ضياع طاسة الوسطية

الثلاثاء 2015/01/13

لم تتمكن نخبة سعودية اجتمعت على هامش ورشة فكرية كبرى أن تتفق على مفهوم واحد للوسطية، فضلا عن تحقيق تعريف جامع مانع لهذا الاصطلاح الملتبس لدى جميع التيارات بلا استثناء. ولذلك لم أستغرب أن تصل الحال بالمتحاورين، وهم بالمناسبة من كل الأطياف الدينية والمدنية، إلى السؤال عن الدين ذاته الذي نبحث الآن عن وسطيته.

بمعنى آخر أي تطبيقات للدين نتحدث عنها، إذا تجاوزنا المتفق عليه من الأصول؟ هل هو دين مدرسة الأزهر المصرية، أم دين المدرسة السعودية، أم دين القاعدة وداعش؟ أو ليست هذه المدارس والجماعات تتباين تباينا كبيرا في النظر إلى مسائل مثل الحريات الفردية والدولة الوطنية واستحقاقات الجهاد والديمقراطية وحقوق المرأة، وما إلى ذلك من مسائل، كبرى وصغرى، تحمل كل مدرسة أو جماعة لواءها وتنافح عن رأيها فيها.

إذن فإن طاسة الوسطية الضائعة غرقت، أول ما غرقت، في بحار الاختلافات الجذرية في النظرة الدينية إلى أمور أساسية لا تستقيم دونها حياة الفرد والمجتمعات. وهو ما أدى، من بين ما أدى إليه، إلى نشوء حالة التصنيف، ثم التكفير الذي يُخرج أصلا من الملة، فلا يعود، في هذه الحالة، للفئة التي تصنّف باعتبارها شاذة، أو تكفّر باعتبارها مارقة، حق الحديث عن الدين، لا متشددا ولا وسطيا.

باتت الوسطية، في ظل هذه التجاذبات بين المدارس الدينية، خاضعة للإجازة الفئوية ومنحة يهبها من يشاء لمن يشاء. والإجازة والمنحة تخضعان، سلفا، للفهم الخاص للوسطية عند هذه المدرسة أو هذه الجماعة وتلك من الجماعات التي تعد الآن بالمئات إن لم تكن بالآلاف.

لقد أعدمت داعش، على سبيل النكتة والحقيقة، أربعة عشر متطرفا تجاوزوا “وسطيتها” التي لا تمنع حز رؤوس المسلمين وقتل الأطفال وسبي النساء وتهجير الآمنين من بيوتهم وديارهم.

في المقابل أدان المنتدى العالمي للوسطية، عضو منظمة التعاون الإسلامي، على لسان أمينه العام، مروان الفاعوري، الهجوم الإرهابي على مقر صحيفة شارلي إيبدو بباريس. وقال البيان الذي صدر عن هذا المنتدى إنه يدين ويرفض ما حدث بأقصى درجات الرفض والإدانة، مؤكدا على أن ما حدث مرفوض دينا وعقلا وفطرة أيا ما كان القاتل أو المقتول، ولا يجوز تبريره بحال، أو تأييده، أو الفرح بنتائجه، فإن دماء وأموال وأعراض غير المسلمين مصونة بموجب النصوص القرآنية والنبوية.

ولو وضعنا مع هذه المفارقة في وسطية الدين، بين داعش والمنتدى العالمي للوسطية، مفارقات أخرى لا تقل أهمية وغرابة، فسيتضح عمق التباس هذا المصطلح وصعوبة، إن لم أقل استحالة، الاتفاق على مفهوم واحد محدد له. وغالبا ما نقضت الأفعال الأقوال في هذا المجال، حين توضع بعض تفسيرات الوسطية من علماء الدين على محك الاختبار.

يوسف القرضاوي، القائد الإخواني المعروف، حدد ضوابط المنهج الوسطي بقوله إن تيـار الوسطية يقـوم على جملة من الدعائم الفكرية التي تبرز ملامحه وتحدد معالمه وتحسم منطلقاته وأهدافه، وتميزه عن غيره مـن التيارات. ومن بين هذه الدعائم دعوة المسلمين إلى الحكمة، وحوار الآخرين بالحسنى والجمع بين الولاء للمؤمنين، والتسامح مع المخالفين والجهاد والإعداد للمعتدين، والمسالمة لمن جنحوا للسلم والتعاون بين الفئات الإسلامية في المتفق عليه، والتسامح في المختلف فيه.

