ضياء العزاوي: أنا الصرخة أي حنجرة ستعرفني

الأحد 2016/09/18
خمسون عاما من البحث عن الجمال

“أنا الصرخة، أيّ حنجرة ستعرفني؟” هو عنوان قصيدة للشاعر العراقي فاضل العزاوي، أصبح عنوانا للمعرض الاستعادي الكبير للفنان التشكيلي العراقي ضياء العزاوي، الذي ستستضيفه، العاصمة القطرية، الدوحة في متحف الفن العربي الحديث من 16 أكتوبر القادم حتى 16 أبريل 2017. معرض هو الأول من نوعه في المنطقة، والذي سيتم تخصيصه للفنان العزاوي (1939) بصفته أحد رموز الحداثة الفنية العربية. يضم المعرض 546 عملًا فنيًا تشتمل على لوحات ومنحوتات وأعمال طباعية ودفاتر رسم أنجزت عبر نصف قرن من تجربة الفنان بدءا من عام 1965. نلقي هنا نظرة على أهم المراحل الأسلوبية التي مرّ بها العزاوي والتي نجح القيمون على المعرض في استعراضها من خلال نماذج من الأعمال التي تمثلها.

التأسيس

فُصل من الثانوية المركزية في بغداد لمشاركته في تظاهرات التأييد لعبدالناصر، عقب تأميمه قناة السويس في العام 1956. لكنه تخرج فيها في العام 1958. التحق العزاوي بكلية الآداب قسم علم الآثار، وتخرج فيها عام 1962. خلال سنوات دراسته في الكلية انظم إلى المرسم الحر الذي كان يديره الفنان الراحل حافظ الدروبي. في تلك السنوات كان طالبا مسائيا في معهد الفنون الجميلة، والذي تخرج فيه عام 1964، وهو العام الذي شارك فيه لأول مرة في المعرض السنوي السابع لجمعية التشكيليين العراقيين في قاعة كولبنكيان سابقا. انظم إلى جماعة الانطباعيين التي أسسها أستاذه حافظ الدروبي في العام 1953 رغم أنه كان أكثر ميلا لتوجهات جماعة بغداد للفن الحديث التي أسسها الفنان جواد سليم في العام 1951.

عمل العزاوي في مديرية الآثار العراقية في بغداد حتى العام 1976 سنة مغادرته بغداد للعيش في لندن، وشغل منصب مدير فني للمركز الثقافي العراقي هناك، حيث نظم العديد من المعارض، بما فيها معرض “فن الجرافيك العربي المعاصر”، و”معرض بغداد العالمي للملصقات”، و”بينالي جرافيك العالم الثالث”، و”تأثير الخط على الفن العربي المعاصر”، بالإضافة إلى المعرض الذي أقيم على ثلاثة أجزاء “الفنانون العرب المعاصرون”. عمل كذلك كمشرف على مجلة “أور” ومجلة “فنون عربية”. وكان عضواً في هيئة تحرير مجلة “مواقف”.

ألف ليلة وليلة

كانت ثمة تأثيرات أولى نسجت طبيعة الخبرة الذاتية للعزاوي، تمثلت في البدء بتأثير أستاذه فائق حسن الذي دعاه للاهتمام باللون، والتأكيد على رصانة الحس الإنشائي في اللوحة، كما كان انتماؤه إلى “جماعة الانطباعيين” قد كرّس لديه حرية البحث عن الأسلوب والرؤية والفنية على نحو مستقل، والتي وجدها عبر التعاطي مع الأثر الفني الحضاري والمحلي، وفق رؤية تجريبية تفترض مقاربتها الأسلوبية مع الاتجاهات الحديثة في الفن. هذا المنهج الذي توصل إليه جراء دراسته الأكاديمية لعلم الآثار، ومن هنا جاء اهتمامه بأطروحات وتجارب جماعة بغداد للفن الحديث، خاصة، المنجز الذي قدمه الفنان الراحل جواد سليم.

مؤثرات تجلت في لوحات كانت تستعير إنشائيتها وموضوعاتها من مصادر مباشرة، تمثلت بالموروث المحلي والحضاري، والتي ستشكل رموزه وأشكاله وتعددية موضوعاته الفنية المنتخبة صلب اهتمام الفنان خلال هذه المرحلة الزمنية، والتي تمت بأسلوب طغى فيه الحس الزخرفي وتفضيل التراكم التراثي، وعبر معالجة إنشائية اعتمدت عنصر تحوير الأشكال والمفردات الفنية، على نحو تجريبي، قائم على تبيان هوية هذا الأثر ورمزيته، والتي يبدو أنها أخضعت إلى صياغات متعددة، فهي أحيانا ذات صفة تشخيصية لا تخلو من التحوير أو ذات بعد تجريدي، وأحياناً أخرى تصار إلى تكوينات مركبة.

