طارق بكاري: المتشددون يغتالون العقل قبل الجسد

الرواية الأكثر نجاحا غالبا ما تكون تلك التي تحقق مزيجا متماسكا بين الخيالي والواقعي، مقحمة القارئ في عوالم واقعية متخيلة لتصعد أو تنزل به بعد ذلك في درجها إلى مستويات أخرى من نقد اجتماعي أو أفكار مستحدثة وغيرها من الإمكانات الواسعة واللامحدودة لعوالم الرواية كجنس أدبي. ثم من ناحية أخرى لا يهم إن كانت الرواية هي العمل الاول للكاتب او الأخير ففي الأدب عامة لا يمكن الجزم بتقسيم عمري او مرحلي صارم، وهذا ما أثبتته الروايات الأولى لبعض الكتاب والتي حققت نجاعة ونجاحا على حساب روايات أخرى تدخل في باب التراكم. وربما هذا ينسحب على الكاتب المغربي الشاب طارق بكاري في روايته الأولى "نوميديا". "العرب" كان لها اللقاء التالي مع الكاتب طارق بكاري في حديث عن الكتابة والثقافة وعن روايته الأولى.
الأربعاء 2015/09/23
الكتابة انتماء وهوية بديلة، أمام بؤس الانتماء للعائلة أو العرق أو الأيديولوجيا

يعتبر الكاتب المغربي طارق بكاري من الأصوات الروائية الواعدة في المغرب العربي، إلى جانب عمله كمدرس للغة العربية، أصدر هذا العام روايته الأولى “نوميديا” عن دار الآداب، والتي نتعرف فيها على أسلوب طارق بكاري وإنجازه لعمله الروائي بتأنّ، مختبرا أدواته الروائية ليقدم حكاية متماسكة، ومختبرا كذلك تقنياته السرديّة في سبيل تحديد هويته الأدبيّة المتفرّدة.

يقول بكاري إنه لم يختر الرواية، بل يعتقد أنّه كان موجّها نحوها بمشيئة غامضة منذ الطفولة، ويحكم ذلك الأمر وعيه المبكر بأنّ السرد هو أكثر ما يجيده. ويضيف “نعيش اليوم عصر الرواية وبدايات مرحلة مهمّة في تاريخ الأدب العربي، لكن لا أعتقد أنّ الأمر أتى على حساب باقي الأشكال الأخرى، كل ما في الأمر أنّ الرواية هي أكثر انسجاما مع روح العصر، في حين أن باقي الأشكال -والشعر على وجه خاص- ترزح تحت وطأة مشاكل إبداعية على رأسها أنها أصبحت مطيّة لكل من هبّ ودبّ من أشباه المبدعين”.

البطل المهزوم

لجأ بكاري في روايته “نوميديا” إلى تقنيات سردية تتداخل فيها الخرافة مع الواقع، وكأنه يبني الحكاية من معالم واقعية ضبابيّة، ثم يعتمد على المتخيّل ليجعل الحقيقة التاريخية فقط كعلامات دون أن يقوم باقتحامها ومحاكمتها، ويعتقد أنّ رهان أيّ مشروع روائي هو التجديد وافتراع طرائق أسلوبية وسردية جديدة، ومن هنا كان إقحام الخرافات، ولا سيما تلك التي تتقاطع مع موضوعات الرواية وتجد لنفسها صدى في اللاوعي الجمعي، خيارا أسلوبيا.

يقول الكاتب “لقد توخيت الاعتماد على المتخيّل وعدم إقحام الحقيقة التاريخية، لأنّ هذه الأخيرة لن تجد لها من جدوى أمام بطل عدمي، تبقى الإضاءات التاريخية التي تقدمها الرواية مرتبطة بالرؤية الأيديولوجيّة (الماركسية) التي كان يمثلها البطل، إلى جانب نضال التي يتّمتها سنوات الجمر والرصاص بالمغرب، وصديقه مصطفى المناضل الذي عايش هذه الفترة الحرجة من تاريخ البلد”.

الاشتغال على المعمار الهندسي للرواية فقط لا ينضج الرواية، كما أن الاهتمام بالحكاية لا يقدم رواية ناجحة
ويضيف “إن الجانب الرومانسي المغترب في شخصية مراد ليس معادلا للأمازيغي في المغرب، لأنّ البطل ليس أمازيغيا، بل جعل البطل لقيطا وهو ما يقوم دليلا على أنّ البطل ينتمي إلى الإنسانية وكفى، فالجانب الرومانسي المغترب في شخصية مراد إن هو إلا بسبب خساراته، وإفلاس كل أمانيه، والجرح الدائم في هويّته”.

الجنس يحضر في رواية بكاري “نوميديا” دوما بوصفه معادلا لـ”الفعل” بغية الخروج من حالة الشلل، فكلما هام مراد بذاكرته في مدينته إلّا وكان الجنس محررا ومخلصا له، ويؤكّد بكاري أن البطل ولد مهزوما إذ مارست الحياة كما الأحياء في حقّه كلّ الخيانات، فمراد رجل معدّ للموت، لكنّ الحياة تستبقيه بجسد يفيض عن حاجة معطوب مثله، فكلّ شيء في البطل أو حوله استجاب لنداء الموت، وحدها فحولته لا تزال تضجّ بشهوة فائرة. ويضيف “ينبغي أن نلاحظ المفارقة الغريبة في جسده الذي يتجاذبه الموت (النزيف) والحياة (الجنس)، فالجنس في الرواية ليس حشوا يفيض عن النص بقدر ما هو ضرورة فنية، والحديث هنا عن الجسد حين يناقض صاحبه، فيستبقيه على الرغم من أن كلّ شيء من حوله يزفّه إلى الموت”.

