ضيوف الشتاء: السوريون ضحايا الابتذال الفني

توريط الفن في قضايا سياسية بشكل سطحي دون النفاذ إلى عمقها الإنساني بات وسيلة لتحقيق النجاح المزيف والوقتي لأي عمل فني يعمل على مقاربة الأحداث الراهنة بشكل سطحي. ومن هذه الأعمال العرض المسرحي “ضيوف الشتاء” الذي جعل من السوريين مادة دسمة للشفقة وأظهرهم كضحايا للبيروقراطية والتوصيفات الإدارية.
الجمعة 2016/02/19
إهانة فنية وإنسانية

المسرح الرديء يتجاوز الجغرافيا، نعم يجوز التقييم بكلمة رديء، فالحساسية الفنية تجاه الأداء المسرحي أو العرض المسرحي ليست وليدة الإلهام أو الصدفة، هي جهد واشتغال عميق للوصول إلى جوهر الظاهرة المسرحية التي تتفرّد في كل عرض وتختلف، لكن في غياب ذلك، فإن الوسيلة الأنجع لجعل عرض مسرحي ما ينجح أو يُتداول هي توريطه في السياسة، لا كحالة بريخت بوصف المسرح ينتقد نفسه والمجتمع، بل ببساطة جعله إما تابعا لخطاب مؤسساتي/ سلطوي أو خطاب شفقة، والحالة الثانية هي التي تنطبق على عرض “ضيوف الشتاء”. خشبة مسرح الإيشانج في باريس استضافت النسخة الثانية من العرض، بوصف الأولى، ورغم التغطية الإعلامية التي نالتها، لم ترتق فنيا إلى صيغة “مسرح”، بل كانت الكتابة عن العرض تتمحور حول المأساة لا حول صنعة المسرح نفسه، وخصوصية التعامل مع أشخاص غير محترفين يؤدون و”يحكون” تجاربهم الشخصية في سوريا وفرنسا.

العرض المسرحي من إخراج الفرنسية أوريلي روبي التي عملت مع عدد من اللاجئين السوريين في باريس، ليعبّروا عن قصصهم في فرنسا وسوريا رقصا وتمثيلا، بوصف الحكايات الشخصية لكل واحد منهم، تمثل قوام العرض، الذي يتناول صعوبات الحياة في فرنسا وصعوبات اللجوء، ثم الأسباب التي دفعت كلا منهم إلى مغادرة سوريا، إثر قمع النظام لهم بسبب مشاركتهم في الثورة.

سياسا، العرض يستدعي الشفقة تجاه اللاجئين، فهو يحوّل اللاجئين السوريين إلى حالة إنسانية لاستجرار التأوهات، إذ لا يقدم هؤلاء اللاجئين بوصفهم يسعون لتجاوز وضعية اللاجئ/ الضحية، بل الحفاظ على صورة دونية عن أنفسهم.

فنيا العرض لا يتصف بالتماسك، ولا يعود سبب ذلك إلى استخدام هواة أو غير محترفين في التمثيل، بل لعدم اتساق الجهد الإخراجي، بوصف المخرج هو من يرسم خطوط الحكاية، ويسيّر هؤلاء “اللا-ممثلين” في سبيل خدمة الحبكة، والتحكم بأدائهم كي لا يصل حدّ التهريج أو الابتذال، وللأسف هذا ما حصل، الحلول الأولى و”الأكروباتيات” التي قام بها الهواة ناتجة عن عدم خبرتهم في المسرح -ولا يلامون على ذلك- إلى جانب غياب الدراماتورجيا في العرض التي جعلت الأفعال المجانية وأحيانا المبتذلة هي الطاغية، ليكون العرض أقرب إلى محاولة لتمضية الوقت مع فترات الصمت الطويلة والموسيقى التي لا تحمل مبررا دراميا، هذه المجانية في العرض ترتبط بأن ما تمّ اختياره لتشكيل الفضاء وعناصر الأداء هو المتوافر لا المناسب، وخصوصا في الديكور والأزياء والأغراض التي تصل حدّ اللامنطقية، إلى جانب أن التركيز على حكايات اللاجئين جعلت الاهتمام بالنواحي الفنية شبه مفقود، الاهتمام كان فقط بالقصص الشخصية.

إن استخدام التجارب الشخصية لهؤلاء اللاجئين دون قالب مسرحي متماسك سببه غياب الإخراج المتقن، ما جعل ما نراه أقرب إلى مهزلة وأحيانا إهانة فنيّة وإنسانية، وكأننا نرى أن تعالوا أيها الضحايا وأرونا كيف انتُهكتم في بلادكم وكيف تضيعون في بيروقراطية البلاد الجديدة.

ما يثير التساؤلات أيضا هو أحد توصيفات المخرجة نفسها للاجئين بوصفهم “ممثلين لأجل المناسبة”، لكن ألا يعني هذا أنهم بحاجة إلى جهود مضاعفة كي يرتقوا بأدائهم، لا أن يقودهم مخرج “لأجل المناسبة”، وتحويلهم إلى تجارب فردية مأساوية يطغى عليها التهريج والوقوف على الأيدي والرقص غير المتناسق، ثم جمع كل ما يمكن أن تحويه سوريا والثورة والنظام من موتيفات دون منطق واضح.

في المنافي لا يبحث السوريون عن شفقة وآهات لهول معاناتهم، هم يبحثون عن تعاطف، عن احترام بوصفهم قاتلوا من أجل حريتهم ومازالوا يقاتلون، وأيضا بوصفهم منتصرين لا ضحايا مشلولين.

17