"طاغوت" الروسي و"ماء الفضة" السوري يفوزان في مهرجان لندن السينمائي

الاثنين 2014/10/20
لقطة من الفيلم السوري \"ماء الفضة\" لأسامة محمد

لندن - في حفل أقيم مساء السبت 18 أكتوبر الجاري، في دار الاحتفالات بهوايتهول في العاصمة البريطانية، لندن، أعلنت نتائج مسابقات الدورة الثامنة والخمسين لمهرجان لندن السينمائي الدولي في حضور نخبة من كبار نجوم السينما البريطانية والعالمية في مجالي الإخراج والتمثيل وكتابة السيناريو منهم بن ميللر ويبن ريفيرز وكريستوفر هامبتون والسير ديفيد هير ودكستر فليتشر وإيان هارت وجيمس جوردون وجيمس مافوي وجيرمي توماس وجون هيرت ومحسن مخمالباف ولوك روجر وصوفي فينيس والمخرج البريطاني الذي منح العضوية الشرفية لمجلس إدارة معهد الفيلم البريطاني ستيفن فريرز.

فاز الفيلم الروسي “الطاغوت” للمخرج أندريه زفياغينتسيف بجائزة أحسن فيلم في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة. ويروي الفيلم بأسلوب مؤثر، قصة مأساوية عن الصراع بين رجل محدود الإمكانيات يحاول الحفاظ على منزله وقطعة الأرض التي يمتلكها، وبين منظومة الفساد الهائلة التي يمثلها أحد رجال الأعمال، الذي يسعى إلى السيطرة والاستحواذ حتى لو أدى الأمر إلى قتل زوجة الرجل المسكين وتلفيق تهمة القتل له لكي يقضي خمس عشرة سنة وراء القضبان وبالتالي يمكن لعمدة البلدة التي تقع فيها الأحداث الاستيلاء على منزل الرجل وهدمه وإقامة مشروع استثماري مكانه.


جودة الأفلام


أعلن المنتج السينمائي البريطاني جيريمي توماس (منتج الفيلم الشهير “الإمبراطور الأخير”) ورئيس لجنة التحكيم فوز الفيلم الروسي بالجائزة الرفيعة، وقال في بيان إعلانه عن الجائزة: “لقد شعرنا جميعا بقيمة الأفلام الاثني عشر التي شاركت في المسابقة وأعجبنا بالكثير منها، وكانت هناك الكثير من القصص والصور الاستثنائية والمثيرة في تلك الأفلام، ولكن كان هناك فيلم واحد من بين تلك الأفلام نال إجماع كل أعضاء اللجنة على استحقاقه للجائزة هو فيلم “الطاغوت” Leviathan الذي تأثرنا به جميعا على نفس المستوى”.

جائزة أفضل موهبة بريطانية جديدة حصلت عليها سامينا جابين أحمد بطلة الفيلم البريطاني "امسكني ياوالدي"

ومضى توماس يقول إن اللجنة تشيد بالفيلم الفرنسي “فرقة البنات” للمخرجة سيلين سكياما الذي يصور كيف تنتقل فتاة سوداء تنتمي إلى بيئة فقيرة وتقيم في إحدى ضواحي باريس الهامشية، من الطفولة إلى مرحلة الحلم، وكيف أنها ترتبط بمجموعة من الفتيات من أصول أفريقية في باريس، وتصبح ضمن ما يشبه العصابة الصغيرة، تخوض معهن المغامرات البريئة، وتتعرض معهن لبعض المتاعب، تعاني من قسوة شقيقها في المنزل فتترك الأسرة وتعيش هائمة على وجهها إلى أن تقع في الحب.

كان من بين أعضاء لجنة التحكيم المخرج المصري أحمد عبدالله مخرج فيلم “فرش وغطا” الذي عرض في المسابقة العام الماضي، وفيلم “ديكور” الذي عرض للمرة الأولى عالميا خارج المسابقة في دورة العام الحالي.

ومن أعضاء اللجنة أيضا الناقد السينمائي الأميركي سكون فونداس، والمنتجة السينمائية الماليزية لورنا تي، والممثل الاسكتلندي جيمس ماكفوي -الذي سبق أن حصل على جائزة الجولدن جلوب وكذلك البافتا لأحسن ممثل- والذي شارك فيلمه “اختفاء اليانور ريجبي” في المهرجان خارج المسابقة.

القبيلة الأوكرانية


جائزة أحسن عمل أول التي خصصت لها مسابقة خاصة فاز بها الفيلم الأوكراني المتميز “القبيلة” الذي تدور أحداثه في مدرسة للصم، وهو فيلم طويل درامي صامت يعتمد بأكمله على استخدام لغة الإشارات التي يفهمها المتفرجون والتي يجيد الممثلون جميعا استخدامها في الفيلم وهي اللغة المعروفة التي يستخدمها الصم.

