"ضيوف على الحب" مسلسل سوري يرسم أحلام ما بعد الحرب

مسلسل "ضيوف على الحب" يتناول قصصا شبابية تحاكي واقعها في مواجهة واقع يزداد وحشية وعتمة وجفاء.
الجمعة 2021/01/08
البيوت آمنة لمن يحبها

يعيش الإنسان طيلة حياته باحثا عن تقاسم مشاعره وتشاركها مع الآخر، ولعلّ الحبّ من أكثر الأحاسيس التي يبحث عنها الناس جميعا، وتبحث عنه المرأة بشكل خاص، وهي التي توصف بأنها كائن عاطفي مرهف المشاعر يهب الحبّ ويحيا ملهوفا عليه.

في بيت دمشقي عتيق، تبدأ الحكاية، حيث مجموعة من الصبايا اللواتي جئن بحكاياتهن وأحلامهن لكي يسطرن مجددا جدلية الحياة والحلم، ويبحثن عن أمل جاء بعد وجع. من هناك يبدأ “ضيوف على الحب”، دراما تلفزيونية سورية جديدة بمجموعة من الشخوص التي تبحث عن الحياة.

في متاهة زمن ما بعد الحرب يذهب مسلسل “ضيوف على الحب” إلى تقديم مسار حكاياته عبر مجموعة من الشخوص الذين ينطلقون من بيت دمشقي عتيق، لكي يرسموا ملامح حيواتهم ومصائرهم. فصباح ( شكران مرتجى) سيدة دمشقية تعيش في بيت كبير عتيق في قلب المدينة القديمة، تؤجر غرفه لعدد من الصبايا الباحثات عن الحياة بعد نزف أصاب وطنهن في مقتل فيرسمن أحلامهن بالكثير من الأمل والتعب.

“ضيوف على الحب” من إنتاج المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني، وهو التجربة التلفزيونية الأولى للكاتب سامر محمد إسماعيل الذي كتب سابقا للمسرح والسينما، ومن إخراج السينمائي السوري فهد ميري. أما التمثيل فلكل من شكران مرتجى وفادي صبيح وجيني إسبر وفايز قزق ونظلي الرواس وجرجس جبارة وزهير رمضان وعاصم حواط وكرم الشعراني ووضاح حلوم ورنا العضم ورنا كرم.

أول تجربة تلفزيونية

سامر محمد إسماعيل: الكاتب العربي يعيش اليوم أتعس لحظاته وأكثرها مرارة
سامر محمد إسماعيل: الكاتب العربي يعيش اليوم أتعس لحظاته وأكثرها مرارة

عن خصوصية عمله الدرامي التلفزيوني الأول ومدى مقاربته للحدث السوري اليومي الراهن يبيّن سامر محمد إسماعيل لـ”العرب” أن “مسلسل ‘ضيوف على الحب’ محاولة لتقليد الحياة، اتكأتُ في كتابته على محاكاة الواقع السوري، لاسيما لدى جيل الشباب، إذ يقع على هذه الشريحة العبء الأكبر في تحقيق الذات، ومواجهة واقع يزداد وحشية وعتمة وجفاء”.

ويوضّح أن “الكتابة للتلفزيون وفق شرط الثلاثين حلقة مشقة كبيرة، لكنها ممتعة وجذابة، إذا عرفنا شرطها الفني، فما سمي بالرواية التلفزيونية يكاد ينقرض اليوم تحت ضغط ما يدعى بورش الكتابة، والتي أعتقد أنها أُوجدت لإزاحة الكاتب، والتخلص نهائياً من مركزيته في العمل الدرامي، سواء كان هذا العمل مكتوبا للمسرح أو للسينما أو للتلفزيون أو للإذاعة. فثمة اليوم خلط مرعب في الكتابة لهذه الأنواع، مع أنها تختلف تماماً من حيث البنية والشرط الفني”.

وعن وضع الكتابة عموما يقول إسماعيل إن “الكاتب العربي اليوم يعيش أتعس لحظاته، وأكثرها مرارة، فسلطة النجوم المطلقة وسيادة رأس المال الجاهل تعززان هذا المسار الجهنمي. لقد أفل ذلك الزمن الذي كان يسوق فيه العمل التلفزيوني باسم كاتبه (أسامة أنور عكاشة وممدوح عدوان مثالاً لا حصراً)”.

