طاجيكستان تبتعد عن إيران

السلطات والقيادات الدينية في طاجيكستان تتهم إيران بالعمل على نشر أنشطة تخريبية وتقوم بإغلاق مركز للتجارة والثقافة الإيرانية في إقليم صغد بشمال طاجيكستان.
الثلاثاء 2018/06/12
محي الدين كبيري في ضيافة المرشد الأعلى في إيران

دوشنبه - تحاول إيران جاهدة الاحتفاظ بنفوذها في بعض المناطق الاستراتجية، خارج الشرق الأوسط، استعدادا للمسارات المحتملة للتصعيد الإقليمي والدولي الراهن ضدها. لكن، تشي التطورات أن الدائرة تضيق على إيران، خاصة وأن التضييق الإقليمي لم يأت فقط من الطرف العربي، بل أيضا من جهة آسيا الوسطى، وهي إحدى مناطق النفوذ الصامت لإيران، كما في شمال أفريقيا، المنطقة التي فشلت إيران في اختراقها.

ومؤخرا، اتهمت السلطات والقيادات الدينية في طاجيكستان إيران بالعمل على نشر أنشطة تخريبية. وفي خطوات عملية قامت السلطات الطاجيكية بإغلاق مركز للتجارة والثقافة الإيرانية في إقليم صغد بشمال طاجيكستان. وتزامنا مع قرار الغلق، تم حظر أعمال ومؤلفات الخميني وغيره من رجال الدين الإيرانيين.

وأفاد راديو أوزودي الطاجيكي أن المركز الإيراني قدم الدعم للكتّاب المحليين وأيضا للطلاب من الشباب من أجل الحصول على منح دراسية منظمة للسفر إلى إيران.

كما اتهم مجلس العلماء في طاجيكستان إيران بمحاولة زعزعة استقرار البلاد. وجاء بيان المجلس بعد أيام من مطالبة المظاهرات المناهضة لإيران أمام السفارة الإيرانية بعودة الطلبة الدينيين الطاجيك من إيران واتهامهم لها بمساندة التطرف والتخطيط للاغتيالات.

وذكر موقع “أرازيا نت” نقلا عن راديو أوزودي الطاجيكي أن عشرات من الأشخاص تجمهروا في 21 مايو أمام السفارة للنداء بشعارات ضد حزب طاجيكستان الإسلامي المحظور، والذي تدعمه إيران. يأتي ذلك بالتزامن مع قرار آخر لا يقل أهمية وهو معارضة طاجيكستان طلب إيران العضوية في منظمة شنغهاي للتعاون.

ولا يعد التصعيد الطاجيكي ضد إيران، وليد التطورات الدولية الأخيرة، بل سبق ذلك خطوات أخرى كثيرة، منها مطالبة مركز الدراسات الإسلامية “ميت” وهو منظمة تابعة للحكومة الطاجيكية، في أكتوبر 2017، السلطات الإيرانية بالتخلي عن الترويج للتشيع بين شبابها، مشيرا إلى أن إيران تستغل العلاقات مع طاجيكستان لنشر مذهبها.

ثم قامت السلطات الأمنية في طاجيكستان، بإغلاق المراكز الثقافية والتعليمية الإيرانية في العاصمة دوشنبه. وفي يوليو 2016، تم إغلاق مكتب الخميني للإغاثة، وهو صندوق تنمية دولي، في طاجيكستان.

واتبعت إيران في هذا البلد الواقع في وسط آسيا، نفس الاستراتيجية، المتبعة مع الدول في نفس المنطقة القريبة منها، أو في دول بعيدة جغرافيا وثقافيا عنها، كبعض الدول الأفريقية، حيث تستغل إيران الوضع الاقتصادي الضعيف في هذه البلدان، بالإضافة إلى نشاط المركز الثقافي ودعم البعثات التعليمية وتقديم المنح الجامعية، وفي دول مثل طاجيكستان، يضاف عامل القومية.

جيمس دورسي:  السعوديون يركزون أكثر فأكثر على عزل إيران دبلوماسيا
جيمس دورسي:  السعوديون يركزون أكثر فأكثر على عزل إيران دبلوماسيا

ولا يفوت إيران أن تعمل على دعم الجماعات المتمردة، من ذلك دعم محي الدين كبيري الذي تتهمه الحكومة الطاجيكية بتمويل تمرد الجنرال المنشق عبدالحليم نزار زاده، في العام 2015.

