ضيوف يوسف الرقيق

الاثنين 2016/07/18

هل يعقل أن تلتقي إنسانا مرة واحدة، فيظل مقيما في ذاكرتك ربع قرن؟ هذا ما يحدث لي كلما فكرت في يوسف الرقيق، فالرجل الذي التقيته في قرطاج عام 1992 لا يزال حاضرا بقوة في خيالي، كما لو أنني شاركته فصلا طويلا من حياته أو أنه قدّم لي شيئا لا يُنسى.

لقد قدم إلى قرطاج ليدعوني إلى حضور مهرجان المحرس التشكيلي الذي أسسه عام 1988، لم أكن يومها قد سمعت بتلك المدينة الصغيرة المغمورة ولا بمهرجانها الذي صنع منه الرقيق لقاء عالميا، وهو ما عرفته في ما بعد.

لم أره يرسم وهو المشهور بالرسم على الزجاج، وقد أخبرني بالصدفة أنه يعمل ممثلا وقد أدار في ما مضى فرقة مسرحية بصفاقس، غير أن ما أدهشني فيه ذلك الوفاء العميق للمكان الذي ولد فيه عام 1940، ولم يكن ذلك المكان سوى المحرس، المدينة التي سعى من خلال الجمال إلى أن يسمو بها فوق المدن الكبيرة، حتى تكون عاصمة خياله، وبشيء من تلقائيته أكسب ذلك المهرجان خفة تفتقد إليها اللقاءات الفنية الغنية بأموالها.

ينزلك تواضعه من السلم، ويمشي بك بين دروب المدينة التي كان البعض منها لا يزال ترابيا، ليصل بك إلى دكان أبيه، وبصوته الخفيض يقول لك “الوالد” ثم يختفي.. يعرف أن الوالد سيتكفل بالبقية، فهو نوع آخر من يوسف، بألفته وكرمه وإنصات عينيه وحنوّ قلبه وعسل كلامه.

بعد ذلك أدركت أن الوالد، ويوسف صورة منه، لا يشكل حدثا استثنائيا في مدينة يتميز أهلها بالطيبة والمرح والعفوية واحتضان الغريب، كما لو أنه ابنهم العائد لتوّه من الغربة.

كان يوسف رقيقا مثل الآخرين، لم يكتسب رقته من التجربة بل ولد بها، ميزته أنه حافظ على تلك الرقة بالرغم من أنه عاش بعيدا عن ينابيعها.

ما يسلي يوسف الرقيق، وهو الذي غادر الحياة سنة 2012، أن حلمه لا يزال قائما؛ لا تزال المحرس تحتضن ضيوفه كل سنة.

كاتب من العراق

16