ضياء نجمة في غابة

دفتر يوميات وقصائد بعيداً عن البيت.
الأحد 2019/10/06
لوحة حسين طربيه

“مَن أخطأته المنايا قيّدته الليالي والسنون”

(الخليل بن أحمد)

في الركن القصيّ من مقهى كوستا

المُضاءَ الجوانب والحوّاف، نرى النُدُل

جيئةً وذهاباً، وسط غيمةٍ خفيفةٍ

وكأنما في كهف، أشباحه ورسومه

تتموّج بفيض غموضها السحيق.

من طاولتك تنظرين إلى ركني القصي

نظرةَ عاشقة أضناها غرامُ

البحث عن ضالة جوهرها الشريد.

سرحتُ في رحاب النشوة طويلاً

تخيلتُ دموعاً وأشجاراً بريّة، عصافيرَ

وغنماً يسرح بها عذارى وعُشّاق..

لكن الاكتشاف لم يكن أليماً، حين

عرفتُ أنكِ لا تنظرين الى أحد.

***

كان هولاكو يزهو بكبريائهِ

فوق الجبال والهامات

دانت له الأممُ والممالك

أحصنتهُ تخطفُ البَرق والطيرَ

من وكناتِه

قبل انبلاج ضوءِ الصباح.

وحين حانت ساعة احتضارهِ

لم يتذكّر إلا مؤخّرة امرأة قوقازيّةٍ

تهتز بمشربٍ في الساحة العامّة

بينما الجثث تتوزّع في الجنَباتِ

والآفاق.

***

لست من العابرين ولا من المقيمين.

لستُ إلا ذلك الشبح اللامرئي

وهو يحوم فوق جثة تاريخٍ

أحالتْه الأعاصيرُ الهُوجُ

إلى أشلاءٍ وركام.

***

الراحلون في بهو الفندق، بالمناكب والأكتاف يتدافعون تدافع الموتى في قبورهم التي تبعثرت من غير شواهد ولا أشجار.

موظفة الفندق في حركةٍ عاصفة لا تفكر إلا في آخر الأسبوع وعطلةٍ هانئة.

***

من أين يأتي كل هؤلاء التائهين الحيارى والثقيلي الأحمال؟

من كل الجهات يتدفقون كهدير مياهٍ أسطوريّة.

لم يعدْ هناك مسيحٌ يُسند أرواحهم التي توشك على الاضمحلال.

***

الحقائبُ مُتخمةٌ

والقلوبُ جريحةٌ..

يا حادي العيس

ما في الهوادج من أحدٍ

والمسافات مصبوغةٌ بدماء الأحبة

والذين عادوا لم يشهدوا أثراً

لمنازلَ كانت

ظلّ مغيبٍ، رمادُ غضَى

حيث كانت الريح تهفو

والسماء تحن الى ساكنيها

حين لا فرقَ بين سماءٍ

وأرض.

ولائم آلهةٍ وبشر

في شغاف القلوب.

***

Thumbnail

في أي بقعةٍ أو صقْعٍ وطأتْ لأول مرةٍ قدمُ الجّدِ الأول، بعد مغادرته الفردوس ونفيه بسبب الخطيئة الساذجة التي أسّست لمجمل الخطايا والجرائم اللاحقة على مر الأزمان وتصرّمها؟

في أي بقعة من كوكبه المنكود كأرضٍ للعقاب والنأي عن السعادة، حين قال:

(…) "تغيّرت البلادُ ومن عليها

  ووجه الأرض معْبر قبيحُ"

كأنما كان ذلك الجدُ يعرف قبلاً تلك البلاد، أرض المنفى الأخير. حسب ما توحي العبارة المنسوبة إليه، وما حاق بها من انقلابات وصدوع، أفضت إلى هذا القبح شبه المطلق، أرض غبراء كابية لا تنزل النعمة ساحتَها ولا تنزل الرأفة والحنان.

***

لو كنتُ ملكاً على مملكة شاسعة الأرجاء والنعيم والمساحات، لارتكبت في ظرف ساعات ما لا يخطر على بال طاغية من سلالة طغاةٍ عريقة القتل والمحتد… ما لا يستطيع أن يرتكبه في كامل حياته وحياة سُلالته المديدة في الزمن والبشاعة والاستباحة..

يحلم السجين بين الجلدات التي تهوي على جسمه المتداعي من سياط الجلّادين… (بعض توصيف لإنسان السلالة الآدمية).

***

لست شاعراً ولا حالماً بمجدٍ أدبي تليد.

لكن الغيومَ حين لامستْ جسدي

وأرى الأبقارَ ناعسةً

في الحقول

أتحوّل بنشوة الحلم إلى قوس قزحٍ، سماؤهُ تمطر شآبيبَ الرحمة والأخوّة والحنان.

