طائر قلق

الخميس 2014/02/06

النظرة الدونية للآخرين، نبتة شيطانية ذات جذور تاريخية موغلة في القدم، غالباً ما ترتبط بمفاهيم عفا عليها الدهر كما يعتقد البعض، مثل التمييز العرقي أو الطبقي أو الديني وغيرها من المصطلحات التي تفنن في تسويقها أصحاب السوابق في تاريخ جرائم إبادة البشر. والتاريخ أيضا متخم بفترات ظلام لا حصر لها، حيث كان الإنسان يظلم أخاه الإنسان فيتجبّر عليه ويحكم عليه في بعض الأحيان بالموت، لمجرد انعكاس صورته، المغايرة، في مرآة مجتمع بغيض لا يرى إلا ملامح أصحاب النفود الطبقي.

وإذا اعتمدنا تفوق البشر في بعض المشاهد السلوكية، فإنهم، في مواقف معينة، متساوون إلى حد ما مع الحيوانات المفترسة التي تؤمن بنظرية البقاء للأصلح.

وقبل أن تستقر عظامها تحت أقدام السابلة اليوم، كانت هنالك بعض المجموعات البشرية التي ادعت التفوق، فنظرت إلى التمييز على أنه أمر طبيعي قد يطال أجناساً أخرى من البشر هم أقرب إلى الحيوانات الداجنة التي تذبح يوميا لتقدم طعاماً لسيدها الأحمق.

اليوم، ما زال بعض أحفاد الحمقى أفرادا وجماعات، يمارسون شعائر احتقارهم لبني البشر، مع إضافة بعض النكهات المتحضرة على مذاقه؛ فالنظرة الدونية لبعض الشعوب تبنى على مبدأ التعميم الذي ينسف نظرية الفروق الفردية بين الناس، فيحيلهم إلى عجينة نمطية مستسلمة لتنصهر في قالب سلوكي واحد.

كما أن التفوق العرقي خرج عن إطاره التقليدي بعض الشيء؛ فأصبح الثراء والاستقرار السياسي سمة تمنح أصحابها الحق المطلق في التطاول على الآخرين وإهدار كبريائهم.

كان وما يزال الأجير الذي ينتمي إلى (العرق) الآسيوي.. هندي أو فلبيني أو إندونيسي في رأس القائمة؛ فهو إنسان من الدرجة الثانية في نظر بعض المواطنين العرب الذين حباهم الله بموهبة احتقار الآخر. فهذا الكائن القادم من بلد تنكر لأبنائه وحجب عنهم نعمة العمل والعيش بكرامة، كان عليه أن يختار بين الموت جوعاً أو العمل الشاق والرزق الذي صار يضيق على مقاس حاجاته أغلب الأحيان، كما جبل على أن يروّض غيضه ويبلع ألمه ويعض على كبريائه.. ليحافظ على مصدر رزقه هذا، في الوقت الذي يمارس فيه الطرف الرابح تعاليه وعجرفته التي امتهنها بحكم تفوقه المادي وتقاليد أبناء جلدته. وهكذا، ارتبطت مفردة «هندي» مثلاً، بالتعبيرات التي تستخدم للتقليل من شأن الناس من باب السخرية.

وحين دارت الدوائر، وتركت الحروب والثورات والأزمات الاقتصادية، ظلالها القاتمة على بعض مواطني الدول العربية، الذين دفعتهم رياح الحرب إلى خارج الحدود للبحث عن خلاصهم في لقمة عيش بسيطة مغمسة بالأمان. وقعوا في شرك التصنيف والتمييز في أبشع صوره؛ وكان هذا (الانحدار) في الطموحات مدعاة لاستغلال الطرف الآخر الذي تسيّد الموقف فأطعم الهاربين من نيران غير صديقة لقمة مرّة، شرط خضوعهم لتصنيف دنيوي آخر في قائمة الأصلح، فصاروا لاجئين من الدرجة الثانية أو الثالثة وسرعان ما سلب منهم رداء الكبرياء.

الوقائع ما زالت جديدة حيث خرجت لتوها ساخنة ومعفرة بالرماد من مواقد مجتمعات عربية تمتهن التعالي على عباد الله الهاربين.. فتؤرخ لتفوقها، المفتعل، وتدون صفحات سوداء أخرى في كتاب التمييز بين البشر.

يحدث كل هذا لأن الحكومات بوسعها أيضاً أن تجرب التمييز حين تطابقه على واقع السياسة، لتحكم على من يعارضها بالنفي من الدنيا.. كما تتبناه المجموعات الدينية المتعصبة كسلاح فتاك لمن يخالفها الرأي، لتحكم عليه بالنفي من الآخرة.

وهكذا، فقد يجد أحدنا نفسه، ومن دون سابق إنذار، لاجئاً في شوارع الدنيا والآخرة من دون غطاء يقيه عواصف الشتاء وحرائق الصيف، ومحكوم عليه بالسهاد المؤبد أو النوم وقوفاً على رجل واحدة، كطائر قلق.

21