ويرجع ما يحدث اليوم إلى “انجراف هائل نحو نوع من المخرجين (الصنايعية) أو أولئك الذين يباهون بنوع وموديل الكاميرا التي يصورون بها، دون الالتفات إلى المحتوى، وإلى المعالجة الدرامية. هناك شركات اليوم تصور حتى قوائم الطعام في المطاعم، تعتبرها سيناريو. وهذا مرده الانحطاط العام الذي نعانيه نحن العرب على كل المستويات”.

ويتابع “لا قيمة للنص، لا قيمة للكاتب، لا قيمة للحوار، لا قيمة للعشرات من الساعات التي يهدرها المؤلف في صياغة نص. دعني أقلْ هنا إن الأزمة مركبة، فإذا كان تعريف الإخراج في أبسط جوانبه هو إيجاد حل لمشكلة النص، فأنا أعرّف النص بأنه إيجاد حل لمشكلة الحياة. يظن البعض أنه ليس أسهل من كتابة قصة، ليس أسهل من إيجاد سيناريو، وهذا ما أخذ الدراما العربية والسورية تحديداً إلى دركها الأسفل”.

فهد ميري: المسلسل ينتهي بدفعة ثانية من الشباب بمعنى أن الحياة مستمرة
فهد ميري: المسلسل ينتهي بدفعة ثانية من الشباب بمعنى أن الحياة مستمرة

ويستشهد الكاتب بهيتشكوك الذي كان “يقول عندما يفرغ من كتابة سيناريو لأحد أفلامه (أنجزنا الفيلم، بقي علينا تصويره!) الجميع اليوم مفتون بالصورة، وجمالياتها، وهذا أمر مطلوب وضروري، لكن لا أحد يناقش النص، اللبنة الأولى والأساسية للقيام بإنتاج أي عمل درامي. وأعمال مثل ‘ليالي الحلمية’ و’أرابيسك’ و’الزير سالم’ و’التغريبة الفلسطينية’ كان بطلها النص والسيناريو، ولا أبالغ في القول بأنها تفوقت على أعمال تلفزيونية والكثير من الأعمال السينمائية، فحتى في السينما ليس لدينا نص”.

ويقول سامر محمد إسماعيل إنّ “هناك سينما الحزازير والمهرجانات، سينما ملفقة ولا علاقة لها بالحياة والواقع. لذلك يجب على الكاتب أولاً أن يجد معادلاً فنياً للحياة، وأن يفرق بين الواقع الموضوعي والواقع الفني، فما نشاهده في حياتنا اليومية لا يصلح للكتابة، قد يقول لك البعض إن الواقع مليء بقصص تشيب لها الأجنّة. لكن هذا هراء. فالواقع كما يقول الروائي الكولومبي الراحل ‘نوع من الأدب الرديء’. الكاتب هو من يجد المحرق، ويحدد زاوية النظر إليه. وهذا ما يخلط فيه كتّاب وورش الكتابة هذا اليوم. ورش الكتابة هذه هي نوع من تحويل الكتابة إلى ‘فعالة’ و’فعيلة’، إلى عمال كتابة”.

ويشدّد إسماعيل على أنّ “الكتابة لا يمكن برمجتها، ولا تعلمها عبر القياس على تجارب، فكتّاب ‘الفورمات’ اليوم ينسخون آلياً مسلسلات وأفلاما أجنبية، ويقذفونها لعمال التصوير، وما من مخرجين اليوم، بل هم عمال تصوير، يموتون في عشق آخر أجيال الكاميرات والمعدات والتقنيات الحديثة، لكنهم يفتقرون إلى معرفة عميقة بمعنى النص، وليس لديهم أدنى مهارة في إدارة الممثل”.

وعن وجود مسلسله ضمن هذا المنظور يبين “من هذا الباب كتبت ‘ضيوف على الحب’، النص الذي أردتُ أن يكون مفعما بشخصيات غنية درامياً، وثرية بعوالمها الداخلية، وصراعاتها اليومية. إنه محاولة لتقديم دراما سورية صرفة، بعيدة عن مسطرة السوق، وآمل أن يوفق المخرج فهد ميري في ترجمته للشاشة الصغيرة”.

