طارق حجي: لا يمكن ترك مهمة الدولة بتجديد الخطاب للمؤسسات الدينية

المفكر المصري طارق حجي يؤكد بأنه لا نجاة من الإرهاب إلا بعد تحقيق فصل السياسة تماما عن الدين وتحرير الفكر وتوعية الناس ودحض أفكار التشدد دون تردد.
الجمعة 2019/06/14
محتوى خارج العصر

 يجمع الباحثون على أن بلوغ مرحلة القضاء على الإرهاب لا يكون إلا باجتثاث جذوره الفكرية وتحديد السياقات العامة للشأن الديني والشأن السياسي الحياتي وتحقيق الفصل الضروري بينهما، وهو ما يؤكده المفكر المصري طارق حجي، في حواره مع “العرب”، مشيرا إلى أن تفكيك المسلمات التراثية العقائدية أمر ممكن بالحجة والمنطق والحوار العقلاني.

السياسة فعل بشري، نسبي، متغير ومرن، والدين أمر مطلق، مقدس، ثابت، واختلاطهما، دون ضوابط أو ينتج خللا وتشوها وعنفا، قد ينتهي إلى إرهاب دموي. وفي تجربة الإسلام السياسي خير دليل على ذلك، وهي ولئن بدأت تشهد ضمورا وتراجعا، تترك آثارا وندوبا تحتاج إلى عمليات معقدة وصعبة لعلاجها.

من هُنا، تنبع قناعة المفكر طارق حجي، بأنه لا نجاة من الإرهاب إلا بعد تحقيق فصل السياسة تماما عن الدين وتحرير الفكر وتوعية الناس ودحض أفكار التشدد دون تردد. وكشف طارق حجي في حوار مع “العرب” أن الحرب على الإرهاب “حرب أمنية وفكرية في الوقت نفسه؛ أمنية لمواجهة حملة السلاح بالقانون والحزم والصرامة اللازمة، وفكرية لمجابهة مسلمات موروثة ترددها جماعات الإسلام السياسي بشكل سطحي، رغم أن دحضها وتفكيكها ممكنان بالحجة والمنطق والحوار العقلاني”.

وفي كتابه الأخير “الطاعون”، فكك حجي فكر الإسلام السياسي ويُعري تشوهاته وتناقضاته، كاشفا أكذوبة وجود حركات إسلام سياسي معتدلة، وغايات ووسائل الجماعات الإسلامية لقهر العقل ومصادرته ومعاداة منجزات الحضارة.

 فكك حجي في "الطاعون" فكر الإسلام السياسي معرّيا تشوهاته وتناقضاته
 فكك حجي في "الطاعون" فكر الإسلام السياسي معرّيا تشوهاته وتناقضاته

وأشار حجي إلى وجود روابط عديدة تربط بين الجماعات الإسلامية، السياسية منها والجهادية، وثمة ثوابت مشتركة تخص معاداة العلم ورفض الآخر وازدراء المرأة، معتبرا أن مواجهة خطر ظاهرة الإسلام السياسي لها جناحان، الأول يستلزم التعامل بالأدوات الأمنية مع ممارسي العنف، والثاني يلجأ إلى الأدوات الثقافية مع مروجي أفكار الإسلام السياسي، وأهم تلك الأدوات التعليم والخطاب الديني.

ولفت إلى أن الحرب مع الأصولية الدينية أبعد ما تكون عن نهايتها، والقوى الدولية لم تصل بعد إلى مرحلة الاتفاق على سياسات يشارك فيها الجميع بهدف القضاء على هذا الوباء الفتَّاك.

وتابع قائلا “حتى لو توافر إجماع دولي على حتمية مواجهة تنظيمات الإسلام السياسي، من الصعب التخلص نهائيا من هذا الورم، لأن المشكلة تتجاوز فشل وتفتت تنظيم ما في وقت ما، فهناك منبع ما زال قادرا على توليد جماعات شتى تحت الغاية ذاتها، وفي إطار الفكرة نفسها، والأولى أن يتم نقد ونقض أصول الفكرة المبعثرة عبر التاريخ بصور شتى وباختلافات طفيفة”.

