ضوابط المصالحة بين فتح وحماس

الاثنين 2016/02/08

عندما أعلن عن قيام قطر وتركيا برعاية مصالحة بين حركتيْ فتح وحماس، وأن اجتماعات مهمة ستعقد في كل من الدوحة وأنقرة، حسبت بعض الدوائر السياسية أن الوقت قد حان لإنهاء الخصام بين الحركتين، وأن صفحة قديمة سوف تطوى، ومرحلة جديدة على وشك أن تبدأ، تتغير فيها قواعد اللعبة التقليدية، والتي كانت فيها سوريا ومصر من الأعمدة الرئيسية فيها.

إذا كانت دمشق خرجت مجبرة من الساحة الفلسطينية، بكل جوانبها السياسية والعسكرية، منذ اندلاع الثورة ضد النظام الحاكم، فإن مصر لا تزال لاعبا محوريا، وحتى لو خفت صوتها، فإنها تملك من الأوراق ما يمكنها أن تكون عنصرا مركزيا على المستوى الفلسطيني، الذي تؤثر تطوراته على صميم الأمن القومي المصري منذ عقود طويلة.

الحديث عن المناكفات بين كل من قطر وتركيا من ناحية، ومصر من ناحية أخرى، مكرر وظهرت ملامحه في محطات سياسية مختلفة، وطبعا الكلام عن هذه المصالحة جزء أصيل منه، لكن المشكلة التي قد يجهلها البعض أن هناك ثوابت كثيرة تتحكم في القدرة على التأثير في هذا الملف، أهمها الخبرة والميراث والتوازنات وطبيعة المعادلات التي تضبط مفاتيح الحل والعقد.

دعك من العلاقة التاريخية بين مصر والقضية الفلسطينية والدور الذي لعبته الأولى في مسألة المصالحة على مدار السنوات الماضية، ودعك من أهمية فلسطين الإستراتيجية بالنسبة إلى القاهرة، ودعك أيضا من الرغبة القطرية والتركية في التحكم في هذه القضية، ونتوقف فقط عند العلاقة بين فتح وحماس، والضوابط التي تقبض على زمام التوجهات عند كل طرف.

الحاصل أن لدى قيادة الحركتين دوافع منطقية نحو القبول بفكرة المصالحة في هذا التوقيت، التي تبدو مريرة على كليهما، لكن لديهما استعدادا لعدم رفض الدعوة إليها، من قبل الدوحة وأنقرة، في هذه المرحلة الدقيقة، يحاول كل طرف، لأسباب تكتيكية، الانخراط في المصالحة التي تظهر وتختفي من حين إلى آخر، وغالبيتها ترتبط بحجم وعمق المأزق السياسي الذي يمر به الطرفان.

في جميع اللقاءات التي عقدت بإشراف القاهرة، منذ أن تمكنت حركة حماس من وضع يدها على قطاع غزة عام 2007، وحتى لقاء جدة عام 2009، وما بعده، كان قبول فكرة التفاوض بشأن المصالحة وشروطها وآلياتها مرهونا بالأزمات التي تحيط بكل حركة، وكانت عملية المصالحة لأسباب خاصة بمصير القضية الفلسطينية غائبة تماما، وحتى عندما تمخضت الاجتماعات عن نتائج إيجابية في شكل اتفاقيات ووثائق لم يلتزم كل طرف بما عليه، وكانت حماس أكثر مراوغة في هذه المسألة.

النتيجة السلبية السابقة، تفرض السؤال عما إذا كانت قد ظهرت عوامل جديدة تدعو إلى توقع عكسها، وهل أزالت قطر وتركيا العقبات المنتشرة على جانبي الطريق الواصل بين رام الله وغزة؟ وهل تخلصت حماس من مناوراتها بصورة تزيد الثقة في قياداتها؟ وهل تمكنت فتح من وقف حدة الخلافات داخل جسدها؟

هناك حزمة كبيرة من الأسئلة تدور في هذا الفلك وتحتاج إلى إجابة عليها، للتعرف على مستقبل مفاوضات الدوحة أو أنقرة، بين حركتيْ فتح وحماس.