***

مثل نجمةِ الهاوية

تلمعين في ظلام الصحراء

أو في ترّهات الغابة

غضبكِ الوحشي (غضب الشجر المبارك من أجل خلق الخضرة الأبهى)

وحلمكِ الأقحوان.

***

في هذه اللحظة، من صباح يوم غائم في بلاد الغال القدماء، حيث كانت تحتدم حروبٌ ومذابح من غير اسم ولا تاريخ..

أتذكرك يا إبراهيم الجرادي يا خيري منصور، موسى وهبة، جابر مرهون.. وبقية العقد الفريد الراحل في هذا العام وكل الأعوام. وجوهكم أراها في مارّة كُثر توزع ابتساماتها بين الغرباء والحشود.

السحب تعبر ثقيلة ملآى

الأقداح تُقرع على حافة النهر الذي يشطر البلدة الى جنائن وضفاف..

هذه اللحظة في هذا المكان البعيد الذي ألوذ به من جبروت الظلام والشمس:

أتذكركم أيها الأصدقاء أحياءً وموتى، محمولين على أجنحة النأي والكلمات..

***

غروبٌ على دير الراهبات

يسيل شبقاً على النحور والشفاه

غروبٌ على ثكنةٍ للعسْكر

غروبٌ على ضفاف الأحلام

غروبٌ على مكبّرات للصوت

تنعق بالكوابيس والوعيد

غروبٌ على الصبايا المراهقات

يتقافزن على حبال الأمنيات

غروبٌ على المقابر والجوامع والإسطبلات

غروبٌ على الشعراء والعُشّاق

على الجلادين والسجون

غروبٌ يحمل البلاد إلى حتفِها

في مقبرة السُلالات..

***

بعد قليل: تذهب الأشجار الى غروبها

تعانق الظِلالَ

والأشباح.

***

القرويّات يحملن الغروبَ

في جرار الفخّار على الرؤوسِ

والأكتاف

الحطّابون، أحلامَ الشجر المكسور

وقوداً لشتاءٍ قادم

رجال الأعمال يحملون الحقائبَ المُثقلة

بالمظالم والجروح..

***

عطر حضوركِ

يملأ آفاقي

بحكمة الوردِ وجنون الأطفال.

***

كم أنت واهبة للحياة أيتها الأشجار

أيتها الجبال والغابات

كل هذه الحيوات، ما ظهر منها، وما بطن أكثر،

ترعى وتتغذى في ظِلال مجدكِ الباسق.

كل هذه الطيور والحيوات، والجوارح

والسباع، تتناسلُ جيلاً بعد آخر في أزلكِ

الذي بلا حدود..

يبزغ نمرٌ مرقّش من زرقتكِ الحالكة.

النمر يحمل جمال الآلهة وتمرّد إبليس

ذئب يعوي على مقربةٍ من بحيرة

ذئبُ الفَقد يعوي قربَ البحيرة التي

انتحر في تخومها (لودفيك الثاني) من فرطِ

عواصِفه ورؤاه..

مزدانة بالنجوم والنيازك أنتِ

تسّاقط مع الأوراق الخُضر الأرجوانيّة

في حُضنكِ التليد

أيتها الناطقة بلسان الغيبِ

ولهيب الحواس.

***

"في كل حبّة رملٍ يمكن أن نرى العالم بأكمله…"

كم من العوالم في رمال البحار العُمانيّة الشاسعة؟!

لكنّ القوم لا يرون البحر والرمال، ولا يرون أنفسهم..

عمىً وراثيّ ومكتسب، مُستحكم وعنيد.

***

Thumbnail

مع كلبتها (آخر ما تبقى من حطام الدنيا) تتنزّه في الحديقة ذات الأبراج والتماثيل، المرأة المُسنّة ذات المظهر الأرستقراطي. لا تتذكر مجدَ الحضارة، ولا مغامرات الجسد

والمعرفة.. الكلبة وحدَها تقفز في الحديقة والذاكرة.

***

مثلما حبّة الرمل تلخص عالماً في رحابتها اللامرئيّة، فهذا العصفور الصغير الأصهب الذي يتقافز أمامي في صباح مأهول بغيوم تطل من قسماتها شمسٌ رحيمة، يلخصُ عالمَ الطيور والغابات في حركته وصوت وحيه الرباني، يسرحُ وكأنما في حقولِ أبديةٍ خالدة..

***

الخلود يتناهى أحياناً في حيوات متناهية الصِغر. تكادُ لا تُرى على وجه البسيطة والتاريخ الصاخب بالقادة والرموز، بالحروب والاكتشافات والأساطيل الذريّة..