وفي رأيه، لا تزال كتابات ابن تيمية حية رغم مرور سبعة عقود على رحيله، وتظل الأفكار ذاتها التي بذرها محمد بن عبدالوهاب، وأبو الأعلى المودودي، وسيد قطب متاحة للجميع، وهي السند الأساسي للعنف. وجميعهم ارتكزوا على فكرة كراهية الآخر ومعاداته.

وأضاف أنه قد توجد بعض الفروق التكتيكية بين تيار وآخر، وربما لا يعمل الإخوان بالطريقة ذاتها التي يعمل بها تنظيم القاعدة، أو جماعة بوكو حرام، أو حتى داعش، لكن كل هؤلاء يتماثلون إستراتيجيا، ويحملون أهدافا واحدة، ويبثون مشاعر متشابهة تحض على الكراهية.

وشدد على أنه لا بديل عن مواجهة ذلك بعيدا عن ذراعي الأمن والفكر، “كلاهما لازم إن كنا نستهدف مواجهة حقيقية”، لافتا إلى أن هناك آلية ضرورية لفض الاشتباك مبدئيا من خلال فصل الدين تماما عن الدولة بحيث يبقى الدين بعيدا عن كل ما يخص النظم السياسية والتشريعات، وبعض الدول انساقت وراء دعوات الإسلام السياسي فزايدت عليه وكان ذلك خطأً كبيرا.

وأضاف أن البعض قد يتصور إقرار العلمانية الحقيقية في المجتمعات العربية أمرا مستحيلا، لكن علينا أن نعرف أنه لا توجد مستحيلات في عالم السياسة، ولا توجد مستحيلات في مشاريع الإصلاح ومسيرات التنمية والتقدم.

وضرب مثلا على ذلك بقوله، الشعب الياباني كان يؤمن حتى سنة 1939 بأن إمبراطوره لديه قدر من صفات الآلهة، وساد ذلك الاعتقاد مئات السنين، غير أن زحف التطور العلمي وتحولات السياسة الدولية دفعا الشعب والحكومة إلى إنكار ذلك، “وتحقيق التقدم كفيل بتغيير أنماط التفكير في العقل العربي، وهو مثل أي عقل، قابل للتطور والتغير، بعد مراجعات وتجارب حقيقية”.

 وأشار إلى أن هناك مجتمعات عربية أسرع في تجاوز هيمنة الفكر الديني مثل تونس، ولا شك أن نتائج العلمانية المقترنة بالإصلاح ستصب ضد جبهة الإسلام السياسي.

دعاة العودة إلى الجذور

أكد طارق حجي أن دعاة العودة إلى الجذور ليس لديهم ما يقدمونه إلا الوعود الكبيرة، أما المثقفين فيعرفون أن التاريخ الإسلامي كان تاريخا بشريا محضا شهد فترة ازدهار، يبالغ في حقيقتها ومداها كثيرون، ثم أخذت في الانحسار والانهيار عندما أفرزت من داخلها عقلية نقلية مضادة للعقل والابتكار ووضعت سقوفا منخفضة لعمل العقل الإنساني.

وذكر أن الفترة التي يسميها البعض بالحقبة الذهبية، ليست إلا فترة ذات ملامح تعكس حقائق العصور الوسطى بكل ما تعنيه الكلمة، والمعضلة الكبرى تكمن في خطيئة اعتبار محركات وفعاليات ومحفزات الحضارة الغربية، غربية التكوين.

وأثبت في العديد من كتبه أن التقدم الذي شهدته أوروبا الغربية حدث بفعل عدة عوامل. أول هذه العوامل الحد الكبير من سلطان ونفوذ رجال الدين ثم رفع سقف حرية التفكير وإعمال العقل النقدي، وهما العاملان اللذان طورا قيم التقدم وجعلها إنسانية.

