طارق عبدالواحد الخزاعي نجم عراقي يربط الثقافة بالحياة والمسرح بالإعلان

السبت 2016/07/16
الخزاعي فارس مبارز في فيلم "القادسية" وفي شوارع السويد

ستوكهولم - وجهه بات معروفاً في السويد لدى كثير من الناس بمختلف جنسياتهم وأعمارهم، بملامحه العربية. نجح في صعود سلم النجوميّة خلال فترة وجيزة. وصار نجما تلفزيونياً في إعلانات القنوات السويدية لإحدى أكبر شركات الاتصالات. وأينما ولّيت وجهك تجد صوره معلقة على جدران محطات القطارات، ومواقف الحافلات وفي كل أرجاء السويد.

عراقي متشبع بأفكار الحب والحياة والعدالة الاجتماعية، في زمن كانت فيه مثل هذه الأفكار في الشرق الأوسط محرّمة على الناس، وكفيلة بأن تؤدي بأصحابها إلى غياهب المعتقلات، وتجرهم إلى الهلاك الحتمي.

القرمطي

طارق عبد الواحد الخزاعي كاتب ومخرج مسرحي وممثل، وبطل في رياضة المبارزة بالسيف على مستوى العراق والدول العربية وأوروبا أيضا، ومدرب للمبارزة بالسيف للكثير من الفنانين العرب والأجانب.

في أول عمل مسرحي للخزاعي”انهض أيها القرمطي هذا عصرك” كان يسعى لتنقية التاريخ من خلال كتابته مثل هذه المسرحية تنقية التاريخ من الأكاذيب التي غطته بشكل قاس وغبيّ وجاهل. يقول عن ذلك، “تاريخنا مملوء بالأكاذيب والمغالطات وتمجيد القادة، وتم إغفال الشعب، وكذلك تمجيد العدالة الاجتماعية”.

ويضيف، أن السلطة في بلداننا كانت منذ قرون أشد قمعاً للمفكرين والأدباء والثائرين، فكان مصير كل شخص طالب بالعدل والعدالة والحرية القتل، أمثال، الحلاج والسهروردي اللذين تم قتلهما ببشاعة، لأنهما طالبا بالحب والعيش الكريم. وضحيا بأنفسهما ليكونا قدوة للآخرين، وهذا ما دفعه إلى أن يتجه إلى حركة القرامطة، كونها حركة فكرية إنسانية دعت إلى الخلاص من الفقر والقضاء على الجهل وبناء بيوت السعادة في الأرض، ودعت إلى القضاء على الطغاة، واحترام الإنسان بغض النظر عن دينه أو طائفته.

لم يتوقف إبداعه عند هذا الحد، بل تعداه إلى أكثر من ذلك، إذ تناول هذه المرة شخصية عبدالله بن منصور الحلاج، تناولاً ثورياً بعيداً عن القداسة في مسرحية أسماها “الدم ينطق يا حلاج” ليتم سجنه مباشرة بعدها لمدة سنة، وخفف هذا الحكم لثمانية أشهر لحسن سلوكه داخل السجن.

ولد الخزاعي في بغداد سنة 1944، وتخرّج في معهد الفنون الجميلة، وحصل على شهادة الدبلوم العالي في المبارزة بالسيف في إيطاليا. وعمل كمدرب للمبارزة في الكثير من الأندية العراقية. وحصل على شهادة الدبلوم في السويد بداية سبعينات القرن العشرين، من المجلس العسكري الدولي، الذي أتاح له تدريب الفرق المبارزة.

الخزاعي يرجع أسباب تقهقر الفن والمسرح في العراق، إلى كون كوكبة رائعة من خيرة الفنانين، المخرجين والكتاب المسرحيين، غادرت العراق، لعدم اهتمام الحكومة بالفن والفنانين والمسرح بقدر اهتمامها بالمناكفات السياسية. وما يخجل الخزاعي هو ما آلت إليه المسرحيات هذه الأيام في العراق، والتي أخذت منحى طائفيا بعيدا عن كل قيم الفكر والأدب والثقافة

ساعدته رياضة المبارزة بالسيف في الولوج إلى عالم السينما. وذلك من خلال تدريبه للممثلين العرب والأجانب. وأدى بعض أدوار الفرسان لإجادته المبارزة وركوب الخيل. وعمل مساعداً للمخرج العالمي الأسباني بينيتو رافائيل فرنشسكو في فيلم “القادسية”، واستعان بالفريق العسكري الذي كان مشرفاً على تدريبهم أصول المبارزة. فدربهم على كيفية إخضاع هذه الرياضة إلى الدراما، ودفعهم لتمثيل معظم لقطات المعارك في هذا الفيلم، لتتم الاستعانة بهذا الفريق في الكثير من الأفلام والمسلسلات التاريخية في ما بعد.