تأثيرات أولى نسجت طبيعة الخبرة الذاتية للعزاوي

كما نجد في هذه التجربة استعادته لإرث الفنان جواد سليم، خاصة، في سلسلة لوحاته المسماة “البغداديات”، وبطبيعة تناول قائم على الاستعارة لثيمات أساسية منها، متمثلة، بدءا بموضوعة المدينة وصورة هويتها التاريخية، خاصة. كما اتضح، كذلك، من خلال البعد المتخيل في الليالي البغدادية، وفي حكايات ألف ليلة وليلة، وفي الاستفادة، أيضاً، من الرؤية الميثولوجية، وتمثيلاتها الاجتماعية، المتخيلة غالباً، من خلال موضوعات الشهادة، والطقوس النذرية المحلية، التي هي بمثابة استدعاء من قبل المخيال الجمعي للأسطورة ولإرثها التاريخي، وقد أنجز خلالها لوحات مثل “ألف ليلة وليلة”، “ليلة عربية”، “الشهيد”،”شموع النذر”، وغيرها.

كما شهدت هذه التجربة تأسيس جماعة “الرؤية الجديدة- 1969”، والتي أعلنت في بيانها الذي كتبه الفنان نفسه،حيث قال “أقترح أدواراً ومهمات متعددة للفنان، واتخاذ موقف أكثر حرية إزاء التراث وإعادة بعثه وتحديه. والنظر إلى العملية الفنية في كونها ممارسة ابتكارية تشهد بعدها الإنساني والحضاري. شكّل ذلك دافعا مؤثرا في استحداث رؤية جديدة في أعمال العزاوي، حيث أصبح المضمون السياسي والاجتماعي بالنسبة إليه أحد تجليات هذا الاهتمام، وعبر دلالات الشكل الإنساني خاصة، والتي أظهرتها عديد اللوحات الفنية التي باتت سمة لافته لتجربته منذ بدايات العقد السبعيني من القرن العشرين.

مثل هذا الانشغال سيدفع العزاوي إلى جهة خبرة فنية وإلى قدر لافت من التحول في البنية التأليفية في العمل الفني، ومحاولة تكريس شكل يتمتع بخصوصية تؤثر إبراز قيمته الحسية والتعبيرية. حيث بات الشكل حاملا لفكرة الفنان، خاصة بعد تحرره من طبيعة تمثيله للمرجع الجمالي على نحو استعاري ومباشر.

الرسم والقصيدة

شكّل الانفتاح على أشكال فنية مضافة مضامين جديدة للفنان العزاوي، خاصة لما بعد منتصف سبعينات القرن الماضي، وذلك بجعل تجربته تتمثل تعددية خيارات تقنية وأسلوبية متنوعة، وتمثلت طبيعة هذه التعددية باستفادته من الاستعارات الأدبية خلافا للاستعارات التاريخية السابقة، وخلق مقاربات لطبيعة النصوص التي سيتمثلها بمثابة مرجع لتجربته هذه والتي أخرجها على شكل أعمال طباعية مستقلة أو كتب مطبوعة.

قدر لافت من التحول في البنية التأليفية في العمل الفني

كان الاهتمام بالشعر والتوصل إلى مقاربة تصويرية يكون فيها النص الشعري متواشجا مع الإشكال التعبيرية، أحد أكثر تجاربه تميزاً، وتجلى ذلك في مجموعته “المعلقات السبع”، “النشيد الجسدي”، “نحن لا نرى إلا جثثاً”. وهي أعمال طباعية تمثلت باختياره لنصوص شعرية قديمة، أو شعراء عرب وعراقيين محدثين. في هذه التجارب يتجاوز إلحاق الرسم كجانب هامشي أو تزييني واصف بل يرادف متن النص الشعري في معالجات خطية وتمثيلات تعبيرية وأسلوبية تعزز من بحثه الخاص عن علاقة تشكيلية تتضمن تواشجا جماليا بين نص القصيدة وتداعياتها المتخيلة تصويرياً.

كما كان هناك تعاط مع توليفات الحرف العربي الذي بات شكلا تجريديا، يؤازر أثر التأليف التصويري في لوحاته، أو حتى الخروج عن إطار الفضاء المنتظم والتقليدي لشكل اللوحة، والذي جاء على شكل محاولة كسر الإطار والحيز المنتظم فيها، والخروج بالأشكال من هيأتها المحددة، كما في لوحته ” قناع جلجامش”.

لقد عزز الانفتاح على ممارسة تشكيلية متعددة مسيرة الفنان العزاوي، وذلك من خلال الاهتمام بتقنيات مختلفة، مثل الأعمال الطباعية أو الانشغال بنوع إبداعي آخر مثل دفاتر الرسم، ومبدأ التراكم التجريبي في الممارسة التشكيلية للفنان العزاوي، الذي أدى بدوره إلى تحقيق إضافات نوعية في تجربته الفنية.

