طائرات دون طيار تتعقب لصوص الآثار في الأردن

الأربعاء 2015/04/08
الطائرة المبتكرة التقطت صورا تظهر بدقة تاريخ عمليات نهب آثار المقبرة

عمان - في مقبرة مترامية الأطراف تعود إلى العصر البرونزي في جنوب الأردن، طوّر علماء الآثار أسلوبا فريدا لسبر أغوار العالم السرّي لنهب الآثار. فقد تمكّن الباحثون، عبر التقاط صور بطائرة دون طيار، من تحديد موقع نهب تلك المقابر التاريخية بدقة وحتى زمن نهبها.

ابتكر تشاد هيل، عالم الآثار في جامعة كونيتيكت، طائرة من دون طيار مخصّصة لرصد عمليات نهب للآثار في مقبرة عمرها 5 آلاف عام في جنوب الأردن، تسمّى “فيفا” ولم تكن قد وضعت على الخرائط بعد.. العملية، التي جُرّبت على جزء من المقبرة، أعطت أكلها، وأضحت كفيلة بكشف السرقات الأثرية حتى القديمة منها.

استخدم عالم الآثار تشاد هيل، طائرة دون طيار، في جنوب الأردن.

وتقوم الطائرة المبتكرة بالتقاط صور تظهر بالتفصيل الدقيق تاريخ عمليات النهب التي غيّرت المشهد الطبيعي في المنطقة. وتُعدّ عملية تحرّ دقيقة ومعقدة تبدأ بموقع المقبرة، غير البعيد عن البحر الميت في الأردن، وتنتهي عند هواة جمع الآثار في مختلف أنحاء العالم.

واستنادا إلى تلك الصور وإلى أحاديث أجراها علماء الآثار مع بعض لصوص الآثار ممّن حازوا على ثقتهم، يحاولون تتبع الأواني المسروقة، وغيرها من القطع الفنية الأثريّة، حتى وصولها إلى التجار والمشترين.

ويأمل العلماء في الوصول إلى فهم أفضل لعمليات النهب التي حصلت قديما وللسوق السوداء لبيع الآثار، وهو ما قد يمكنهم من وقف نزيف عمليات نهب الآثار في الوقت الحاضر.

ترأس موراغ كيرسيل، أستاذة الآثار بجامعة دي بول بشيكاغو، مشروع “اتبع الأواني”، وقد أعربت عن أملها في أن تكشف طريقة التصوير من الجو عن أحدث مواقع النهب بمقبرة فيفا التي يعود تاريخها إلى 5 آلاف عام، ويتم الربط بين هذا النهب وبين أواني العصر البرونزي التي تظهر فجأة لدى التجار.

كما تقوم كيرسيل بتبادل البيانات مع وزارة السياحة والآثار الأردنية، بهدف مكافحة نهب الآثار وتهريبها.

أعضاء فريق البحث ساروا، مؤخرا، عبر مقابر مدمرة وأحذيتهم تدوس عظاما قديمة، فيما كانت طائرة من دون طيار صغيرة الحجم تحلق فوقهم.

28084 آنية نهبت من مقابر الأردن، ثم روجت في لندن بما يزيد على 5 ملايين دولار

وأفاد الخبراء أنه خلال السنوات الأخيرة تزايد استخدام الطائرات دون طيار في مجال الآثار، حيث حلّت محلّ الطائرات الورقية والبالونات ومناطيد المراقبة، في عمليات مسح مواقع حفر يصعب الوصول إليها.

وابتكر تشاد هيل الطائرة دون طيار، وحلق بها فوق جزء من المقبرة لم يكن قد وضع على الخرائط بعد. والتقطت الطائرة صورا مكنت هيل من رؤية تفاصيل تغيير عمليات النهب للمشهد الطبيعي هناك. ويقول “يمكننا رؤية التغيير عبر الزمان، ليس مجرد حفرة كبيرة تمّ حفرها”، بل أيضا مواقع تحريك الأحجار المختلفة.

