طابور الفقراء يطول في لندن بالغة الثراء

متوسط إيجار المسكن ضعف أجرة العامل، والحد من ظاهرة الأسر المشردة خارج دائرة الاهتمام.
السبت 2018/08/11
وجبة غير مضمونة يوميا

لندن – في قلب حي المسارح بالعاصمة البريطانية لندن وعلى الجانب الآخر من فندق سافوي الفاخر حيث يصل سعر الليلة الواحدة فيه إلى 800 دولار، يقف العشرات من الأشخاص بصبر طويل في مساء صيفي حار.

هؤلاء الناس الذين اصطفوا في طابور طويل متعرج بالقرب من أحد فروع بنك “كوتس أند كو” الذي يقدم خدماته المصرفية لملكة بريطانيا، يقدمون صورة للندن المعاصرة، حيث تجمع رجال ونساء من كل الأعمار والخلفيات العرقية، بعضهم يتحدث باللغة الإنكليزية وآخرون يتكلمون باللغة البولندية مع خليط من اللغات الأخرى.

وكان بعض هؤلاء الناس يرتدون ملابس كلاسيكية من قميص وبنطلون وآخرون يرتدون الجينز وقبعات البيسبول. وكان أحدهم يرتدي زيا خاصا بإحدى شركات توصيل الطعام إلى المنازل.

ولم يكن هؤلاء ينتظرون شراء تذاكر عرض “ويست إند” ولا حجز مائدة في مطعم “غوردون رامساي”، وإنما كانوا ينتظرون وجبة غذائية تقدمها لهم إحدى الجمعيات الخيرية المحلية مجانا.

وتقول وكالة “بلومبرغ” للأنباء إن وجود صور الأغنياء إلى جوار الفقراء والمشردين ومطاعم الفقراء ليس جديدا في مدينة ألهمت الأديب  تشارلز ديكنز والأديب جورج أورويل، ولا حتى أمرا فريدا في المراكز الحضرية الكبرى في مختلف أنحاء العالم. لكن في بريطانيا يمكن القول إن هذا المشهد يعكس مجتمعا يعاني من الضغوط المتزايدة مع استنزاف طاقته السياسية في التعامل مع ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والتركيز على القضايا الملحة الأخرى.

حسنات قليلة لا تغني من جوع
حسنات قليلة لا تغني من جوع

ويقول لانسلي أحد الفقراء الواقفين في الطابور “هذا المشهد يرسم صورة مروعة عن مستويات الحرمان في ربوع بريطانيا، كما يرسم صورة عن حرمان الأجيال القادمة من فرص الحياة الكريمة”.

ويضيف “من الصادم والمروع، أنني أعيش في مجتمع تتزايد فيه مستويات الفقر بتلك الوتيرة السريعة، إنه مجتمع غير عادل، حيث تقوده سياسة خاطئة”.

وتعاني الحكومة البريطانية من شلل عملية صناعة القرار، ولم تعد قادرة على معالجة أسباب الوهم الذي أدى إلى تصويت غالبية الناخبين في بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي أجري في يونيو 2016، في حين أدت 8 سنوات وخفض حوالي 140 مليار جنيه إسترليني (184 مليار دولار) من النفقات العامة إلى تدهور الخدمات العامة والمساعدات الاجتماعية التي تقدمها الحكومة للمحتاجين في بريطانيا.

وترى وكالة “بلومبرغ” للأنباء أن ثراء وبريق لندن أكثر المدن الأوروبية عولمة، يخفيان طبقة من الوظائف الدنيا التي لا تعطي لأصحابها الدخل اللازم لتوفير احتياجاتهم الأساسية.

يقول شيان جيبسون الذي كان يقف في نهاية الطابور منتظرا بصبر طويل الحصول على وجبة عشاء من جمعية “أصدقاء مشردي أكسيس ولندن” الخيرية “لا أستطيع توفير ما يكفيني من الطعام لذلك علي أن أحصل عليه من أي مكان آخر”.

ويضيف أنه يعمل في توصيل الطلبات إلى المنازل ولا يحصل على دخل يكفي لسداد الإيجار وشراء الطعام الذي يحتاجه، مشيرا إلى أنه يحصل غالبا على 960 جنيها إسترلينيا كل ستة أسابيع، في حين أن متوسط إيجار المساكن في لندن ضعف هذا المبلغ “نصف الإيجار هنا يصل إلى 600 جنيه إسترليني أو أكثر، فكيف يمكن للناس تحمل هذا، إنه أمر مثير للسخرية”.

ووفقا للأرقام فإن معدلات التوظيف في بريطانيا وصلت إلى مستويات قياسية بفضل مرونة عقود العمل التي تتيح للشركات توظيف العمال وتسريحهم بسهولة، مثل عقد عمل جيبسون، لهذا فالاقتصاد البريطاني غني بما يكفي لكي يقرر بنك إنكلترا المركزي زيادة أسعار الفائدة، كما أن معدلات الفقر المدقع تراجعت إلى مستويات قياسية.

الشارع بيت الفقراء
الشارع بيت الفقراء

وقد أشار تقرير صادر عن مركز أبحاث “مؤسسة القرار” (ريزوليوشن فاوندايشن) يوم 24  يوليو الماضي إلى ارتفاع مستوى المعيشة في بريطانيا خلال العام الماضي بأبطأ وتيرة له منذ 2012.

وقد تحول ارتفاع الدخل، بحسب التقرير، في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في 2008 إلى تراجع بالنسبة لأفقر 30 في المئة من الأسر في بريطانيا. وفي حين أن لندن هي أغنى منطقة في شمال أوروبا، فإن بريطانيا تضم 9 من أفقر 10 مناطق في شمال أوروبا.

وبحسب أرقام مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني، فقد تراجع الإنفاق العام في بريطانيا إلى حوالي 38 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، مقابل 45 في المئة من إجمالي الناتج المحلي عام 2010. كما أظهر بحث أجرته جمعية “شلتر” (المأوى) الخيرية أن 55 في المئة من الأسر المشردة التي تعيش في مساكن الإيواء المؤقت تعمل.

وبحسب البحث المستند إلى طلبات حرية الحصول على المعلومات، فإن عدد هذه العائلات يبلغ 33 ألف عائلة بزيادة نسبتها 73 في المئة منذ 2013.

يقول محمد ناظر عضو الحكومة لشؤون الإسكان في منطقة “سلوه بروه” إن “كل إنسان يحارب من أجل البقاء على قيد الحياة الآن”، مضيفا بعد اجتماع  حول المشردين “الوعي الاجتماعي يتلاشى بسرعة”. في الوقت نفسه تقاتل رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي يوميا من أجل البقاء في زعامة حزب المحافظين ورئاسة الحكومة، وقد استقال ثمانية من أعضاء حكومتها منذ إعلانها خارطة طريقة للخروج من الاتحاد الأوروبي قبل أيام.

وظلت سياسات الحد من ظاهرة الأسر المشردة وتوفير التأمين الاجتماعي لجيل جديد من العمال الفقراء في الظل وخارج دائرة تركيز الحكومة بدعوى التركيز على قضية الخروج من الاتحاد الأوروبي.

يقول ستيفن ستوارت الذي أسس منذ 18 شهرا مع زوجته جمعية “أصدقاء مشردي أكسيس ولندن”، “من الصعب جدا معرفة ما إذا كان شخص ما مشردا لأننا نرى أشخاصا يرتدون ملابس جيدة ويعملون” لكنهم لا يكسبون ما يسد احتياجاتهم.

20