الانتماء أو بالأحرى أزمة الهوية تحضر واضحة لدى بطل الرواية مراد، بل ونرى كأن فعل الكتابة هو المعيار الوحيد لتحديده سواء في مسودات رواية جوليا أو في مذكرات حبيبته خولة، وكأنه دون كتابة لا يتحقق انتماء، ويؤكد بكاري أن الكتابة هي هوية البطل وانتماؤه الجديد، غير أنّه وجد نفسه مدفوعا إلى هذه الهوية، وانتماؤه لها كان اضطراريا، فالكتابة فعل خارجي (مسودات، مذكرات)، إذ يؤكد بكاري أن الكتابة انتماء وهويّة بديلة، أمام بؤس الانتماء للعائلة أو العرق أو الأيديولوجيا أو حتى الحب.

تحضر في “نوميديا” ثلاث هويات الفرنسية والعربية والأمازيغية، وكل منها تشكل حياة البطل بصورة مختلفة، فعمّا إن كانت هذه المشكلات كامنة في المجتمع المغربي، وعن محددات هذه الهويات المختلطة، يجيبنا الكاتب أن “هناك مشكلات الصراع الهوياتي ما زالت قائمة وتتفاقم، بين تبعيّة ثقافية عمياء للفرنكوفونية وتهميش مقصود للثقافة الأمازيغية ومحاولة إقصاء للعربية لغة وثقافة، مع ما يتخلّل كلّ هذا من حروب صغيرة وتافهة في كثير من الأحيان”.
رواية تنقد الرؤية الاستشراقية

يستطرد بعد ذلك مبينا بأنه لهذا السبب جاء اختياره على مراد -بطل الرواية- كلقيط، لا منتم، يسميه بعض المغاربة (x ابن x) لكي يؤكد به بؤس هذه الحروب من جهة ويبرز أنّ مراد ينتمي إلى ما هو أعمق من تلك الحسابات الضيّقة، إنه ينتمي إلى الإنسانية. أما الأميرة الأمازيغية نوميديا فتحضر بوصفها أقرب إلى الخرافة، وكأن هذا الانتماء مهمّش أو أقرب إلى الأسطورة.

نقد الاستشراق

الرواية الآن فن قائم على الاحتراف وعلى التقنية في مواجهة الحكاية، حين يكتب طارق بكاري هل ينتصر للتقنية أم للحكاية، وأيهما أكثر شعريّة بالنسبة إليه، يقول ضيفنا “إنه يحاول الانتصار للعمل الروائي بمختلف عناصره، إن الاشتغال على المعمار الهندسي للرواية أو شعرية لغتها فقط لا ينضج الرواية، كما أن الاهتمام بالحكاية فقط لا يقدم رواية ناجحة، العمل الروائي هو اشتغال مستمر على جميع عناصر الرواية، مع إعطاء كلّ عنصر ما يستحقه، وهذا في حدّ ذاته إبداع، وهو تجديد وابتكار مستمر لطرائق جديدة”. أما عن خياره في جعل مراد رومانسيا لا ثائرا فيعلق قائلا “البطل رومانسي لأنّ بؤسه أملى عليه ذلك، فالشقاء حين يقترن بالمعرفة يتضاعف، ويقتاد صاحبه صوب يقين أعمى؛ الحياة ليست أكثر من غرفة انتظار للموت”.

الاغتيالات المذكورة في الرواية تحال إلى المتشددين بوصفهم الأكثر اغتيالا للعقل والجسد على حدّ سواء، كيف يقيّم بكاري انتشار التشدد الآن في المنطقة العربية، وخصوصا في ما يتعلق باغتيال الثقافة كمؤسسات وأفراد ونصوص، يقول طارق بكّاري “التشدد الديني في العالم العربي يتفاقم سنة بعد أخرى، ويتمدّد على حساب الخطاب الثقافي الذي أضحى رهين نخب أنأى ما تكون عن الدوكسا، أخطر ما في الظاهرة أنّها منغلقة على نفسها لا تلين بالحوار الفكري الجاد وتنتهج العنف أسلوبا، الحديث هنا مثلا عن تفجيرات 16 مايو التي أودت بصديق البطل، والتهديدات التي تعرض لها البطل نفسه، ولا يفوتنا التنبيه إلى إشارة مهمة، تلك التي تتعلق ببعض التهديدات التي كانت وراءها جوليا الفرنسية من أجل أن تحرّض مخاوف البطل وتدفعه إلى ما تريد، في إشارة خفيّة إلى أنّ جزءا من رهاب التشدد الأصولي الذي نعيشه قد يكون بإيعاز من الآخر/ الغرب”.

هناك انتقاد للرؤية الاستشراقية المكوّنة عن المنطقة العربية في “نوميديا” عبر تقنية المسودات والتدوين التي تقوم بها الصحفية الفرنسية.

15