علاقة السيف بالفن

يقول الخزاعي “خلقت مرحلة جديدة في الوسط الفني، ليرى المشاهد الصورة الحقيقة للمبارزة بالسيف وللاطلاع على أصولها الفنية، نظراً لكون أغلب الأفلام والمسلسلات التاريخية، تكون المبارزة قائمة فيها على أخطاء فنية، فهناك قانون يجب احترامه في المبارزة بالسيف، فهي لا تكمن في تلاقي سيفين وحسب، بل تتعداه إلى ما دون ذلك”.

وتوالت مسرحياته التي تضرب في معتقدات الأنظمة الشمولية وتوحي للناس بالثورة، إذ تناولت مسرحية “النائب العريف حسين رخيص” سنة 1981 شخصية جندي عراقي من الناصرية، يتصدى لحاكم طاغ، ظالم ومستهتر هو الكابتن جفرس. وكانت بداية لعصر مسرح عراقي جديد، بعد أن كان الجمود يخيم عليه في تلك الفترة.

لم يكن مبدع مسرحية “الثائر يونس السبعاوي” يعرف أن رحلته ستطول خارج العراق لأكثر من ربع قرن، إلا أنها كانت عبارة عن مراحل ثقافية لم يبتعد من خلالها كثيراً عن الأدب والمسرح.

حبه للوطن والسعي للحفاظ على أمنه واستقراره، دفعه إلى كتابة سيناريو مسرحية “أوبريت هيلة والكمر” أواسط ثمانينات القرن الماضي، التي جمعت ثلاثة شعراء هم حسن الخزاعي، ربيع الشمري وبشير العبودي في مسرحية واحدة. تتحدث عن الحب والتكاتف الاجتماعيّ لأبناء المحلة، عندما يتعرضون لاعتداء من خارج الحدود، فيتحدّون لصد الهجوم على الرغم من اختلافاتهم العقائدية والطائفية حباً في الوطن.

لا يعجب صاحب مسرحية “أحدب بغداد” حال المسرح العراقي ويندهش لما يصله من أنباء حول إنتاجاته المسرحية. الخزاعي يستحضر أيامه حين كان طالباً في معهد الفنون الجميلة، حيث كان المسرح يتوفر حينها على أربعة أساتذة، وكان الطلبة ينتجون مسرحيات ترقى إلى المستوى المطلوب. أما الآن فالمسرح يضم أكثر من عشرين أستاذا ولا يزال متخلفاً.

المسرح العراقي

يتساءل؛ هل التخلف في شهاداتهم أم في فكرهم؟ ولماذا لم يتطور المسرح على أيدي النخبة الجيدة؟ وبدموع الحزن والأسى يتأسف على حال المسرح العراقي، بعدما كان متقدماً على المسارح العربية.

المبارزة بالسيف تعد بداية علاقة الخزاعي بالسينما، حيث عمل كمدرب للمبارزة في الكثير من الأندية العراقية. وحصل على شهادة الدبلوم في بداية سبعينات القرن العشرين من المجلس العسكري الدولي.

يرجع الخزاعي أسباب تقهقر الفن والمسرح في العراق إلى هذا الحد، إلى كون كوكبة رائعة من خيرة الفنانين، المخرجين والكتاب المسرحيين، غادرت العراق، لعدم اهتمام الحكومة بالفن والفنانين والمسرح، بقدر اهتمامها بالمناكفات السياسية. وما يخجل الخزاعي الكاتب المسرحي، هو ما آلت إليه المسرحيات هذه الأيام في العراق، والتي أخذت منحى طائفياً بعيداً عن كل قيم الفكر والأدب والثقافة.

الخزاعي عاش فترة ليست بالقليلة في الأردن ودرّب فيها العديد من الممثلين الأردنيين من بينهم الفنانة صبا مبارك التي شاركت في مسرحيته “جدارة تشرق من جديد” والتي فازت بالمركز الأول سنة 1997 في مدينة بيشلي الإيطالية.

