"طائر أزرق نادر يحلق معي" رواية العذاب والأمل

الجمعة 2014/06/13
فاضل استعار أسلوب ابن المقفع كي ينقل واقعا مريرا

في تقليد جديد يسعى به كاتبه إلى استعادة تراث أدبيّ حافل، يتّخذ من أسماء الحيوانات والطيور عناوين كبرى للنّصوص، يأتي عنوان رواية الكاتب المغربي يوسف فاضل الصّادرة عن دار الآداب “طائر أزرق نادر يحلّق معي” (وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربيّة 2014)، كما فعل في روايته الأولى “قط أبيض جميل يسير معي”، ويستعير فيها أيضا وظائفه على نحو ما تجلّى في سفر “كليلة ودمنة” لابن المقفع، حيث يُعطي الكلبة “هندة” مساحة سردية لرواية ما شاهدته من فظائع قهر المعتقلين السّياسيين، ودفنهم أحياء.

من فرط ما رأت تدين الكلبة “هندة” ما حدث في شهادتها: “لا يوجد مخلوق يدفن مخلوقا آخر حيّا، لا الحشرات ولا الحيوان ولا الجماد؛ كنت أغلي بداخلي، الكلاب ليست بشرا، لها أحاسيسها وإن كانت بسيطة، تعرف ما هو الألم والبؤس والفرح والسعادة”.


شهادة كلبة


تأتي رواية الكلبة شهادة على تجرّد بني البشر من الإنسانيّة، وَسخرية من واقع مرير شاهدته، والأدهى هو رفضها أن تبقى مع الكومندار حتّى لا يكون مصيرها مثل الذين دفنوا أحياء، كنوع من التمرّد، الذي فشل فيه البشر.

لا يتجاوز زمن الرواية اليوم الواحد؛ فيقدّم فيه الأبطال “زينة وعزيز وختيمة وبابا علي وبنغازي والكلبة هندة” شهادتهم عمّا حدث في مواقيت دقيقة، يسجلها أعلى النص، إلا أنّه ينحو إلى التّشعّب عبر تفريعات تحكي أحداثا استغرقت حوالي ثماني عشرة سنة هي مدّة رحلة بحث زينة عن زوجها عزيز، فتبدأ الأحداث في التسعينات ثمّ ترتدّ إلى الخلف حيث زمن وقوع المأساة الفعليّ في عام 1972، معتمدا على السّرد التذكّري، في حركة دائرية بين زمن الإطار والزمن الفعليّ حتى تنتهي الأحداث بالزمن الذي بدأت فيه، كنوع من السّرد الدّائري. يتخذ فيه الكاتب المغربي من حادثة القنيطرة الشّهيرة.


رحلة بحث


رواية الأمل الذي لا يجب أن نفتقده حتى ولو كان كل شيء محبطا حولنا

تأخذ الرّواية في حكاية زينة مسار الرّحلة، فتبدأ من خلالها البطلة في رحلةَ بحث عن عزيز وعن ذاتها، وذات أختيها اللتين تفتّتتا من جرّاء أوضاع اجتماعيّة أولا، ثمّ أوضاع سياسيّة ألقت بحبيبها الذي أنقذها من القوّاد (جوجو) في داخل المعتقل، وكان يعتبره الكولونيل سببا في أزمة البلاد التي سقطت أسيرة للجنرالات ورجال الأعمال الذين احتكروا كلّ شيء لأنفسهم.

بدأت الرحلة وهي في السّادسة عشرة من عمرها وتواصلت معها إلى أن بلغت الرّابعة والثلاثين من عمرها، مصرّة على البحث عنه رغم أن أختها ختيمة قالت لها «انسي» وكذلك الجيران إلا أنها ظلّت ترافقها فكرة ضبابية عن مكان قد تعثر فيه على عزيز، دون أن تفقد الأمل، في بعض الأحيان تلوم نفسها على أنها لم تفكّر فيه لمدة أربع سنوات. وما إن رأت الرّجل في الحانة حتى عاودها طيفه من جديد، بعد أن دسّ في يدها ورقة يخبرها من خلالها بمكان وجوده في أحد المعتقلات في الجنوب.

