ضوء نهار مشرق

الأحد 2016/01/24

عندما أقدمت على ترجمة رواية “ضوء نهار مشرق” للكاتبة الهندية-البريطانية أنيتا ديساي التي صدرت بطبعتين كنت أرى في الرواية وجها قاتما من وجوه مستقبل العراق الراهن : العنف الديني والطائفي والتهجير القسري وتقسيم البلاد وانهيار الثقافة وتشظي المجتمع وانكساره إزاء المتغيرات التي أعقبت فوضى الاحتلال.

تدور أحداث رواية “ضوء نهار مشرق” عام 1947 عندما انفجرت الاضطرابات الأهلية ذات الطابع الديني بين الهنود والمسلمين وتستعاد الأحداث السابقة التي جرت بعد خمسة عشر عاما في استذكارات الأختين اللتين تتابعان مستجدات ما يحدث للعائلة المنقسمة والهند على امتداد هذه السنوات التي تبعت تقسيم شبه القارة الهندية، وتقدم لنا الرواية رؤية ثقافية لهند ما بعد الكولونيالية في امتزاج الثقافات وتصارعها وسعي الجيل الجديد للتنصل من الثقافة الأم لشعورهم بعقم التقاليد المحلية والتشبه بثقافة الغرب من جانب وبالثقافة الأوردية الإسلامية وشعرائها ونمط عيشها من جانب آخر.

ورغم تحقق الاستقلال السياسي فإن المعضلة الثقافية تعقدت واضطرب المشهد وتفاقمت التطلعات الصاخبة لدى الشباب لاعتناق الثقافات الأخرى في صورة رفض عارمة للتراث والتقاليد المحلية ولم يكن استقلال البلاد عن الاستعمار البريطاني كافيا لإعادة الاعتبار للتقاليد والثقافات المحلية، إلا بعد عقود طويلة من الاضطرابات والصراعات العرقية والثقافية وحروب الانفصال الدامية بين مكونات الهند ، شأنها شأن معظم دول العالم التي استقلت بعد قرون من الهيمنة الاستعمارية.

يعد بعض النقاد هذه الرواية من روايات دراسة الشخصية الإنسانية بينما اعتبرها آخرون من الروايات التي تتقصى تاريخ المؤسسة العائلية ضمن ظروف المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية ما بعد الكولونيالية. وتدور ثيمات “ضوء نهار مشرق” الأساسية حول الطفولة وحياة العائلة واكتشاف الذات وهيمنة الذاكرة وأحداث سنوات الأربعينات بموسيقاها وثقافتها المختلطة وهيمنة الثقافة الغربية على الهند من جانب والثقافة الإسلامية الأوردية من جانب آخر مع إهمال واضح للثقافة الهندوسية.

وتتقصى الرواية ذلك الشعور بالذنب الذي يميز الأخت الكبرى “بيم” إزاء عائلتها التي تمثل انهيار الطبقة المتوسطة الهندية بعد التقسيم، مثلما تكشف تفاصيل حياة الناس في شرق الهند وهم يواجهون التحديات النفسية والاجتماعية الجسيمة، وتقدم الكاتبة على امتداد الرواية عرضا ساحرا للتقاليد العائلية والطقوس الدينية في الزفاف والموت، وتلقي الضوء على الأخ “راجا” الموزع بين ولعه بالشعراء الإنكليز والثقافة الأوردية الإسلامية.

ترك تقسيم شبه القارة الهندية إلى بلدين وشعبين تأثيرا كبيرا في التخييل الهندي على امتداد اكثر من ثلاثة عقود، وبخاصة في الرواية الهندية والأفلام السينمائية وشكل الحدث نقطة تحول في حياة الشخصيات وكان له تأثيره الواضح على مواطني الهند عموما بما تبعه من اضطرابات عنيفة أفضت إلى اغتيال المهاتما غاندي الذي يشكل مقتله منعطفا مهما في الرواية..

وألقت عملية التقسيم بظلالها الثقيلة على مصائر الشخصيات ومسارات حياتها في رواية الحكاءة البارعة أنيتا ديساي التي عمدت إلى سرد حكاية ساحرة أخاذة عن عائلة بورجوازية تناضل ضد قوى التجزئة والتشظي التي طالت عائلة ديساي شخصيا. وبدل انتهاجها لأسلوب الواقعية الاشتراكية ورومانسية كبلنغ -اللذين يروقان للأمزجة الهندية- فإنها كتبتها برؤية ما بعد كولونيالية.

أفضى لقاء الشقيقتين اللتين حدث بينهما انفصال مكاني واختلاف في طراز حياة كل منهما إلى نوع من إعادة نظر في الخلافات المتراكمة ضمن إطار العائلة وعلاقة أفرادها بالمتغيرات الثقافية وتشظي المصائر وانصراف شقيقهما راجا المولع بالثقافة الأوردية إلى بناء حياته على أساس نفعي فيتزوج ابنة ثري مثقف مسلم وينتقل إلى مدينة حيدر آباد للعيش معهم متخليا عن ثقافته الهندوسية.

كاتبة من العراق تقيم في عمان

11