وهو الأمر الذي تحقق مع أعمال طباعية مستقلة، صيغة “البورتفوليو”، بتقنية طباعية متعددة، والتي اختصت موضوعاتها بنتاج أحد الشعراء أو الأدباء العرب المحدثين، واختيار منتخبات من قصائدهم أو نصوصهم النثرية، حيث خضعت المرجعية الجمالية في هذه التجارب لإجراء تحويلي يتخذ النص الشعري أو النثري كحافز إبداعي في تمثل معنى وموضوعة العمل الفني. في هذه التجربة سيخصص العزاوي كتبا لنصوص سعدي يوسف وأدونيس وحليم بركات ومحمد بنيس وخاصة في مؤلفه “كتاب الحب” الذي هو تناص مع كتاب “طوق الحمامة” لابن حزم الأندلسي، إضافة إلى العديد من الشعراء العرب الآخرين.

كما تحولت موضوعة المدينة وصورتها في لوحات الفنان ضياء العزاوي من كونها حاملة لقيم جمالية وتاريخية عكست شخصية المكان إلى اعتبارها رمزاً إنسانيا ينطوي على تداعيات وجودية وذاتية تتعلق بتجربة الفنان الحياتية متجذرة في الإشارة إلى موضوعات المهجر أو المنفى. لذا سيفترض الفنان رمزية الرحيل والارتحال وسيظهر الطائر كرمز مهيمن في أعماله هذه.

العمل الفني أثر جمالي لذاته

بعد تسعينات القرن الماضي باتت تجربة العزاوي تنحو إلى جمالية تنتمي لذاتها، وتؤثر عناصر وقيما ذوقية وإظهارها بصياغات وتأليف يكاد يكون مستقلا وحراً، لجهة تمثيله التصويري، والذي استدعى موضوعات تعاين مغزى وجوديا يتعلق بجدلية العلاقة ما بين الفنان والعالم، كما في موضوعة المكان، مثلاً، والذي لم يعد صورة حاملة لتوصيفات ثقافية أو تراثية كدلالة تعرّف به، أو بديل عن منفى، بل البحث عن وجود متخيّل يسعى للعثور على سبيل يقود إليه.

الاهتمام بتقنيات مختلفة

حرية التعاطي التصويري هذا مكّنه من تفضيل رؤية قائمة على اختيارات حرة للموضوعات. فعمله الفني أصبح وكأنه مرجع جمالي لذاته، حيث يتمّ تصوّره عبر التماثل الممكن بين دلالة العمل الفني والعلاقات التصويرية المكونة له، محققاً صفة التشكل القائمة على مقاربة لموضوعات فنية تنطوي على سمات دلالية متشابهة بأثر تراكم أسلوبي ومضموني للفنان، لكنّها تفترض في الوقت ذاته تنوعا تعبيريا وجماليا للتجربة.

يوازي هذا الخيار تنوعاً في الممارسة، كما الأمر في إنجاز أعمال نحتية، وتنفيذ الـمجسمات، أو السعي لجهة رؤية معاصرة استفادت من وسائط تكنولوجية، والتي دعته إلى الاستعانة بالصورة الافتراضية ومحاولة إخضاعها لتدخلاته الفنية أو الاستعانة بإجراءات تقنية تنعكس على طبيعة إخراجها الشكلي والبصري، ذلك ما شكّل إضافة في الممارسة التشكيلية للفنان.

لقد جاءت تلك الموضوعات غالباً بأثر الإجراء الوظائفي التي تقدمه الصورة، من كونها ذات صلة دائمة مع الرؤية المشهدية والحس الوثائقي الذي تقدمه. بعض تلك الموضوعات التي تطرق إليها العزاوي، كانت مشاهد لآثار، أو أماكن لمدن، أو مشاهد منتخبة من الطبيعة والعالم الخارجي، أو توثيقا لحدث سياسي وإنساني. والتواصل جعل عمله الفني ينطوي على تجريبية ذات بعد معاصر ومغايرة في الطرح الصوري، وليس الاقتصاد على الوسائطية بكونها هدفاً شكلياً وتقنياً بذاتها.

وفي لوحاته خلال هذه المرحلة بات ثمة منحى تصويري يفترض الانتماء لبنية اللوحة ذاتها وخصوصية تحققها الفني، ولجهة التكوين الشكلي الذي أصبح دالاً على موضوعة هذه اللوحات. وهي ذات طبيعة مستقلة، بأثر وجودها الذي اتخذ طابعاً شديد المقاربة للعملية التصميمية.

كاتب من العراق

15