وكانت القوات الحكومية في طاجيكستان أجرت في سبتمبر من العام 2015 عملية أمنية، وقضت على نزار زاده ومعظم أنصاره، ثم حظرت السلطات حزب النهضة الإسلامي، وأصدرت بحق 17 من قادة الحزب أحكاما بالسجن لمدد تصل إلى 25 عاما. وقال مجلس العلماء إن إيران تمول موحي الدين كبيري، رئيس حزب النهضة الإسلامي المعارض الذي صنفته الحكومة تنظيما إرهابيا.

وكانت طهران استقبلت في ديسمبر 2015، محي الدين كبيري، حيث التقى بالمرشد الأعلى، علي خامنئي، لإجراء محادثات وتم تصويرهما وهما يتصافحان ويتبادلان التحيات الحارة، الأمر الذي أثار استياء طاجيكستان. 

وفي سنة 2017، صدر في طاجيكستان فيلم وثائقي، يتهم إيران بتمويل ودعم اغتيالات سياسيين وعلماء وصحافيين، أثناء الحرب الأهلية في هذا البلد الواقع في آسيا الوسطى في فترة التسعينات. ونقل الفيلم اعترافات ثلاثة من أنصار الجنرال نزار زاده، وقاد محاولة انقلاب الفاشلة في 2015.

وجاء في اعترافات المستجوبين أنهم تلقوا تدريبا خاصا في معسكرات بإيران في التسعينات وحصلوا على جوازات سفر إيرانية، ثم قاموا بأمر من نزار زاده باغتيال رئيس البرلمان السابق سفر علي كينجايف، وكذلك عدد من الصحافيين والمسؤولين والعلماء في الفترة بين عامي 1992 و2001.

وما فعلته إيران في طاجيكستان، كررته في لبنان والعراق واليمن ونيجريا وغيرها من الدول، وصولا إلى المغرب حيث كشفت الرباط مؤخرا أن طهران تعمل على دعم جبهة البوليساريو الانفصالية بما يهدد استقرار المغرب.

ويقول جميس دورسي، المحلل السياسي الأميركي، في تعليقه على التطورات الأخيرة بين طهران ودوشنبه، إن “التطورات الجارية في طاجيكستان (ومن المفارقات أنه بلد له روابط لغوية وثقافية بإيران) تعكس تصاعد المشاعر المتنامية المعادية لسياسات إيران، في بلدان مثل طاجيكستان وباكستان وماليزيا وإندونيسيا”، مشيرا إلى أن ” جـهود عزل إيران دوليا تأتي أكلها”.

ومن آسيا الوسطى إلى شمال أفريقيا، تواجه إيران ذات التصعيد الغاضب من سياساتها التخريبية، حيث أعلن المغرب قطع العلاقات مع طهران بسبب دعمها لجبهة البوليساريو.

ويربط جيمس دورسي بين هذا التصعيد والسياسة السعودية لتحجيم دور إيران، مشيرا إلى أن “الأحداث الأخيرة توحي بأن السعوديين يركزون أكثر فأكثر على عزل إيران دبلوماسيا”، وهو أمر ضروري لحماية الحدائق الخلفية للسعودية، وحماية المنطقة من مخططات إيرانية فوضاوية.

ويشير نيكولاي كوزهانوف، الخبير في معهد الشرق الأوسط في موسكو، إلى أن دول آسيا الوسطى لم تعد ترى نفسها على أنها تعيش في منطقة محصورة ومعزولة تعتمد كلية في علاقاتها مع العالم الخارجي على روسيا أو إيران. كما أن الوجود الأميركي والصيني والعربي المتزايد هناك أعطى هذه الدول إحساسا بأهميتها وخيارات أوسع بكثير لانتقاء الشركاء والفرص التي لا تبدو أن إيران هي الأكثر جاذبية من بينها.

وفي الوقت الذي توترت فيه العلاقات بين إيران وطاجيكستان، اتجهت الأخيرة إلى تحسين علاقاتها مع السعودية التي وافقت، مؤخرا، على شراء 51 بالمئة من رأسمال توجيكسوديروت بنك، وهو أكبر بنك في طاجيكستان ويعاني من صعوبات.

وكان الاستثمار السعودي منقذا للبنك بعد أن رفض مستثمرون آخرون هذه الفرصة ومن بينهم البنك الأوروبي للتعمير والتنمية.

6