طائر الفينيق يحلق فوق القلعة البيضاء

الأحد 2016/01/03

تقول الأسطورة المتوارثة جيلا بعد جيل أن طائر الفينيق أو “العنقاء” مثلما جاء في الحكايات العربية خرج من تحت أنقاض الرماد بعد وفاته طائرا أكثر قوة وبهاء وجمالا، إنه طائر حتى وإن مات فإنه لا يستسلم للفناء، هو خالد بكل تجلياته يرفض أن يقضي عليه الموت، وفي كل مرة يموت خلالها، ثم يحترق ينتفض وينفض جناحيه ليطير من جديد.

يا لها من أسطورة باتت منذ أمد بعيد وبقيت إلى اليوم مضربا للأمثال ومجالا خصبا للخيال في كل مناسبة يتم خلالها الحديث عن بطل أو شخصية تحدت الظروف واستعادت الروح في الرمق الأخير من هذه الحياة الفانية أصلا، لكنها قد تقدم بعض الصور والملاحم التي يتسيّدها أبطال يرفضون الفناء والانتهاء.

صورة جميلة من المخيال العربي أحالتنا بسرعة إلى أحد اللاعبين الفرنسيين الذي نجح في ظرف لا يتجاوز الأشهر المعدودة أن يعود إلى الواجهة الأمامية للنجوم المتلألئة، ويقدم نفسه من جديد وكأنه ولد من جديد.

هو التونسي الأصل صاحب الثمانية والعشرين ربيعا حاتم بن عرفة لاعب نيس حاليا، وصانع الفرجة والأهداف في الدوري الفرنسي في الموسم الحالي.

إن الحديث عن بن عرفة رغم أنه ليس نجم شباك أو هداف أحد الفرق القوية والعريقة مرده الأساسي ما حصل في مسيرة هذا اللاعب الذي أوشك على الاعتزال المبكر بسبب مشاكل جمّة، قبل أن يستيقظ وينتفض من تحت الركام ويقدم نفسه من جديد في أبهى صورة مع فريق مغمور حقق معه نتائج رائعة وقاده إلى المراكز الأمامية، حيث يوجد الفريق حاليا بفضل بن عرفة في المركز الخامس وبفارق لا يتجاوز ثلاث نقاط عن صاحب المركز الثاني المؤهل لمسابقة دوري الأبطال.

لقد سجل هذا اللاعب سبعة أهداف في 19 مباراة، وهي أهداف جمعت بين الدقة والمهارة والجمالية، ما جعله حاليا أحد أبرز نجوم الدوري الفرنسي.

نجاح كبير في ظرف لا يتجاوز أربعة أشهر جعله يستعيد كبرياءه ومكانته، ويكون ضمن المدعوين للعب مع المنتخب الفرنسي الذي يستعد لاستضافة ضيوفه في منافسات أمم أوروبا الصائفة المقبلة.

ومع ذلك دعونا نستحضر بعض فصول قصة هذا اللاعب الذي كاد يلفه النسيان وتنتهي علاقته بكرة القدم، فـ”طائر الفينيق” الفرنسي صاحب الأصول التونسية انطلقت مسيرته كأفضل ما يكون، حيث تكوّن في أحد أحسن مراكز التكوين في فرنسا ولعب مع نادي ليون المعروف وصاحب البطولات العديدة في السنوات الماضية.

نجاح ظرفي عقبه انضمام إلى نادي أولمبيك مرسيليا أكثر الفرق شعبية في الدوري الفرنسي، غير أن الفتى الموهوب تعرض لبعض المشاكل المتعلقة أساسا بشخصيته الغريبة ومزاجه المتقلب، فآثر الخروج من الفريق والتحليق نحو فضاء أرحب لتحمّله رياح الشمال إلى الأراضي الإنكليزية، فاختار تقمص زي نادي نيوكاسل، لعب وحاول الاجتهاد، لكنه سقط، تحامل على نفسه وأراد التغلب على الإصابات التي أثقلت كاهله، لكنه لم يعد يقوى على الطيران والتحليق كما كان في سنوات عمره الأولى.

نزع بعد ذلك رداء نيوكاسل، وفكر ثم قدّر، فاختار قبول عرض نادي هال سيتي الذي نشط بدوره الموسم الماضي في الدوري الإنكليزي، لكن مرة أخرى يفشل في التحليق من جديد فسقطاته استمرت، وكلما أراد العودة إلى الفضاء الرحب والتحليق عاليا طاردته لعنة نادي ليون الذي أصرّ في بداية مسيرته المحافظة عليه، لكنه أبى وتكبر وأصر على الرحيل من موطنه.

حاول بن عرفة لكنّه فشل، خمّن وخامرته فكرة الرحيل النهائي والاعتزال، وبالتالي نسيان فكرة مسابقة الرياح، ذلك الفشل كان بمثابة السقطة الأخيرة التي كادت تكتب شهادة “وفاته” كلاعب موهوب أحبطت الظروف كل محاولاته وأردته “قتيلا”.

ومع ذلك أبت أسطورة “العنقاء” العنيدة، إلاّ أن تمنح بعضا من سحرها لهذا اللاعب الذي جاءه عرض من نادي نيس، قبل به دون تردد.

عدد قليل من المباريات جعلت طائر الفينيق ينتفض من جديد، وتمكن هذه المرة من التحليق باسطا جناحيه في سماء الأراضي الفرنسية، عاد ليطير، لكنه لم يسقط هذه المرة. غمرته السعادة واستعاد بعضا من الثقة التي مكّنته من مواصلة التحليق دون توقف.

حصد بن عرفة النجاح تلو الآخر وسجل أهدافا رائعة وقدم أداء سلب به الألباب و”أسال اللعاب”، رصدته أعين بعض الصيادين فاقتفوا أثره، بيد أن رحلة التحليق امتدت وبلغ مداها الأراضي الإيطالية فعبر نادي إنتر ميلان رغبته في التعاقد مع بن عرفة، ووصل مدى نجاح هذه الرحلة إلى الأراضي الأسبانية، حيث حلق الطائر فوق القلعة البيضاء، أي بيت نادي ريال مدريد.

آخر المعطيات تفيد أن مسؤولي الفريق الأسباني أكدوا أنهم يتابعون تألق بن عرفة وهم بانتظار جسّ نبضه، وفي صورة التأكد أن قلب “طائر الفينيق” مازال ينبض بالحياة والتألق والقدرة على النجاح والبروز، فإنه سيكون بلا شك صيدا ثمينا في سوق الانتقالات.

كاتب صحفي تونسي

23