طائرات الدرونز تنفذ حربا على المخدرات في أفغانستان

طائرات أميركية بدون طيار ومقاتلات تقصف معامل ومخازن المخدرات والأفيون، بهدف القضاء على المصادر الأساسية لتمويل أنشطة حركة طالبان.
الخميس 2018/03/29
الخشخاش أكثر مردودية من الخضر والبقول

كابول - ترسل الطائرة صورة مكبرة، بالأبيض والأسود إلى الأرض، تظهر مساحة من الأرض مسقفة ومحاطة بأسوار.

ويستنتج قائد الطائرة أن هذا هو الهدف، وهو منزل يخبّئ معمل مخدرات في إقليم هلمند، جنوب أفغانستان. وفي ثوان معدودة ينطلق صاروخ يدمر المكان بالكامل ويتطاير حطامه في الجو، بينما تتصاعد سحابات من الغبار. ويبدو المشهد كما لو كان لعبة نارية انفجرت وتصاعد عامود دخان.

ونشرت قوات الأمن الأميركية هذا الفيديو في ديسمبر الماضي، لتوضح محاولات مكافحة صناعة وتجارة المخدرات، حيث تقوم طائرات دون طيار ومقاتلات بقصف معامل ومخازن المخدرات والأفيون، منذ التاسع عشر من نوفمبر الماضي، بهدف القضاء على المصادر الأساسية لتمويل أنشطة حركة طالبان، التي أصبحت تسيطر فعليا على 13 بالمئة من أراضي البلاد، وتنازع القوات الحكومية على مساحات أخرى تصل إلى 30 بالمئة. وتتراوح أرباح طالبان السنوية من زراعة محصول الخشخاش وتجارة وتصنيع المخدرات بين 200 مليون و400 مليون دولار.

وعلى ما يبدو بدأت الحركة تقوم بنفسها بتصنيع المخدرات الثقيلة مثل الهيروين، ووفقا للجيش الأميركي لم تعد مجرد حركة متمردة، حيث أدى رواج تجارة المخدرات إلى تحكم قياداتها في تجارة تدر أرباحا بمئات الملايين، مما يسمح لها بالحصول على السلاح وتجنيد المزيد من العناصر للانضمام إلى صفوفها.

أرباح طالبان السنوية من زراعة محصول الخشخاش وتجارة وتصنيع المخدرات تتراوح بين 200 مليون و400 مليون دولار

ومنذ نوفمبر، لم تتوقف البيانات الصادمة عن الصدور، فأفغانستان ظلت حتى سنوات قليلة مضت المصدر الأول لما يقرب من 90 بالمئة من إنتاج العالم من الأفيون، وفي 2017 بلغ حجم إنتاجها تسعة آلاف طن من الأفيون، وهو ما يمثل رقما قياسيا في تاريخها، لترتفع نسبة الأرباح بمعدل بلغ 87 بالمئة مقارنة بعام 2016، بحسب التقرير السنوي لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة.

ووفقا لهذه البيانات، تتفوق صناعة المخدرات، بفارق كبير على أي مقوم آخر من مقومات الاقتصاد الأفغاني، ففي 2016 مثل معدل الإنتاج 4.800 طن من الأفيون، ما يعادل 16 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، أو بعبارة أخرى ما يوازي ثلث دخل إجمالي الإنتاج الزراعي، النشاط الاقتصادي الأساسي للبلد الآسيوي، وفقا لتقرير المنظمة الأممية في مايو الماضي.

وتعتبر هلمند معقلا من معاقل زراعة الأفيون، ولهذا يتركّز القصف على هذه المنطقة بواسطة طائرات دون طيار في المقام الأول، إلا أن المشكلة تكمن في أن القصف لا يطال عناصر طالبان فقط. فهذه الصناعة المحرمة تخلق عشرات الآلاف من فرص العمل في واحدة من أفقر دول العالم، حيث يقدر معدل البطالة بنحو 40 بالمئة ولا يزال المؤشر في ارتفاع مستمر.

ويقول غول محمد، وهو مزارع (33 عاما) من بلدة جيرسيك، بإقليم هلمند “في السابق، كنا في أفغانستان نزرع الحبوب والذرة، والبصل والبامية. إلا أن غالبية الخضروات لا تدوم أكثر من 15 يوما، ولا يسعنا خلال هذه المدة القصيرة الوصول إلى أي سوق، ويفسد المحصول بالكامل، نظرا لإغلاق الـطرق أو تدميرها بسبب القصف المستمر”.

ويضيف غول “في وقت الحرب، يعتبر الخشخاش الخيار الأفضل بالنسبة للزراعة، لأنه ينمو دون مشكلات، ويمكن حصده بكل سهولة، ولا يحتاج إلى أجواء باردة لتخزينه ويباع بسعر مرتفع”.

تدمير بؤر المخدرات
تدمير بؤر المخدرات

ويمتلك غول محمد مساحة من الأرض تقدر بنحو 20 ألف متر مربع، تنتج 35 كيلوغراما من الأفيون، يتراوح سعر الكيلوغرام  بين 80 و130 يورو .

وتصدر وزارة الدفاع الأميركية تقارير دورية حول إنجازاتها في مجال مكافحة صناعة وزراعة المخدرات في أفغانستان، تشير إلى أنه خلال الفترة بين نوفمبر الماضي ومارس الجاري، دمرت القوات الأميركية بالتعاون مع الجيش الأفغاني قرابة 40 معملا للمخدرات، ونفذت حملات تفتيش أغلقت خلالها أربعة أسواق ترويج، وهذا يعني خسائر لحركة طالبان تقدر بنحو 32.8 مليون دولار، بحسب نتائج التقرير التي أعلنها المتحدث باسم الجيش الأميركي.

 وبالرغم من ذلك، يشكك الخبراء في مصداقية هذه البيانات. ويلخص ديفيد مانسفيلد، بروفيسور بأكاديمية لندن للاقتصاد، وخبير بعالم المخدرات في أفغانستان، في تقرير له في يناير الماضي، تقييما لنشاط العمليات التي تشنها القوات الأميركية بواسطة طائرات دون طيار على بؤر المخدرات في أفغانستان، مؤكدا أنه وفقا للأسعار الحالية، يجب أن تكون القوات الأفغانية والأميركية قد دمرت 73 طنا متريا من الهيروين لبلوغ هذه الأرقام.

وتعتبر الخسائر المادية للحملة ضد المخدرات في أفغانستان أقل الجوانب التي تؤخذ في الحسبان. لكن البيانات عن العمليات الناجحة التي تحققها الطائرات دون طيار في الحملة، لديها جانب في منتهى الخطورة، حيث أنها تثير غضب الشعب على منفذي هذه العمليات.

ويؤكد غول محمد، الذي يمارس نشاط زراعة الخشخاش في هلمند، أن “معامل المخدرات تقام في العادة وسط السكان المدنيين، وهذا يؤدي إلى مصرع أبرياء، إذا سقط صاروخ على المنزل المجاور”. أما ديفيد مانسفيلد، الذي لديه العديد من الصلات مع هلمند، فيوضح أنه في اليوم الأول من الحملة سقط تسعة مدنيين بينهم ستة أطفال.

20