ضوابط الفضائيات المصرية غير قابلة للتطبيق

ضوابط مثالية جدا لدرجة استحالة تنفيذ أكثر بنودها، باعتبار أن آلية العمل داخل غالبية القنوات الفضائية تحددها جهات ودوائر من خارجها، بحكم ملكيتها للحكومة بطريقة غير مباشرة.
الجمعة 2019/06/14
ظهور الشخصيات على التلفزيون محدد بمعايير

القاهرة - أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، عن ضوابط جديدة لضبط المشهد الإعلامي وتنظيم عمل البرامج التلفزيونية، بدت مستهجنة للكثيرين في الوسط الإعلامي وتوحي بأن مجالس الهيئات الإعلامية بمختلف تخصصاتها تعمل في اتجاه والصحف والقنوات والمواقع الإلكترونية والإذاعات تسير في اتجاه معاكس تماما.

واعتبر متخصصون في الإعلام أن الضوابط التي أقرها مجلس الإعلام، وهو جهة حكومية، مثالية جدا لدرجة استحالة تنفيذ أكثر بنودها، لاعتبارات عديدة أهمها أن آلية العمل داخل غالبية القنوات الفضائية تحددها جهات ودوائر من خارجها، بحكم ملكيتها للحكومة بطريقة غير مباشرة.

وتهدف الضوابط الجديدة إلى تنظيم عمل البرامج الدينية والطبية والرياضية والبرامج الليلية المعروفة بالـ”توك شو”، وإرساء المسؤولية الإعلامية والقيم الأخلاقية أثناء ممارسة الإعلامي لعمله، وإنتاج خطاب إعلامي تنموي لا يحرض على التمييز والعنف والكراهية.

ووضعت الضوابط بواسطة لجان المجلس المختصة التي تضم مجموعة من المتخصصين والخبراء في مجال الإعلام، وجاءت متوافقة مع نصوص الدستور والقانون ومواثيق العمل الإعلامي ومواثيق الأمم المتحدة وهيئاتها.

وحددت معايير البرامج الدينية، أن يكون المذيع ملما بالقضايا التي يتحدث عنها ويحفظ آيات من القرآن الكريم، ويلم بالسيرة النبوية، فيما يكون الضيوف من علماء الدين وأساتذة الجامعات المعروفين، وفى حالة التعرض للفتوى يكون الضيوف من القائمة المعتمدة للظهور الإعلامي من الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف.

البرامج الحوارية والدينية والرياضية، موجهة في الأصل من دوائر قريبة من الحكومة ويتم اختيار مذيعيها بعناية

وتضمنت ضوابط البرامج الرياضية، مراعاة عدم التحيز والالتزام بثوابت وأخلاقيات المجتمع المصري، وعدم تسييس المحتوى وربطه تلميحا أو تصريحا بأوضاع الشارع، واحترام الرموز الرياضية، وعدم التدخل في أعمال التحكيم والتدريب، وعدم إثارة الرأي العام، والحيادية.

وحظيت ضوابط برامج الـ”توك شو” بالنصيب الأكبر من حيث المعايير المطلوب تنفيذها، وشملت أن يكون مقدم البرنامج ورئيس تحريره من ضمن أعضاء النقابة، ويتحمل رئيس التحرير مسؤولية ما يُذاع وعليه مراجعته، ولكل ملف داخل البرنامج معد له خبرة ومعلوم، ويدعم الخبر بتقرير مصور.

وقال محمد المرسي أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة لـ”العرب”، إن وضع ضوابط للعمل البرامجي كبداية لوقف الفوضى الإعلامية، شيء جيد ومطلوب، لكن المشكلة ليست في إصدار العشرات من الضوابط، بل في أن يكون للجهات المسؤولة قدرة على ضبط أداء الإعلام بشجاعة التنفيذ وسلطة اتخاذ القرار.

وبالنظر إلى واقع الإعلام في مصر، والطريقة التي يُدار بها، فإن غالبية الضوابط يصعب تنفيذها، ولن يلتزم بها كثيرون، لأن المعروف عن البرامج الحوارية والرياضية وحتى الدينية، أنها موجهة من دوائر قريبة من الحكومة ويتم اختيار مذيعيها بعناية، وتحديد نقاط الحديث فيها قبل العرض.

