأ من ذلك، هو أن قيادة الكرملين التابعة له لم تدرك حتى الآن أنها بالغت كثيرا في حماستها، وأنها تقود الدفة نحو مواجهة عنيفة مع الغرب، ستخسر روسيا فيها على المدى المتوسط.

وأشار إنغو مان إلى أن الاقتصاد الروسي يمر الآن بمرحلة ركود، إذ أن قيمة الروبل تقلل حاليا من الاستهلاك وبالتالي أيضا من رخاء الروس، وأن الحد من صادرات الطاقة سيكون بالنسبة إلى روسيا انتحار على دفعات.

وذهب تويفل إلى أن العقوبات الاقتصادية الغربية المحددة الأهداف، ستترك آثارا كبيرة في روسيا ويبقى الأمل في ألا يحدث ذلك. لكن الرد على إجراء الاستفتاء بتوقيع عقوبات لن يأتي من قبل الولايات المتحدة فقط، وإنما من قبل الاتحاد الأوروبي أيضا، وقد أعلن عن تجميد أرصدة بنكية ووضع قيود على التأشيرات لشخصيات قيادية تمثل النخبة الروسية.

وأشار تويفل إلى أن تلك العقوبات السياسية ستكون المحاولة الأخيرة من الغرب لدفع روسيا إلى التراجع وإجبار موسكو على الدخول في حوار سياسي ودبلوماسي مع القيادة في كييف.


الحديث عن العزل يثير الضحك


أكد فياتشسلاف ماتوزوف أن حديث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن عزل روسيا “مثير للضحك”. ويبدو أن أوباما حسب ماتوزوف لا يعرف حجم روسيا الحالي على صعيد الاقتصاد الدولي، ولا يعرف من هم حلفاؤها وشركاؤها.

ماتوزوف: الغرب انتهج أساليب غير شرعية للتدخل في أوكرانيا

وأشار الدبلوماسي السابق أن الحديث عن إمكانية تقليص الغرب اعتماده على الغاز الطبيعي الروسي، هو نوع من التهديد ليس بالجديد، فقد حاولوا من قبل ولم يستطيعوا القيام بأية خطوات عملية.

وقدم ماتوزوف المثال الألماني، فألمانيا تستورد 30 بالمئة من احتياجاتها من روسيا، وهذه الكمية يمكن تخفيضها بنسبة 10 أو12 بالمئة في أفضل الحالات، لكنهم لا يستطيعون إلغاء اعتمادهم على الغاز الروسي بالكامل لأنهم بكل بساطة لا يملكون بدائل يمكن أن تغطي احتياجاتهم بالكامل.

وأوضح المحلل السياسي أن من يتحدث على إيقاف التعامل العسكري، لا يعرف الحقيقة والمتمثلة في أنه لم يكن هناك تعاون عسكري حقيقي بين روسيا والغرب في يوم من الأيام، التعاون كان شكليا لأهداف سياسية بحتة، وروسيا لن تخسر شيئا في حال تعليقه.

وذهب ماتوزوف إلى أن موسكو ليست معنية بتسخين الأجواء مع الغرب وتعميم الفوضى، وأن بلاده لا تضع أمامها مهمة إفساد العلاقات، وإنما ستواصل تعاونها في ما يتعلق بإيران وسوريا والشرق الأوسط، لكنها ستواصل الدفاع عن مصالحها في المنطقة.

ورأى فياتشسلاف في ما يخص احتمال أن تكون هناك ردود فعل روسية حادة على الإجراءات الغربية، أن موسكو تنتهج سياسة مسؤولة ومتوازنة، إذ أنها لن تتصرف كما يتصرف “الكاوبوي”، لكن في مرحلة ما إذا بالغ الغرب في عدائه لروسيا، ربما تقرر القيام بخطوات “جوابية رادعة”.

وأشار ماتوزوف إلى أن المعارضة الأوكرانية، اعتمدت على موقف ومساندة المناطق الغربية في البلاد القريبة من حدود أوروبا، والتي يرتبط سكانها بعلاقة خاصة مع سكان بولونيا والمجر، أما سكان المناطق الجنوبية والشرقية من أوكرانيا، فهم تاريخيا موالون لروسيا.

ورأى الدبلوماسي الروسي أن الغرب استغل هذا الانشقاق في المجتمع الأوكراني، وقام بتحريض سكان المناطق الغربية ليرفعوا مطالب تصب في خانة جرّ أوكرانيا إلى المعسكر الغربي.

وذهب المحلل السياسي إلى أن المشكلة هي أن الغرب انتهج أساليب غير شرعية ولا قانونية للتدخل في أوكرانيا، فمشاركة آشتون مثلا خلال تظاهرة للمعارضة وإلقائها لكلمة في التجمع المعارض، أمر غريب جدا وبعيد عن مبادئ وأصول الدبلوماسية العالمية.