***

"ان الدودةَ هي الإمبراطور الوحيد والأكثر خبرةً»، بشأن التغذية، فنحن نسمّن الكثير من المخلوقات لكي تسمّننا، ولكننا نسمّن أنفسنا للديدان"..

أقرأ هذه العبارة لشكسبير التي تعيد اللحن الجنائزيّ لمآلات البشر ومصيرهم وتُذكر الأباطرة عبر التاريخ، بأنهم ليسوا أعظم من دودة الأرض، فاغرةً شدقيها بشبق انتظار زيارتهم الأخيرة. الدودة أو الديدان التي سيكونون مع حاشيتهم وجندهم في ضيافتها الأزليّة عمّا قريب.. هذه المرة هي التي ستغمرهم بكرمها ودَفق نِعمها السامية جهةُ الافتراس والتنكيل والمحو.

لكن الأباطرة لا يريدون أن يتذكروا، أن يعكّر صفوَ معيشهم وبذخه أيُّ معكّرٍ، مهما كانت بداهته وحتميته الصارمة التي لا فكاك منها. رغم كل التمائم والقصور والأسوار العالية والجيوش (… ألفيتَ كل تميمةٍ لا تنفعُ) الأباطرة لا يرعون عن غِواياتهم وظلمهم الساحق لحياة البشر والحيوان والنبات، حتى تستلمهم تلك الهوام الأسطوريّة كي تذكّرهم بماضيهم المجيد، وربما النَدم ولاتَ ساعة مندم. وربما سيكونون في مكان آخر خارج الندم والغبطة والعقاب. لكن الأكيد أن الدودة-الهامة، ستكون في استقبالهم بكامل جبروتها وكامل الصفات التي كانت تزيّن حياتهم ببريقها السحري الأخّاذ..

أقرأ العبارة الشكسبيريّة على سبيل الصدفة في الحديقة العامة بهذه المدينة الويلزيّة ذات الصيف الشتوي الممطر فوق البحر وعلى قنوات الأنهار، حيث قراصنة الشمال كانوا يعبرون بلحاهم الصهباء المضرّجة بالعواصف والنبيذ والذين لم يكونوا بحاجة إلى قراءة شكسبير أو إليوت، كي يتذكروا ويدركوا صواعق الحياة والمآلات والمصير، فهم يمتطون وقائعها اليومية وأشباحها المتناسلة، في ظلمات المياه والأعماق كل لحظة وهنيهة تحملهم إلى الأبعد والأكثر خطورة ووحشية.

ألحان الكنائس في غزارة أجراسها تتوالي مجلجلةً في هذا الفضاء المدلهم البهيج..

إنه يوم أحد..

****

وأقرأ أيضا لباسكال "كل الشرّ الإنساني بسبب واحد: عدم قدرة المرء على الجلوس هادئاً في غرفة".

بعد قراءتي عبارة الفيلسوف الفرنسي التي هي من تلك العبارات أو الشذرات المكثفة بالمعاني والدلالات حد الانفجار، تبادر إلى ذهني أن قائلها يقطن بلداً مثل فرنسا طقساً واجتماعاً وحضارة، حيث الجلوس الاختياري في تلك الغرفة الموصوفة، يمكن أن يكون مختبراً يلخّص العالم، الأماكن والثقافات والطقوس. جلوس حر في غرفة تمتد لأمتار، لكنها بحجم الكون دلالة ومعنى، يمكنها أن تمتص الشر والعنف اللذين هما من طبائع البشر الأكثر عمقا وأصالة، ويتجنّب صاحبها الارتطام بالخارج حيث يسكن الشر وينتشر العنف الصامت الخبيء أو الصارخ الفصيح. اللجوء إلى الغرفة لجوء إلى سكينة الداخل وهدوئه مقابل الخارج وصخبه.

بهذا المنحى تأخذ الغرفة بعدها الرمزي وليس المكاني فحسب. لكن انطلاقاً من هذا الأخير وسماته المتجسّدة في غرفة يحتويها منزل وحيّ ومدينة أو قرية.. لكن بما أن شذرات من هذا النوع «حمالة أوجه» فهذا. (والعبارة الأدبية عامة على الأرجح كذلك) البعد الواقعي الحسي للغرفة، ينقلب دلاليا، إذا كان في بلد عربي على سبيل المثال وخليجي على الأخص، حيث اللجوء إلى الغرفة أو الأماكن المغلقة بالتكييف والهواء الصناعي ضرورة وإجباراً كهروب من جبروت الطقس وحرارته البالغة. هنا ينتفي فعل الاختيار في معظم أوقات العام، للجلوس الحُرّ في الغرفة داخل البيت، لينطلق منها الخيال المثمر إلى مناطقه الشاسعة ممتصاً عنف الخارج المدلهمّ الذي يغري عنف الداخل الخبيء بالانطلاق والانفجار. فتجسد الشر كسلوك ونمط حياة، أفراداً وجماعات ودولاً.. لكن العزلة، إذا أخذنا الغرفة كبعد رمزي للعزلة عن الحشد وقيم القطيع المهيمنة، تبقى ضرورة في كل زمان ومكان، ولا يمكن للإنسان، المبدع خاصة، أن يحقق شيئا ذا معنى إلا في ظلال نأيها العميق.