وألزم المجلس برامج الـ”توك شوك” باستضافة المسؤولين مع الخبراء، في حين أن هناك قرارا شفهيا لكل القنوات بعدم ظهور الوزراء ونوابهم ومساعديهم، أي أن هذا البند غير قابل للتنفيذ لأنه يتنافى مع سياسة التوجيه التي تطبقها بعض الفضائيات.

ويمكن تفسير توقيت الخطوة التي اتخذها مجلس تنظيم الإعلام بوضع ضوابط حاكمة للبرامج، بأنها مرتبطة بالتغييرات المرتقبة في تشكيل الهيئات المسؤولة عن المشهد الإعلامي عموما، ويريد الأعضاء الحاليون أن يظهروا بصماتهم وقدرتهم على إدارة المشهد مثلما تأمل الحكومة.

ويرى خبراء في الإعلام بأن مجلس تنظيم الإعلام سبق ووضع العديد من الضوابط الحاكمة للبرامج وصفات وخبرات المذيعين والضيوف، ولم تنفذ، ثم وضع ميثاق شرف إعلامي وأرسله لكل القنوات والصحف، ولم ينفذ، وبعدها وضع محاذير على البرامج ومحتواها وتخاذل الكل في تطبيقها.

مختلف مقدمي البرامج الحوارية، سواء كانت دينية أو رياضية أو توك شو، لهم نفوذ وقاعدة علاقات قوية، ويصعب أن تطبق عليهم القواعد

ووضعت نقابة الإعلاميين أيضا ضوابط ومواثيق وتعليمات ومحاذير، وكان مصيرها التجاهل، بالتالي فإن الفوضى الإعلامية ليست في ضعف الضوابط الحاكمة إنما في غياب المساءلة وتطبيق المعايير المهنية بصرامة وحزم دون استثناءات.

وقال محمد المرسي أن أزمة الضوابط والمعايير المتعلقة بمواثيق الشرف، تكمن في أن تنفيذ بنودها متروك للقنوات، ولا توجد جدية في التطبيق، حتى أن آلية التفعيل غير واضحة، فضلا عن العبارات المطاطة التي تحمل أكثر من معنى وتفسير، فماذا يعني أن يكون بين ضوابط البرامج الدينية حفظ المذيع لآيات قرآنية ولديه ثقافة دينية؟ ومن يحدد طبيعة الثقافة وحدودها؟

وقال لـ”العرب”، إن الحديث عن نجاح الضوابط الجديدة في وقف الفوضى الإعلامية بشكل كامل أمر مستحيل، بدليل أن نقابة الصحافيين لديها ميثاق شرف ولم تنجح في ضبط الأداء المهني في المجال الصحافي.

وثمة إشكالية أكثر تعقيدا ترتبط بتشتت الرقابة على المجال الإعلامي بين المجلس الأعلى، وهو جهة حكومية، ونقابة الإعلاميين، واستمرار الصراع بين الطرفين حول أحقية كل منهما في وضع المعايير ومراقبة الأداء وفرض العقوبات على المخالفين، ما يضعف تفعيل الضوابط أمام تخبط الجهات المسؤولة عن التطبيق الفعلي.

وهناك معضلة أكبر، تكمن في أن مختلف مقدمي البرامج الحوارية، سواء كانت دينية أو رياضية أو توك شو، لهم نفوذ وقاعدة علاقات قوية، ويصعب أن تطبق عليهم القواعد.

لكن جمال شوقي مقرر لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أكد في تصريح لـ”العرب”، عدم التهاون في تطبيق الضوابط الجديدة، للقضاء على الفوضى الحاصلة، والحفاظ على حقوق المشاهد في متابعة برامج مهنية لا تثير الأزمات. وأوضح أنه سوف تتم محاسبة كل مخطئ، لأن التهاون جلب المزيد من المشاكل، وعندما نتحدث عن عقاب فإن ذلك لا يمس حرية الرأي في شيء، لأن معايير مجلس الإعلام معترف بها دوليا.

18