دلالات رمزية

شكران مرتجى تجسد دور سيدة دمشقية تؤجر غرف بيتها العتيق لعدد من الصبايا الباحثات عن الحياة
شكران مرتجى تجسد دور سيدة دمشقية تؤجر غرف بيتها العتيق لعدد من الصبايا الباحثات عن الحياة

يتعامل المسلسل مع حالة رمزية تحمل دلالات حكائية تعني الوطن السوري كله وترمز إليه، فالبيت العتيق القديم المتجذر هو سوريا، والشباب الذين يسكنونه هم الأجيال المتوالدة.

ويقدم المخرج فهد ميري بالاشتراك مع المؤلف نماذج حياتية عن المجتمع السوري الآن، ويقول “عملنا على النص سويا وتناولنا فيه شخصيات حقيقية تستطيع تحمل مسؤولية تحميلها حكاية، فأنا أرى أنه عندما نوجد شخصية جيدة فإننا لا نخشى عليها من متابعة أمورها لأنها ستكون  ناجحة”.

ويوضح لـ”العرب” أن الشخوص “مجموعة من الشباب والصبايا الذين خرجوا من أجواء الحرب والخوف والظلمة، وواجهوا الحياة ليبحثوا عن مكان لهم في المجتمع، وتجمعهم سيدة دمشقية في بيت عتيق. وهي لا تؤجر هؤلاء لحاجتها إلى المال بل لأنها تشعر تجاههم بعاطفة الأمومة. فهنالك بينهم الطالبة الجامعية والممرضة وهناك من يشق طريقه في العمل خارج البيت وهناك من يود الهجرة إلى الخارج”.

ويكشف أن “هذه الشخصيات تغادر البيت ونتابع حكاياتها ومصائرها. والبيت هو سوريا وفيه يعيش هؤلاء الناس ومنهم من ينجح والبعض يفشل، ولكل شخصية مسارها.
والشباب هم الخط الدرامي الأساسي للمسلسل الذي تكمله خطوط موازية كثيرة”.

الشخوص مجموعة من الشباب والصبايا الذين خرجوا من أجواء الحرب وواجهوا الحياة ليبحثوا عن مكان لهم في المجتمع

أما عن اشتغاله على البيئة الشامية في أعماله فقد سبق أن قدم بيئة حلبية ثم ساحلية، وفي هذا الإطار يقول ميري “البيت ليس بيئة شامية صرفة،  بل هو بيت في دمشق وله جذور راسخة وقديمة جدا ويمكن أن يكون في أي مدينة سورية، لكن دمشق لها خصوصيتها، هي أمنا، وهي عاصمة بلدنا، لذلك جئنا بأحداثنا إليها. والصبايا والشباب الذين يأتون إلى البيت يتغيرون دائما ويبقى البيت شامخا صامدا. فعملنا ينتهي بدفعة ثانية من الشباب، بمعنى أن الحياة مستمرة ومتواصلة وسوريا ولّادة”.

وعن رهانه على العمل يقول “الرهان على العمل مهمة جماعية تبدأ بالمؤسسة المنتجة التي هي بيتنا الذي يحتضننا، ولكن ربما فرضت ظروف الحرب واقعا معينا، بحيث صارت المهمة أصعب على الجميع. الإنتاج الخاص لا يجب أن يتوقف ولكن يجب على القطاع الحكومي أن يواكب حركة الإنتاج الصحيحة، وأن يستمر في العمل الجدي”.

ويكشف فهد ميري أن “في هذا الموسم سيتم تنفيذ ما يقارب 90 في المئة من أعمال البيئة الشامية، بسبب العامل التجاري. لكن الدراما ليست تجارة فحسب بل هي فكر أيضا، وهذه مسألة يجب على الجهات المعنية بالإنتاج أن تبذل جهدا لتنظيمها ووضع خارطة إنتاجية تتضمن تحديدا لفئات المسلسلات لكي يتحقق الهدف الفكري إلى جانب الهدف التجاري”.

أبطال العمل

16