العبارة حمّالة أوجه ودلالات وربما ثمة بعد لاهوتي فباسكال بجانب صفتيه كعالم فيزياء وفيلسوف فهو لاهوتي يربط الوقائع والنظريات بأبعاد لاهوتية. وربما غير ذلك.

***

هذا الصباح في حديقة فندق (السانت بول) بمنطقة (همر سميث). هذا الفندق الذي يحمل علامة تاريخ حاسمة في التاريخ الأوروبي، كونه احتضن الاجتماع الذي سيقلب معادلة الحرب الكونيّة، بين ونستون تشرشل والرئيس الأميركي أيزنهاور، مع جنرالات الحرب. ومن أفقه ينطلق إنزال (النورماندي) الذي احتفل أحفاد المنتصرون بوقائعه منذ شهر من هذه اللحظة التي أتسلى بالكتابة في فنائه الأخضر، وقد كان سَكني فيه بمحض الصدفة فذكريات الحروب والمعارك في البرهة العربية الراهنة، لا تبعث إلا الأسى والألم، بعيدة كانت أم قريبة.

أسرّح النظر في الأشجار العتيقة الملتفّة بجذوعها وأغصانها وجذاميرها غير عابئة بحروب البشر وفَنائهم، انتصاراتهم وهزائمهم، وأنا أقرأ كتيباً يُقارب سيرة (روسو) ويختزلها، مما جعل انسجام النظر والتحديق الشارد في أشجار الغابة الصغيرة مع مقولات روسو ورؤاه التي تشبه الشطح الصوفي، حول الحضارة وقذاراتها المرضيّة والوبائيّة «إن تقدم العلوم والفنون يفضي إلى إفساد الأخلاق».. وحنينه إلى (إنسان الطبيعة) الفطري الحر المطمئن الذي لا تُحرك حياته المصالح والصراعات التي بالضرورة تفضي إلى سفك الدماء والمجزرة..

والبالغ الطرافة والمفارقة في هذا السياق، حين بعث (روسو) بمشروع كتابه (خطاب التفاوت بين البشر) إلى (فولتير) والاثنان من أبرز مفكري عصر الأنوار والعقلانية الحديثة الذي مَهد بشكل حاسم لانبعاث الحضارة الأوروبية والبشريّة. ضاق فولتير ذرعاً بمقولات زميله المتشظي بين أطاريح العقل والبناء الحضاري وإنجازاته الدستورية والمؤسسية والقانونية (العقد الاجتماعي) وبين حنينه إلى فجر بدايات الكائن على هذه الأرض والفطرة والغريزة، فكتب فولتير ردّه الساخر «لم يُسّخر أحد فكره بقدر ما سَخّرته أنت لكي تجعلنا شبيهين بالبهائم، يشتهي الإنسان حينما يقرأ خطابك أن يمشي على أربع».

لو أطلّ (روسو) راهناً من قبره سيرى ما أنجزته الحضارة من عظمة وابتكارات كان نزوعه إلى نقيضها، رغم مساهمته الفاعلة في صياغتها، لكنه يرى بشكل أكثر انسجاماً مع رؤيته وحدْسه، ذلك الجانب المظلم الوحشي الدامي في السحق والتدمير على مستوى الكوكب الذي انقرض منه شبح (الإنسان الطبيعي) واضمحل ليجد رجال الأعمال والتفاوتات الطبقيّة، بأرقامها الفلكية ومسوخات الجشع والمال.

تبدّى (روسو) أنه من ذلك الرعيل من الفلاسفة النادرين في تاريخ المعرفة ربما، أولئك الذين يغنيهم فكر التناقض ويثريهم التباين الغريب بين الواقع والحلم والحنين، فهو يعرف استحالة بعث «إنسان الطبيعة» والوقائع راهنا ومستقبلاً هي التي تؤرخ للتقدم الحضاري علماً وفناً وابتكارات لا تنتهي عند حد، لكنه احتفظ بحلم الشاعر وحدسه العميق.

ينشر هذا المقال بالاتفاق مع مجلة الجديد الشهرية الثقافية اللندنية

13