عَلِم أن أحلامه لن تتحقق على أرض عربية، لأسباب كثيرة. فقدم طالباً اللجوء إلى مملكة السويد، وفي هذا البلد بدأت قصة جديدة في حياة الفارس مع الشهرة والنجومية اللتين لم ينلهما في بلده أو في أيّ بلد عربي آخر.

لعب القدر لعبته، وجاءت الفرصة الذهبية التي انتظرها سنوات كثيرة، واستطاع أن يتسلق من خلالها سلّم النجومية كممثل رئيسي في الإعلانات التلفزيونية لأكبر شركة اتصالات في السويد. وباتت إعلاناته تعرض على مختلف القنوات المحلية في البلد، وصار وجهه معروفاً لدى عامة الناس وبمختلف أعمارهم وجنسياتهم. فقامت شركة الاتصالات أيضاً بحملة إعلانية في كل أرجاء البلد، وذلك من خلال وضع صوره في جميع محطات القطارات والحافلات، وهكذا علقت صورة الخزاعي في أذهان السويديّين.

هذه الفرصة لاحت له حين تم استدعاؤه من طرف المخرج اللبناني يوسف فارس، لأداء بعض الاختبارات في التمثيل لمدة ثلاثة أسابيع، فوافق وعرض قدراته ومواهبه في التمثيل. تفوّق في الاختبارات، وكان الأول على جميع المتبارين المتقدمين معه، والتي سيتم من خلالها اختيار ممثل واحد من بينهم. فكان هو ذلك الشخص.

ميزة خاصة يتمتع بها الخزاعي في الإعلانات التي يقدمها على شاشات التلفزيون، تتمثل في إشاعة الحب والفرح في الإنسان بالدرجة الأولى، ومن ثم عرض المنتوج المراد بيعه.

جسر الثقافة والفن

تعاون مع يوسف فارس لإنتاج سلسلة من الإعلانات والدعايات. وكان فارس رجلاً متفهماً لأفكار وأراء طارق، نظراً لفرق السن بينهما، فنمت لغة مشتركة بينهما هي لغة الفن. وكانت لهما نظرة خاصة في الإعلانات المقدمة على شاشات التلفزيون، والتي ميزت أعمالهما عن بقية إعلانات شركات الاتصالات المنافسة، وهي إشاعة الحب والفرح في الإنسان بالدرجة الأولى، ومن ثم عرض المنتوج المراد بيعه بطريقة سلسة، وهذا ما لا نشاهده في إعلانات الشركات الأخرى التي تقوم بتعظيم المنتوج لترويجه ومن ثم بيعه.

بعد كل هذه النجاحات المتواصلة، لا يرى طارق الخزاعي أنه حقق حلمه الذي حلم به منذ وصوله إلى مملكة السويد، فطموحه يفوق ممثل إعلانات تلفزيونية. بل يتعداها إلى تأسيس شركة إنتاج لإنتاج أفلام ومسلسلات عربية. ويمتد هذا الحلم إلى إنشاء جسر ثقافي بين السويد والعرب، نظراً للمواهب والتقنيات والطاقات التي يتوفر عليها كلا الطرفين.

سبب آخر يدفع الخزاعي لبناء هذا الجسر الثقافي المهدوم، هو التاريخ الذي يذكّره بالتعاون والدم المشترك الذي كان قائما سنة 700 للميلاد، إذ يحكى أن مجموعة من السويديين هاجرت إلى العراق وعاشت فيه، وأسست مع العراقيين مدينة بغداد المدورة، منخرطة في صفوف جيش هارون الرشيد وخلفاء آخرين.

أحب الخزاعي أن يقول كلمته، وهو فارس سيفه خشبة المسرح وحصانه من طين العراق، لأبناء الجيل الجديد، الذي بدأ ينحو نحو الاعتزاز بالثقافة والحضارة الإنسانية، عليه أن يضع الطائفيّة خلفه، ويمضي في طريقه لبناء نفسه والانفتاح على العالم. فالعالم ليس مجتمعاً دينياً، وإنّما هو مجتمع إنساني بالدرجة الأولى، لذلك عليه أن يطوّر فكره ويطرح أفكاره التي تتجاوز واقعنا إلى واقع أرحب وأشمل.

13