طائر من الجنوب

السبت 2015/08/15

هذا الفتى الجنوبي الأسمر تعرفه كل الطيور المهاجرة، لحظات الغسق عند التقاء نهري دجلة والفرات وأشجار النخيل في البساتين اليابسة، الأغاني التي يرددها شعراء منسيون على حاشية الخراب وبقايا خطوات اللاهثين وراء لقمة العيش في الشوارع الساخنة، جدران بيوت الفقراء التي أكلتها الرطوبة وصور الشهداء ودكاكين الباعة وزواياها التي سكنها عنكبوت الحاجة، رؤوس البسطاء المليئة بالحروب والموت والجوع، وأغاني فؤاد سالم التي تركها على عتبة داره ورحل، الدموع في عيون أم بصرية فقدت وحيدها في حرب بعيدة والتجاعيد التي رسمها النسيان على وجوه الحِسان، نظرات الأب العاطل عن العمل الذي يعود إلى داره من دون أن يحمل كيس الطعام إلى أطفاله الجياع، وقاطرة اللعب والدهشة التي مرت على خاطر طفل يتيم.. الليل الطويل الذي لا يمنح نهايات سعيدة والعتمة التي حطت على وجه المدينة في أول الصباح.

كان منتظر الحلفي، الولد الأسمر النحيل، ضمن مجموعة من المدنيين العزل الذين خرجوا في ليلة العيد في احتجاجات سلمية على تردي واقع الخدمات ونقص تجهيز الكهرباء في منطقة شمال مدينة البصرة، جنوب العراق، عندما واجهتهم قوات الأمن بالرصاص الحي، فأصيب بطلقة في رأسه فارق على أثرها الحياة. انظم منتظر إلى قافلة شهداء الوطن ولم يكمل الثامنة عشرة من عمره، لكنه صار أيقونة سلام وبذرة حب اقتلعت من جذر ما زال ندياً من أرض الجنوب لتسافر بخفة حلم إلى عدد كبير من مدن العراق، فتورق ثورة مدنية سلمية تنادي بالتغيير والإصلاح مازال زخمها يتزايد وحماسها يتضاعف وأهدافها تتبلور مع الأيام.

الانتفاض على الظلم والقهر اختراع بشري بحت ومظهر من المظاهر التاريخية والإنسانية المشتركة، طالما جمع في توجهاته شعوباً من أدنى الأرض إلى أقصاها، على الرغم من تباين أشكالهم وأهدافهم وموقعهم من خارطة العالم، وكان هو المحرّض دوماً على طرق أبواب المخاطرة بالأرواح والممتلكات والثورة في وجه الاستبداد أياً كان. كل ما هنالك، أن تراكم الهموم واليأس في الأرواح وبلوغه مراحله الأخيرة لا بد أن ينقل السبات والصمت والاستسلام إلى مرحلة المبادرة، فالنيّة والفعل والعمل والصراخ إذا استدعي الأمر، ومهما كانت أطرها ومسمياتها.. ثورات، حركات تمرد، انتفاضات، هي عنوان واحد لجهد إنساني غاية في الرقي هدفه تغيير واقع بائس لا يلق بإنسانية الفرد.

وهذا الفتى الجنوبي كان هادئ الطباع، وربما كان القهر والصبر من طباعه الأخرى.. لكنه، في لحظة إحباط مريرة، سرعان ما تحوّل إلى شعلة غاضبة تسللت في غفلة من ليل بهيم أطبق على أنفاسه طويلاً ومعه رفاق الطفولة والجيرة والمدرسة، فخرج إلى حيث الجموع المثقلة بالظلم واليأس. آباء ومعلمون، فقراء ومضطهدون، بسطاء ومعدمون خرجوا إلى الشارع.. والشارع صديق قديم للغرباء وملاذ الفقراء والمهمشين، احتضن خطواتهم وتلقفهم كحزمة ضوء ساطعة أربكت الوجوه العابسة القابعة خلف البنادق. وقبل أن تغور الأقدام في أرض أصبحت هشة، تنامت سحب الدهشة فوق الرؤوس الخائفة فخرج الخوف عن السيطرة لينعش الموت في ضمائر مغيّبة، لكنها قبل أن تستفيق من الصدمة سبقتها الرصاصات إلى الأجساد الطاهرة.

21