"ضيف الغفلة" المغربية تعالج دراميا الفكر المتطرف

عرضت مسرحية “ضيف الغفلة” للمخرج المغربي مسعود بوحسين التي قدمت مؤخرا على مسرح محمد الخامس في العاصمة المغربية الرباط، واقعا يهيمن عليه من أرادوا أن يستخدموا عباءة الدين وسيلة لإرضاء نزواتهم وتحقيق غاياتهم. وموضوع المسرحية يدور حول رجل دين مخادع استخدم ما عرفه عن الدين الإسلامي من سماحة وأفكار سامية، ووظف ما حباه به الله من فصاحة وبلاغة كواعظ، لكي يطوّع الناس من حوله لقضاء غاياته، والحصول على مكاسب الدنيا بأسهل الطرق وأكثرها دناءة.
الأربعاء 2016/01/20
لعبة المحرمات بين الإفلات والعقاب

طوّعت فرقة مسرح “تانسيفت” المراكشية في مسرحية “ضيف الغفلة” التي عرضت على مسرح محمد الخامس في العاصمة المغربية الرباط مفهومين؛ الأول يدور حول الفرجة المسرحية الناجحة جماهيريا، والثاني تضمن المعالجة الدرامية للفكر المتطرف، الذي صار معاناة يومية للكثير من المجتمعات في العالم.

وقدمت فرقة مسرح “تانسيفت” أخيرا عرض مسرحيتها بالرباط بعد أن عرضتها منذ بداية شهر مارس 2015 في عدة مدن مغربية منها: أيت ملول، تيزينت، وتطوان.

والتقى محبو المسرح بالرباط بممثليها: فضيلة بنموسى، مريم الزعيمي، عادل أبا تراب، سعيد آيت باجا، وهم نخبة من ممثلي المسرح والتلفزيون المغربي، وكذلك مخرجها مسعود بوحسين، وكاتبها حسن هموش، والمشرف على السينوغرافيا نور الدين غنجو، ومهيئة الملابس سناء شندال، والمشرف على الإضاءة والمؤثرات الصوتية رشيد جباد، ومدير إنتاجها محمد الورادي، والموسيقى من ألحان محمد الدرهم.

شخوص مغربية

حاول الكاتب حسن هموش عبر وضعه اللهجة المغربية الدارجة للمسرحية بنكاتها الشعبية، وأمثالها المأثورة، وعمقها الميثولوجي، إضفاء جميع صفات المسرح الفودفيلي الاجتماعي الفكاهي، فقد وضع حبكة موليير الرئيسية أساسا لفصول مسرحيته، واستخدم شخوصا قادمة من الحياة المدينية المغربية.

وقد استطاع الحوار القصير والمتوتر للشخصيات مع ترجمة الكثير من الأمثال الأمازيغية عميقة التأثير في الجمهور الرباطي إلى الدارجة المغربية، أن يشعر الجمهور بأن الحدث المسرحي يمكن أن يقع في أي بيت من البيوت المغربية، ووسط أي عائلة سواء كانت غنية أو متوسطة الحال أو فقيرة.

فاللهجة هي لهجة الطبقات الشعبية، والأفكار التي تدور بين الممثلين، هي أفكار الناس ممن يعيشون حولهم وهي بالذات تساؤلاتهم حول الحق والعدل، الصالح والطالح، المضحك والمبكي في الحياة.

عرض فودفيلي كوميدي زاوج بين المنافق الفرنسي طرطوف والمتطرف العربي المتحذلق بخطابه الديني

مسرحية “ضيف الغفلة” من المسرحيات المهمة لما طرحته من مفاهيم حول التطرف الديني، والتي تشكل البنية الفكرية المُنتجة للإرهاب، الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية، ونعاني منه سواء في أوطاننا العربية أو مع الآخرين في بلدانهم.

نقلنا الممثلون عبر حوارات ذكية إلى بيت أسرة غنية تمارس تجارة بيع الزرابي، والصناعات التقليدية السياحية، في متجر وسط المدينة يديره الأخ الأكبر في العائلة صالح الذي لم يكمل تعليمه، لوفاة الأب، وانشغاله بإدارة المتجر وهو مورد رزق العائلة.

والعائلة مكونة من بنتين، الكبيرة البتول (56 سنة) مثلت دورها فضيلة بنموسى، وقد أبدعت في تمثيل دور الأخت الكبرى التي أخذت دور الأم لأخويها صالح والسعدية بعد وفاة أمهم وأبيهم، وقد أتقنت من خلال حركاتها وسكناتها، والأمثال الشعبية التي ترددها، وتعبيرات الوجه تأدية دور الفتاة التي فاتها قطار الزواج، وصارت تحلم بأي فرصة للتعرف على رجل على أمل الزواج منه.