يوسف القرضاوي نفسه أسقط هذه المعاني في المنهج الوسطي الذي كتبه بيده وأودعه المجلس الأوروبي للفتوى، حين تهاوت جماعته، جماعة الإخوان المسلمين، وسقط حكمها في مصر على أيدي غالبية المصريين. توارى بسرعة، تبعا لهذه الخسارة الحزبية، حوار الآخرين بالحسني والولاء للمؤمنين والتسامح مع المخالفين، والتعاون بين الفئات الإسلامية المصرية في المتفق عليه، والتسامح في المختلف عليه بين أبناء الوطن الواحد.

وهذا يعني، كنتيجة، أن الوسطية، سياسيا، حمّالة أوجه، فهي منهج ثابت إن حصل التمكين للجماعات والأحزاب الدينية في قيادة البلاد والعباد. وهي لاغية أو ساقطة إذا حصل التمكين لتيارات أخرى ليست على هوى هذه الجماعات. وهذا يفسر ما عثرت عليه من قول أحدهم، وهو مجهول، إن مرجع الوسطية هو الشرع، فما وافق الشرع فهو الوسط، فالتشدد في محله وسطية والرفق في محله وسطا كذلك.

يضيف مثل هذا القول عبئا جديدا على كاهل من يحاول تجنب اللبس في مفهوم الوسطية، فالقول إن التشدد في محله وسطية يعني أن نبرر ليوسف القرضاوي وغيره تحولاتهم بين مرحلة وأخرى. وأن نسمح بتلون منهج الوسطية، الذي يفترض أنه ثابت، تبعا للأهواء الشخصية والمكاسب الفئوية أو الحزبية. وستكون، إذن، إصابة هذا المفهوم في مقتل واردة لأن مصداقيته حينها ستضمحل وسيفقد قيمته التي يشتد البحث عنها الآن في ظل تنامي تيارات التطرف والتشدد.

شاهد آخر في نفس السياق، سياق التباس مفهوم الوسطية واضطراب تطبيقاتها إسلاميا، مما كتبه الشيخ محمد صالح المنجد، المحسوب على المدرسة السلفية، حين ورده سؤال يقول: إن أهل الصلاح يتحدثون عن “الوسطية في الدين”، والعلمانيون يتحدثون عن “الوسطية في الدين”، بل حتى الكافر يتحدث عن “الوسطية في الدين” فما الوسطية في الدين؟

أجاب الشيخ المنجد بأن لهذه الكلمة استعمالين، أحدهما حق والآخر باطل. وفي الاستعمال الباطل لجملة “الإسلام دين الوسطية” قال إنه ما يدعو إليه بعض الكتاب والدعاة من الوقوف في الوسط بين كل متناقضين، وعدم اتخاذ الموقف الشرعي الذي يوجبه عليه دينه.

وبعد أن أعطى بعض الأمثلة على متناقضات الاستعمال الباطل للوسطية، وصل إلى القول: “ولهذا تجد هؤلاء، أي دعاة الوسطية، هم عمدة الحوارات التي تعقد للتقريب بين التوحيد والشرك، كما هو الحال في التقريب بين السنة والشيعة والإسلام والكفر، وكما هو الحال في التقريب بين الإسلام والنصرانية واليهودية، فلا الإسلام والسنَّة نصروا، ولا البدعة والكفر كسروا، وعاشوا على تمييع دينهم، والتنازل عن ثوابته، من أجل أن تلمَّع صورتهم في الإعلام أنهم من “دعاة الوسطية”.

ومؤدى كلام الشيخ المنجد أن الوسطية في الدين هي ما يراه أهل السنة وليس غيرهم من الطوائف أو دعاة تلك الوسطية التي تميع الدين من كتاب وغيرهم. وهذا معناه أن لكل شخص وسطيته التي تناسبه ولا تناسب الآخر، الذي سينتفي بمجرد تطبيق مواصفات الوسطية الخاصة عليه. وهي نتيجة تنطبق على كل ما ذكرته سابقا من شواهد تدل على أننا ضيّعنا طاسة الوسطية، حين فقدنا وحدة القول والفعل الديني الجامع. ولذلك اعتبر أن بحثنا عن الوسطية قبل تحقيق هذه الوحدة الجامعة هو ضرب في الهواء.


كاتب سعودي

9