يوسف فاضل يحلق مع الطائر بحثا عن الأمل

تتفرع حكايات كثيرة إلى جانب رحلة البحث، عبر الاسترجاعات التي تمثّل عنصرا أساسيا يقوم عليه السّرد، عن واقع اجتماعيّ مشوّه، تُلخصّه المرأة التي تجلس إلى جوارها في جملة معبرة «لست راضية على أيّ شيء فيها»، وفي حكاية زواجها الفاشل برجليْن أنجبتْ منهما عددا كبيرا من الأطفال دون رغبة منها، هو نفسه هذا الواقع الذي قاد زينة وأختها إلى درب من المهانة والذّل؛ حيث أب فقير تزوّج بأخرى (بعد موت أمهما)، عاملتهما معاملة سيئة، فتهرب هي وأختها إلى طريق مجهول، انتهى بهما لأن تقعا فريستين للقوّاد جوجو والقوادة للّالة زهرة، فتحترف ختيمة الدعارة، وصولا إلى زواج زينة من الطيّار عزيز، ثم اختفـــائه بعد يوم واحد من زفافهما.

يتوازى هذا الواقع الاجتماعيّ القاسي مع حكاية عزيز وعمّه الذي كان يسيء معاملته، حتى التحاقه بمدرسة الطيران وعلاقته بالكومندار الذي كان دائما ساخطا متطلعا إلى الغد بقوله لعزيز: “لا تنس الغد، الغد هو يومنا جميعا”، وهو الغد الذي جاء بأسوأ مما حلم به.

الحكايات مروية جميعها بضمير المتكلم “أنا”، عبر أصوات مختلفة تتناوب السّرد تحكي الحكاية من منظورها؛ الكلبة هندة وزينة وبابا عليّ وختيمة وعزيز الذي يروي مشاهد تعذيبه داخل السّجن، من خلال وصف قسوة المكان الذي جعله يتآلف مع وحشته وسجنه، كما يتآلف أيضا مع كائنات المكان كالفأر والعقرب، ويعمد المؤلف إلى الوصف على نحو الوصف الدقيق لحالة القهر البدني التي يعاني منها السّجين، ثمّ حالة الإبادة المتمثّلة في عثوره على عظام أجساد مدفونة في الحائط، ودفن الجسد حيّا ورميه في الجير كما في حالة الراوي (عزيز) نفسه، وقد يميل السرد إلى الاستيهامات وأحلام اليقظة والتخيلات هروبا من الواقع المُحْبِط، على نحو ما كانت تعيشها زينة وهي في رحلة الباص.

التعدّد هو قرين الرّواية حيث الأصوات المتعدّدة، والزمن المتأرجح بين ماض وحاضر، وكذلك تأتي اللّغة متعدّدة، فقد مال الكاتب في كثير منها إلى إدراج اللّغة المحليّة الدّارجة التي تمثّل صعوبة للقارئ غير المغربي وإن جاءت لتأكيد الهوية رغم كلّ ما يدفع إلى الهروب والاغتراب عن المكان، وفي بعضها الآخر وظّفها الكاتب لنقل الحدث وكأنّها كاميرا تبرز التفاصيل الدقيقة، إلا أنّ هذا لا يمنع من وجود فائض لغوي كان من الممكن الاستعاضة عنه، وهو ما أفسد متعة التواصل.

تأتي رواية الكلبة شهادة على تجرد بني البشر من الإنسانية، وسخرية من واقع مرير

ومن التعدّد أيضا المزج بين العالم الواقعي الأرضي القاسي كما توضح في التعذيب، أو شواهد التعذيب داخل الجدران، أو حتى تأكل فيه الفئران جثث الموتى، والعوالم الشّاعرية الرّفيفة التي تتوق إلى الحلم بالتحليق عاليا عبر تحدّث البطل مع الحيوانات واختلاق الطائر الذي كان بمثابة الأمل في النور والرمز للحرية والانعتاق.


أمل رغم كل شيء


مع كلّ ما حدث إلا أنّ الأمل هو هدف الرّواية الذي سعت إليه، منذ أن تشبثت به زينة، رغم ما عاشته من قهر اجتماعيّ وجسديّ وترهيب إلا أنّها انتصرت بوصولها إلى المكان، فقد عاشت مدفوعة بأمل داخلي وحيد هو أنّه لم يمت “وأنها ستعثر عليه في النهاية”، وهو الأمل الذي دفعها إلى أن تَخال نفسها بعد عمر مديد: “أحبّ أن أَرى نفسي منتصرة في يوم من الأيام يملؤني هذا الشعور فرحا كبيرا.. الأمل يحدوها رغم ما تعرضت له وتتعرض له من ابتزازات”، العجيب أنه قد كان نفس الأمل الذي يخايل السّجان بأن تَقبل الإدارة طلبه للحجّ كنوع من التكفير عن ماضيه. وفي الجملة هي رواية الأمل الذي لا يجب أن نفتقده حتّى ولو كانَ كلّ شيء مُحْبِطا حولنا.

15