ضياع الكرامة والحنين إلى العراق.. لاجئون يصدمون في أوروبا بواقع قاس

حمل الآلاف من العراقيين أحلامهم في رحلة محفوفة بالمخاطر ورائحة الموت فارين من الحرب والعنف والفوضى في بلادهم وكلهم أمل في أن يعيشوا حياة هنيئة في أوروبا، لكن بعد وصولهم اصطدموا بواقع أن لا بلاد لهم إلا عراقهم.
الجمعة 2016/01/29
غربة بلا طعم

برلين – أول ما يعتزم الشاب العراقي ليث خضير عباس (27 عاما)، طالب اللجوء في ألمانيا، فعله حين يعود إلى وطنه هو السجود وتقبيل ترابه.

قال عباس في مطار تيجيل في برلين، حيث كان يستعد مع نحو 50 شابا عراقيا مثله لركوب طائرة للخطوط الجوية العراقية إلى أربيل في شمال البلاد “فررت إلى ألمانيا لأبني مستقبلي. لكني أدركت أنه لا يمكنني بناءه على وعود زائفة”.

ويتزايد عدد اللاجئين العراقيين في ألمانيا الذين يختارون العودة إلى وطنهم الذي تمزقه الحرب وكلهم يشعرون بخيبة الأمل من بطء إجراءات اللجوء في بلد استقبل 1.1 مليون طالب لجوء العام الماضي لا تزال غالبيتهم تعيش في ملاجئ.

وأضاف عباس وهو يلوح بذراعيه من فرط خيبة الأمل، متذكرا الأوضاع السيئة في الملجأ في برلين حيث دورات المياه غير صحية والطعام بلا طعم “أشعر بالحنين لوطني.. وبالإهانة”. أنفق عباس في الرحلة من مسقط رأسه بغداد إلى ألمانيا أربعة آلاف دولار بينها أموال دفعها للمهربين الذين وضعوه في قارب من تركيا إلى اليونان التي انطلق منها مع المئات من طالبي اللجوء في رحلة على مدى أسابيع إلى ألمانيا عبر البلقان والنمسا.

وتظهر بيانات وزارة الداخلية الألمانية أن عدد العراقيين الذين يختارون العودة إلى وطنهم بدأ في الزيادة في سبتمبر الماضي حين غادر 61 منهم ارتفاعا من نحو عشرة فقط في كل من الأشهر السبعة الأولى من 2015. وفي ديسمبر تجاوز عدد العراقيين العائدين إلى الوطن المئتين.

لاجئ: فررت إلى ألمانيا لأبني مستقبلي لكني أدركت أنه لا يمكنني بناءه على وعود زائفة

ولا يزال في ألمانيا نحو 30 ألف عراقي طلبوا اللجوء إليها العام الماضي ليصبح العراق خامس أكثر بلد جاء منه لاجئون إلى ألمانيا بعد سوريا وألبانيا وكوسوفو وأفغانستان. لكن هذا التوجه الجديد للرحيل يسلط الضوء على الواقع الصعب لطالبي اللجوء الفارين من الصراعات في الشرق الأوسط بعدما جاؤوا إلى ألمانيا يحلمون بمستقبل أفضل ليجدوا أن البلد المستضيف المعروف بكفاءة جهازه البيروقراطي وثروته يواجه صعوبات في استيعاب عدد كبير من الوافدين.

وقالت أنديشة كريم وهي ممثلة لمكتب الخطوط الجوية العراقية في مطار تيجيل “من المؤسف رؤية هؤلاء الشبان بهذا العدد الكبير يعودون إلى منطقة حرب”. وتسير الخطوط العراقية ثلاث رحلات كل أسبوع إلى العراق من برلين ودوسلدورف وفرانكفورت.

ويبدو أن أسباب العودة تتعلق بالظروف غير الملائمة في ألمانيا أكثر منها بتحسن الوضع على الأرض في العراق حيث حققت القوات الحكومية تقدما في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية. ولم يسيطر التنظيم على إربيل، الواقعة في إقليم كردستان العراق شبه المستقل، ولا على بغداد ولم تشهد المدينتان صراعات عنيفة رغم وقوع تفجيرات متكررة في العاصمة.

وقال حسن، وهو عراقي كردي عمره 19 عاما “أوروبا ليست لطيفة. لم يصدروا لي تصريح إقامة ولم يعطوني أموالا. سأعود إلى كردستان.. إلى العراق. يمكنني الانضمام إلى قوات البيشمركة والقتال ضد داعش (الدولة الإسلامية)”.

إلى أي رقم تستطيع العد

وكانت غالبية الشبان الذين ينتظرون ركوب الطائرة في الرحلة التي تتكلف 280 دولارا وتستغرق خمس ساعات يسافرون إلى أربيل بوثائق سفر في اتجاه واحد صادرة عن السفارة العراقية في برلين.

وفقد الكثير منهم جوازات سفرهم أو أتلفوها على الحدود الألمانية النمساوية على أمل أن يصعب ذلك عملية ترحيلهم إذا رفضت مطالب لجوئهم.

وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن السفارة العراقية أصدرت منذ نهاية أكتوبر الماضي 1400 وثيقة من هذا النوع بعدما أصدرت 150 فقط خلال الأشهر العشرة الأولى من 2015.

ولم يتسن الحصول على تعليق فوري من السفارة العراقية.

وبوسع من لا يملكون ثمن رحلة العودة التقدم بطلب للحصول على مساعدة مالية من المنظمة الدولية للهجرة. لكن اليأس من ألمانيا لم يتمكن من الجميع حتى الآن. وحضر عبدالله، وهو عراقي آخر، إلى مطار تيجيل لتوديع صديقه عباس، لكنه لا يزال يأمل في الحصول على حق اللجوء قريبا.

وقال “سأبقى، إذا لم يحدث تقدم في طلبي فسأنتقل إلى بلد أوروبي آخر. لست مضطرا إلى البقاء في ألمانيا”.

وغالب عباس دموعه وهو يودع عبدالله قبل أن يمضي في طريقه لإنهاء إجراءات سفره. وصاح عبدالله مناديا إياه “قل لأمي أن ترسل لي طعاما طيبا” ليرسم ابتسامة على وجه عباس.

20