وتضم المدافن، الواقعة في سهول البحر الميت بجنوب الأردن، نحو 10 آلاف مقبرة، تمثل جزءا من تراث أثري ضخم بالمنطقة، وهي تشبه سطح القمر غير المتساوي نتيجة أعمال النهب، وتمتد نحو 3700 حفرة حتى الأفق، تتناثر فيها بقايا هياكل عظمية وحجارة مكسرة. ومن عادة لصوص الآثار أن يتركوا بقايا العظام البشرية ويستولون فقط على القطع الفنية المحفوظة جيدا.

وتقول كيرسيل، وهي تلتقط سوارا مكسورا من الصدف، ربّما يعود إلى الحضارة المصرية القديمة “أقضي أيامي هنا وأنا أطأ بقدمي عظام رفات الموتى”.

من ناحية أخرى، يوضح محمد الزهران، مدير متحف البحر الميت القريب، أن أسباب انتشار عمليات السلب والنهب يعود إلى ارتفاع معدل البطالة. ففي الأردن تبلغ نسبة البطالة 12 بالمئة، وهي ضعف تلك النسبة بين الشباب.

من جهته يرى نيل برودي، الباحث بالمركز الاسكتلندي لأبحاث الجريمة والعدالة بجامعة غلاسجو، أن الآثار المنهوبة نادرا ما تحقق ثروات لناهبيها المحليين، بل على العكس تتحقق الثروات في أوروبا وأميركا.

بعض القطع الفنية المسروقة من مواقع أردنية تصل في نهاية المطاف إلى إسرائيل

ويضيف برودي أنّ هوامش الربح ترتفع كلما انتقلت القطع الفنية من اللص إلى الوسيط، ثم التاجر، فالزبون النهائي. وقد درس برودي عمليات النهب بموقع أثري أردني آخر، يسمى باب الذراع، حيث آثار العصر البرونزي المبكر، وذلك دون استخدام طائرات دون طيار.

ويقدر أن يكون لصوص الآثار قد دفعوا حوالي 10.500 دولار مقابل الحصول على 28.084 آنية بيعت لاحقا في لندن مقابل ما يزيد على 5 ملايين دولار، وأحيانا كان يكتب عليها أنها قطع فنية من العهد القديم.

كما كشفت أبحاث برودي أنّ قطعة فنية تم بيعها لاحقا مقابل 275 ألف دولار، وتمت مبادلتها في البداية بخنزير، كما وجد أن تمثالا لإله هندوسي راقص تمّ شراؤه بنحو 18 دولارا، ليباع في نهاية المطاف مقابل 372 ألف دولار.

ويعترف إيتان كلاين، نائب مدير وحدة مكافحة سرقة الآثار في هيئة الآثار الإسرائيلية، أن بعض القطع الفنية المسروقة من مواقع أردنية، ومنها المقابر بالطبع، تصل في نهاية المطاف إلى إسرائيل.

وتقول كيرسيل، من مشروع اتبع الأواني، إن بعض لصوص الآثار أبلغوها بأنهم يبيعون سلعهم لوسطاء من العاصمة الأردنية عمان أو بلدة الكرك الجنوبية.

وتضيف أنّ سلسلة تعقّب الأواني تتوقّف عند هؤلاء الوسطاء، غير أنّها تتمكن أحيانا من التقاطها عند الطرف الآخر، من خلال مقارنة تاريخ وتوقيت عملية النهب بظهور الآثار للبيع في أسواق العالم.

وبالإضافة إلى مراقبة المقابر، في إطار حملة مكافحة النهب، تقيم كيرسيل ورش عمل محلية تتركز حول شرح كيفية التربح من الآثار بشكل قانوني، ويشمل ذلك تصنيع وبيع نسخ مقلدة، غير أنها تقول إنه سيكون من الصعب وقف عمليات النهب مادام الطلب على القطع الفنية مرتفعا.

وتوضح من داخل أحد المقابر المنهوبة في فيفا “الناس لا يسألون عن مصدر تلك القطع الأثرية.. إنّهم يرغبون فقط في امتلاكها بغض النظر عن خلفيتها، وهذا ما يشجع الناس على القيام بعمليات النهب”.

20