وأوضح ماتوزوف أنه إذا كان الغرب ينادي باحترام حقوق الإنسان والديمقراطية، فلماذا لا يحترم الديمقراطية في أوكرانيا، ألم يكن الرئيس يانوكوفيتش منتخبا من قبل الشعب.

وأوضح ماتوزوف أن الأزمة في أوكرانيا ليست جديدة، فهي تعود إلى ما قبل الانتخابات الماضية التي جاءت بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش إلى الحكم، بل إن جذورها تمتد إلى ما قبل ذلك .


الشعب السوري يسدد فاتورة الخلاف الروسي الأميركي


دمشق - نجحت العديد من الخطوات خلال وقت سابق في إحداث نوع من التقارب بين واشنطن وموسكو، ممّا سهل تجنيب نظام بشار الأسد ضربة عسكرية قاصمة.

وكان الدور الإيراني واضحا في تلك الدبلوماسية الناعمة التي تمارسها طهران من أجل الحفاظ على الحليف السوري الذي يمثل لها عمقا استراتيجيا لا يمكنها التنازل عنه.

ورغم الدعاوى الأميركية لتغيير النظام القائم في سوريا، إلا أن روسيا وبفضل وزير خارجيتها سيرغي لافروف، نجحت في التقريب بين وجهات النظر وإبعاد الحل العسكري عن المشهد.

وتأتي الآن التطورات في الساحة الدولية لتضع أزمة القرم في قمة المشاغل السياسية التي تشعل بال الغرب ولكي تساهم من جديد في تعميق الخلاف الروسي الأميركي، ذاك الخلاف الذي سينعكس كليا على العديد من الملفات الأخرى التي تشعل العالم، كالملف النووي الإيراني، والمعضلة السورية التي استعصت على الحل.

ويذهب مراقبون إلى أن الشعب السوري وحده يبقى من يسدّد فاتورة التباين الأميركي الروسي، خاصة في ظل احتماء نظام بشار بدعم روسيا وحلفائها المتعددين.

لكن الخلاف الروسي الأميركي برز هذه المرة بأكثر حدة، خاصة أن ما قام به بوتين لا يمثل اعتداء على دولة ذات سيادة وانتهاكا للقانون الدولي فقط، بل هو يشرّع بمثل هذه الممارسات في عدة مناطق من العالم إلى الانفصال، فاتحا الطريق أمام نظام عالمي يؤسس لتوازنات من نوع آخر.

بوتين كان يعتقد أن الغرب سيتركه يمر بهذه السياسة العدوانية في ظل الفوضى في أوكرانيا ما بعد يانوكوفيتش

وهو ما ينتقده الكثيرون خاصة أنه يعطي النموذج السيئ لعديد من الأقليات التي تطرح منذ وقت بعيد قضية الانفصال عن الدولة المركزية. وقد أشارت مجلة “الإيكونوميست” ضمن عددها الأخير في مقال بعنوان “النظام العالمي الجديد”، إلى أن النظام العالمي الجديد ما بعد الاتحاد السوفيتي، كان بعيدا للغاية عن حد الكمال، لكن فكرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخاصة بتغيير هذا النظام، تعد أكثر سوءا إلى حد كبير.

وقالت المجلة “حقيقة الأمر هي أن بوتين يعد قوة لعدم الاستقرار وإثارة النزاعات. لقد كان أساسُ نظامه الجديد هو إعادة رسم الحدود، استنادا إلى حجج يمكن انتشارها لتأجيج نزاعات تتعلق بأراض في عشرات المناطق من أنحاء العالم. فحتى إذا كان معظم مواطني القرم يريدون الانضمام إلى روسيا، فقد كان الاستفتاء مهزلة. ويجري في الغالب تصوير مسلك روسيا الأخير بالكاد على أنه بداية حرب باردة مع أميركا. ولكنه في حقيقة الأمر يشكل تهديدا أوسع نطاقا للدول في كل مكان لأن بوتين دهس النظام العالمي الراهن بدبابة كان هو قائدها”.

ولكن عددا من المحللين يرى أن الخطوة التي أقدمت عليها روسيا، ستزيد من صعوبات حل العديد من الملفات خاصة العربية التي يراهن فيها البعض على الدور الأميركي، ذاك الدور الذي بدأ يفقد بعضا من أوجه عند الحلفاء في ظل التردد الذي أبدته واشنطن في عديد القضايا الهامة، فهل تعيد جولة أوباما التي بدأت، أمس، ثقة الحلفاء في “شرطي العالم السابق”.

12