المتابع لما يدور في العلن وخلف الكواليس، لديه يقين بأن الأوضاع لم تنضج بعد للحصول على نتيجة إيجابية من وراء اللقاءات التي أجريت أو متوقع أن تجري في أي من العاصمتين، فلا تزال العقد الأساسية كما هي، ولم تستطع الوساطة القطرية والتركية أن تفك ألغاز معظمها، بدليل أنه في التوقيت الذي كان يستعد الوفدان فيه للذهاب إلى الدوحة، أطلقت صواريخ إعلامية من كل جانب على الآخر، بما يعزز فقدان الثقة التي حالت في أوقات سابقة دون صمود الاتفاقيات التي عقدت، سواء على صعيد المصالحة أو حكومة الوحدة الوطنية.

الأزمة المحورية تكمن في صعوبة التعايش بين منهجي فتح وحماس، ومنذ بروز نجم الأخيرة عام 1987، وهي تعلن مواقف وتخفي أخرى، كما أنها تضمر العداء لفتح على الدوام على أسس دينية، باعتبار أن حماس حركة إسلامية والثانية علمانية، كما أن فكرة إدارة الصراع مع إسرائيل متباعدة، وعندما أقدمت حماس على إدخال تعديلات في مواقفها بخصوص الاحتلال، ظلت تديرها بطريقة مستترة، لذلك كان الصدام حتميا بين الطرفين.

في جميع حركات التحرر الوطني، كانت هناك قوى وقيادات وزعامات متنوعة، ولم ينجح توحيد الموزاييك إلا إذا جرى التوافق حول زعامة محددة، وأمسكت إحدى الحركات القوية بزمام الأمور، وانضوى تحتها الآخرون، من هنا نجحت حركات التحرر في تحقيق أهدافها، والتخلص من الاحتلال.

ربما تكون القضية الفلسطينية الوحيدة التي فشلت معها هذه الطريقة، لأن الصراع مستمر على الدوام بين قواها الحية، وازداد المأزق عقب ظهور حماس، وهي على نقيض فتح، لذلك من الصعوبة أن تتم مصالحة وكل حركة تتربص بالأخرى، والوصول إليها لا يستلزم لقاءات في عواصم مختلفة وضحكات أمام الشاشات وقوى تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة، لكنه يتطلب الالتفاف حول أجندة وطنية تأخذ في اعتبارها ثلاثة محددات رئيسية.

الأول، تقديم تنازلات جوهرية والإيمان بأن المصالحة خطوة أولى لتصحيح الأخطاء التاريخية الكارثية، والتي أدت إلى شرذمة القضية الفلسطينية، وتدني الطموحات، فبعد أن كان العالم يتحدث عن دولة وفقا لحدود 1947، ثم 1967، وعودة اللاجئين وعروبة القدس، تضاءلت الأمنيات، حتى اختزلت في فك حصار غزة وفتح المعابر وإدخال المساعدات.

الثاني، لم تعد القضية الفلسطينية هي الأم ومحركة الأزمات في المنطقة، فقد تجاوزها العالم، وتراجعت أولوياتها، إقليميا ودوليا، وما لم تنتبه كل من فتح وحماس، قد لا تجدان خلال السنوات المقبلة ما تتصارعان عليه، اللهم إلا أراضي مهلهلة، وسط التزاحم الشديد للمستوطنات.

الثالث، وقف عملية المتاجرة بالقضية الفلسطينية، والتي أوصلت الكثير من القوى إلى التحالف مع الدولة (أي دولة) ونقيضها، خاصة أن هذه اللعبة كانت أحد أسباب تعميق الخلافات التي وصلت إليها غالبية الأطراف الفلسطينية.

كاتب مصري

8