وإن كانت لا تُظهر تلك الآمال لا في تصرفاتها ولا حواراتها مع أخيها صالح، ولا مع أختها الصغرى، الجميلة المدللة السعدية (36 سنة) التي مثلت دورها مريم الزعيمي، وكانت خفيفة الحركة، مهيمنة على غيرها من الممثلين في إدارة الحوار، وإقناع الجمهور بدورها كفتاة لعوب تستطيع إيقاع من يلتقيها في شباكها بمنتهى السهولة.

وقد أكملت السعدية تعليمها الجامعي، مما أضفى على شخصيتها مستوى راقيا كفتاة جامعية، والتي تستطيع إيقاف من يحاول تجاوز حدوده معها أو التعدي على حقوق أسرتها، وممتلكاتها وأمورها الشخصية في الأسرة عند حده. والعائلة تعيش في بحبوحة من العيش الرغيد بما يدره عليها المتجر السياحي من أرباح، وما يسود أفرادها من تناغم وتفاهم مشترك، وروح تعاون ومحبة.

ومع ذلك تسوء الأمور حين يتعرف أخو الفتاتين على واعظ يدعى عبدالمالك في جامع الحي، وهو شخص غريب عن الحي يتحذلق في خطابه الديني، ويؤمن بفكر متطرف لا علاقة له بالإسلام الحقيقي، ويستطيع خلال فترة قصيرة أن يهيمن على فكر الشاب صالح، ويوهمه أنه مطارد من أعداء الدين لنزاهته، وحبه لنشر الشريعة الناصعة بين الناس، فيتعامل صالح مع الواعظ بود كبير ويعرض عليه العيش مع عائلته كي يحميه.

طرطوف موليير

هنا تبدأ أحداث المسرحية بالتصاعد حين يبدأ المنافق، وحالما يسكن مع العائلة، مستغلا ظروف جهل الشاب صالح للدين بإطلاق فتاوى التحريم والتحليل على سكان البيت، لكي يستطيع الاستحواذ على ممتلكات الأسرة.

الأفكار التي تدور بين الممثلين، هي تساؤلات الناس حول الحق والعدل، الصالح والطالح، المضحك والمبكي

وفي المقابل تتمكن السعدية من الوقوف في وجه عبدالمالك، وإماطتها قناع التقوى، الذي كان يتخفى به أمام العائلة، أخيها وأختها، من خلال أنوثتها وتأثيرها عليه، وبذلك كشفت وجهه الحقيقي لأخيها، وجعلته يشاهد الجانب المخفي من شخصيته، وعرّت لهما وجه الذئب الذي كان يريد افتراس العائلة واحدا بعد الآخر، والاستيلاء على ممتلكاتهم، وكل أمورهم من خلال غطاء الدين والأفكار المتطرفة.

حبكة مسرحية “ضيف الغفلة” أُخذت من حكاية شخصية ابتكرها الكاتب المسرحي الفرنسي موليير في مسرحيته الخالدة “طرطوف”.

طرطوف الشخصية الرئيسية في المسرحية، انتهازي ارتدى المسوح الكهنوتية ليدخل بيت أحد الإقطاعيين الفرنسيين الأثرياء بعد أن سيطر على أفكاره دينيا، وأوهمه أنه رجل صالح، فاستضافه في قصره، ليصير هو وعائلته ضحية لنفاقه، وتدخله في كل صغيرة وكبيرة من شؤون القصر لمصلحته.

ولم يكتف طرطوف بذلك، بل غازل أيضا صاحبة القصر، وحاول إغواءها، لقد وضع موليير كل ما أوتي من طرافة وفهم للمجتمع الفرنسي الإقطاعي في هذه الملهاة الخالدة.

واستطاعت فرقة مسرح “تانسيفت” عبر تاريخها، الذي يمتدّ منذ أول عرض قدمته بعنوان “كيد الرجال” عام 2000 وتوالت أعمالها بين “ناكر الإحسان”، “مرسول الحب”، “كيف طوير طار”، “باسو” و“حراز عويشة”، وأخيرا من خلال عرضها مسرحية “ضيف الغفلة” بالرباط أن تقدم عرضا فودفيليا كوميديا زاوج بين المنافق الفرنسي طرطوف والمتطرف العربي.

16