طائرة الرئيس

الثلاثاء 2013/08/20

في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي عبنا على السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء المنتخب تخطيه للمحيط الحيوي للسودان ومصالحه المباشرة في توجهه مدفوعا بمقاصده نحو إيران. هذا التوجه أدى إلى تقاطعات مع الحزب الشريك (الاتحادي الديمقراطي)، مدفوعا في ذلك بضغط المؤسسة العسكرية، – ومذكرتها التي فتحت الطريق لانقلاب البشير في يونيو 1989م،- بموازنة الخلل بعلاقة خاصة مع العراق أنتجت تزويدا للجيش السوداني بالراجمات التي أسهمت بدورها في استرداد مدينتي الكرمك و قيسان من الجيش الشعبي (قرنق) على الحدود السودانية/ الأثيوبية. من قاموا بانقلاب يونيو 1989، استعملوا أيضا حاجة المؤسسة العسكرية للعتاد الحربي، وتأرجح ميزان السياسة بين شريكي الحكم كحصان طروادة في شل إرادة الآخرين من التحرك الإيجابي المطلوب لإجهاض الانقلاب بواسطة المؤسسة العسكرية أو قوى المجتمع المدني الحية الفاعلة.

معاهدنا وجامعاتنا ومراكز البحث العلمي كانت ترصد الخطط، والتنفيذ على أرض الواقع، وعشرات المليارات التي صرفت لتأمين انسياب النفط من دول الخليج العربي بما فيها العراق للعالم الحر، درءا لأزمة نفطية أشبه بتلك التي حدثت بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر1973، عندما استعمل العرب سلاح النفط لإكمال ما حققه الصدام بالنيران في عبور القناة و فتح الطريق نحو تحرير سيناء و ربما الجولان لاحقا.

ذلك الصرف الخرافي الذي فاق الثلاثمائة مليار دولار وقتها، من خطوط أنابيب نفط (الجبيل/ ينبع – وأم قصر/ ينبع – والرميلة/ ينبع) وعقود تسليح شملت نظام القيادة والسيطرة المحمول جوا والمعروف باسم (أواكس)، و نظام القيادة والسيطرة (صقر السلام) وطائرات التفوق الجوي الـ «أف 15» وقاذفات الـ «أف 16»، و صفقة اليمامة لطائرات التورنيدو، وذات الصواري البحرية، هذا غير ما صرفته الإمارات العربية والكويت، وخط أنابيب الشارقة/ الساحل العماني، لتجنب احتمال إغلاق مضيق هرمز، كنتيجة محتملة لإفرازات الحرب العراقية/ الإيرانية، وما قد يكون لذلك من أثر على خطط التنمية في البلدان المذكورة من دول مجلس التعاون الخليجي، والاستقرار الاقتصادي لحلفائهم في منظومة العالم الحر.

بأفول شمس القرن الماضي تحول البحر الأحمر إلى أهم شريان حياة للاقتصاد والطاقة. وبدخولنا في قرن جديد وألفية جديدة تغيرت قواعد اللعب، و قواعد حرية المناورة والتوازنات. فعلى المستوى العسكري التعبوي أصبح الجيل الرابع للحروب (الحرب المتوازية) والجيل الخامس للحروب (الحرب السبريانية) وخصخصة الحروب واقعا ملموسا على الأرض. وعلى المستوى الاستراتيجي ضاقت حرية المناورة بالعولمة وانتفاء الثنائية القطبية.

من يخططون سياسة السودان الخارجية والدفاعية بطريقة يفترض أن ترعى المصالح الحيوية للدولة، يعلمون تمام العلم أن مجال المناورة أمام السودان محدود للغاية. فالبحر الأحمر اكتسب أهمية قصوى كشريان رئيس لمرور الزيت العربي نحو أسواقه التقليدية في دول العالم الحر في الغرب، وفي بلدان النمور الناهضة في الشرق. ولكن نشط القراصنة – لغياب الدولة في الصومال- في بوابته الجنوبية عند باب المندب، وأصبحت هناك حرب بالوكالة بين المملكة العربية السعودية وإيران تدور بين الدولة اليمنية والحوثيين. والوضع المأزوم في غزة وفي سيناء في مصر يمكن أن يصبح خطرا لاحقا على قناة السويس، الأمر الذي دفع بالأسطول الإسرائيلي لتكثيف وجوده في البحر الأحمر وجزره شبه المهجورة حماية لثغره الجنوبي في إيلات، ومراقبة للأسطول الإيراني الذي وجد أن الكارت الاستراتيجي في يد إيران ممثلا في الخليج ومضيق هرمز لم يعد كرتا ذا قيمة، نتيجة للخطط سابقة الذكر، وتمركز الأسطول الأمريكي الخامس – بعد حرب الخليج الثانية – في البحرين.

فقد السودان ثلثي إنتاجه النفطي من الحقول الجنوبية نتيجة انفصال الجنوب، ونتيجة شبهة صفقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بأن تغمض الولايات المتحدة عيونها عن تزوير انتخابات عام 2010 لصالح المؤتمر الوطني والرئيس، مقابل تزوير الاستفتاء لتقرير مصير جنوب السودان، أو عدم عرقلته على الأقل لصالح الحركة الشعبية، حيث انتهى بنا الأمر من دولة واحدة ذات نظامين إلى دولتين بنظام واحد، هو سيطرة النخب التي لا ترى ولا تنظر إلا إلى مصالحها الشخصية الضيقة. 80 % من مغتربي السودان الذين يضخون في شريان الاقتصاد السوداني ما بين اثنين إلى ثلاثة مليارات دولار سنويا هم بالمملكة العربية السعودية و بقية دول مجلس التعاون الخليجي، و 90 % من تجارتنا البينية غير النفطية مع هذه الدول، وجل الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية والمنح من هذه الدول أيضا، وبوابة السودان لتحسين علاقته مع الغرب ورفع المقاطعة الاقتصادية الأمريكية الثنائية كرأس جسر لدخولنا من جديد للصناديق المالية الدولية وإعفاء ديوننا يمر عبر المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، و بتحسين سلوكنا كدولة منصاعة لنواميس السياسة الكونية في قرنها الجديد ونظامها الكوكبي الجديد، دون عنتريات لا أقدام ولا سيقان لها.

في هذا المناخ والغيوم السوداء تحيط بنا كدولة من كل جانب، والكوارث البيئة تعصف بضعاف المواطنين في غياب تام للدولة، يقرر البعض القيام برحلة «جيمس بوندية» لإيران لم تراع فيها لا قواعد السياسة ولا قواعد البروتوكول، ولا مهنية قواعد المرور الجوي العابر. لتكن النتيجة (لفت نظر) من الإخوة السعوديين- خاصة والطائرة متجهة لإيران- بإرجاع الطائرة متضمنة لرسالة بأن وجود الأسطول الإيراني بزياراته المتكررة لشواطى البحر الأحمر الغربية، وفي ميناء مواجه لميناء ينبع ( أكبر محطات تحميل النفط في العالم – 15 مليون برميل في اليوم) أمرٌ ذو تكلفة عالية ولم يعد شيئا محتملا. فإيران ليست دولة مطلة على البحر الأحمر، و الوجود البحري الإيراني سيدفع بأساطيل أخرى من خارج المنطقة للدخول لموازنته، وأمن البحر الأحمر مسئولية دوله المطلة على شواطئه فقط إن أردنا للمنطقة الاستقرار.

8