من أوضح الأدلة على إنسانية وعالمية قيم التقدم ما حدث على نطاق واسع في القارة الآسيوية عندما وظفت مجتمعات غير أوروبية آليات وقيم التقدم لإحداث النهضة، وحققت النهضة المرجوة، وهذا ما شهدته اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان، ثم بعد ذلك المجتمع الماليزي.

حجي: ثمة حاجة ماسة إلى فتح باب الاجتهاد فمن غير المعقول أن نبحث عن حلول لمشكلات سنة 2019 من ثمار عقول عاشت قبل 14 قرن
حجي: ثمة حاجة ماسة إلى فتح باب الاجتهاد فمن غير المعقول أن نبحث عن حلول لمشكلات سنة 2019 من ثمار عقول عاشت قبل 14 قرن

وبالعودة إلى المجتمعات العربية، فإن تحليل ظواهرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والإعلامية المعاصرة، يؤكد خلو بيئاتها من قيم التقدم. وفي تصور حجي أن التحدي الأكبر لهذا النهج سيأتي من المؤسسات الدينية، ليس بدافع ديني محض، وإنما بذريعة الدفاع عن سلطان ونفوذ لا حد لهما في إدارة وتوجيه الحياة، مشددا على أن تجديد وتحديث الخطاب الديني “مسألة حياة أو موت في المجتمعات العربية، وهي مهمة الدولة والتي لا يمكن تركها للمؤسسات الدينية، وثمة حاجة ماسة إلى فتح باب الاجتهاد فمن غير المعقول أن نبحث عن حلول لمشكلات سنة 2019 من ثمار عقول عاشت قبل أربعة عشر قرنا”.

تنمية لا ثورات

رأى حجي أن الثورات والتحولات السريعة غير المدروسة لا تخدم مشروعات التنمية، مستدلا على ذلك بأن ما يعرف بثورات الربيع العربي انتهت لصالح جماعات الإسلام السياسي، وتسببت في دمار وخراب بلدان كانت مستقرة مثل سوريا وليبيا واليمن، غير أن الشعوب تستيقظ بعد فترات من التفكير والمراجعة وتصحّح الأوضاع، مثلما جرى في 30 يونيو 2013 في مصر.

وأكد أن الحكومات والنخب في العالم العربي مطالبة بالعمل على نشر وتثوير ثقافة التسامح، مشيرا إلى أن الحضارة الغـربيـة اتسمت تاريخيـا بالتـعصب العرقـي، لكن الواقع يُحتم أَن نعتـرف بأَن الازدهـار الثقـافــي في العالمِ الغــربي أوصل أبناء هـذه المجتمعات إلى درجة أفضـل من التسامح.

وحذر من أن مظاهر التسامح في المنطقة العربية أَخذت في التقلص خلال العقود الأخيرة. فقبل نصف القرن كان المناخ الثقافي العام يسوده عدد من القيم الإنسانية. من هذه القيم أَن الاختلاف سنة من سنن الحياة. وكانت الأجواء الثقافية بعيدة عن تقسيم الناس إلى “نحن” و”هم”.

وأشار إلى أن مؤسسات التعليم ووسائل الإعلام وسائر الجهات الثقافية، منابر ذات قدرة على التعامل العلمـي والموضوعي مـع هـذا العيب الفتــاك من عيـوب تفكير السـواد الأعظـم فـي المجتمعات العربية، وللأسف فإن إِحـراز نجاح وتقدم كبيرين في هذا المجال أمر بالغ الصعوبة، لأَن آثار وثمار أي برنامج إصلاحي فعال في هذا المجال لا يمكن أن تُلمس قبل بضع سنين، فكل الإصلاحات التي تتم من قبيل الاستثمار طويل الأجل، وإن كان استثمارا مضمون النتيجة ومجديا وفعّالا على المدى البعيد، ولا يتوافر بديل يغني عنه.

7