لقطة من الفيلم الروسي "الطاغوت"

وقد أعلن الممثل البريطاني إيان هارت عن الجائزة، بينما قدمها لمخرج الفيلم ميروسلاف سلابوتبتشكي المنتج السينمائي لوك روج، الذي فاز فيلمه “يجب أن نتحدث عن كيفن” بجائزة رئيسية في دورة عام 2011.

وقال روج وهو يقدم الجائزة التي تحمل اسم الممثل الأميركي دونالد سوذرلاند: “هذا العام شهدت مسابقة الأفلام الأولى والثانية لمخرجيها عددا كبيرا من الأفلام الجيّدة من بلدان مختلفة، ولكن فيلم “القبيلة” The Tribe بدا متميزا كعمل أصيل وقوي من بين سائر الأفلام.

وقد أدّى الممثلون جميعا وهم من غير المحترفين، أدوارهم على أكمل وجه وبشكل استثنائي حقا، ولكن يجب أن ننوه بوجه خاص بأداء يانا نوفيكوفا. وقد تمكن المخرج سلابوتبتشكي من إنجاز فيلمه الأول الممتاز ككاتب ومخرج ونجح في أن يحفر لنفسه مكانا في عالم سينما المؤلف صاحب البصمة السينمائية المميزة”.

"الذيب" الأردني


أشادت لجنة التحكيم التي شاهدت أفلام المخرجين الجدد بالفيلم الأردني “ذيب” لناجي أبو نوار الذي يصور رحلة طفل يتيم مع شقيقه عبر الصحراء وما يلقاه من متاعب ومشاق ويطلع خلال تلك الرحلة على المناوشات التي كانت قائمة في أوائل القرن العشرين بين الإمبراطورية العثمانية في أواخر مراحلها، وبين الثوار العرب الذين شنوا مقاومة ضارية كانت ترمي للتخلص من الاستعمار التركي. لكن جمال الفيلم لا ينبع من انشغال مخرجه بالسياسة، فهو يقدمها كأحداث جانبية موازية، وتبقى المغامرة هي محور اهتمامه الرئيسي، وهي مغامرة تتقاطع على نحو ما ولو على المستوى الخيالي في أذهان المشاهدين، مع مغامرة الضابط البريطاني لورنس العرب التي قدمها ديفيد لين في فيلمه الكلاسيكي الخالد.

ويتميز الفيلم بتقنياته العالية ونجاحه في شدّ انتباه المتفرج حتى اللحظة الأخيرة، كما ينجح مخرجه في إدارة مجموعة الممثلين غير المحترفين الذين استعان بهم من بين بدو الصحراء الذين يقطنون تلك المنطقة النائية التي دار فيها تصوير الفيلم في الصحراء الأردنية.

لجنة تحكيم مسابقة العمل الأول ضمّت أيضا إلى جانب هارت وروج، الممثلة هيرموين نوريس والمنتج السينمائي زافييه مارشان والمصور السينمائي والكاتب والمخرج بن ريفرز.
الفائزون بالجوائز الروس والسوريون


ماء الفضة


أما مسابقة الأفلام الوثائقية فقد شارك فيها 12 فيلما، وترأست لجنة تحكيم أفلام هذه المسابقة المخرجة والكاتبة والمنتجة السينمائية صوفي فينيس التي أعلنت أن الفيلم الفائز بجائزة التفوق كأحسن فيلم وثائقي طويل وهي الجائزة التي تحمل اسم رائد الفيلم الوثائقي جو جريرسون، هو فيلم “ماء الفضة” للمخرج السوري أسامة محمد بالاشتراك مع وئام سيماف بدرخان.

ويعتبر الفيلم تجربة فريدة في الفيلم الوثائقي العربي، فقد صور في كل من سوريا وفرنسا، ويعتمد على الوثائق المصورة التي تكشف عنف النظام السوري في مواجهة الثوار المعارضين، كما يعتمد على الاتصالات المستمرة بين أسامة محمد وزميلته الكردية السورية “سيماف” التي كانت تتخاطب مع أسامة عبر الإنترنت.

ويعتبر عالم الإنترنت وما ينشر فيه من صور ووثائق مصورة لما يحدث في سوريا، مصدرا رئيسيا من مصادر الفيلم. وتروي وئام لأسامة ما يحدث حولها في مدينتها، ويطلب هو منها أن تقوم بتصوير ما تراه.

فتبحث عن مصور، لكنها تدرك بعد شهرين من البحث أن قدرها أن تقوم هي بتصوير الفظائع التي تراها، سواء من شرفة البيت الذي تقيم فيه أو من الشارع، معرضة حياتها للخطر، مسببة ألما مضاعفا لأسامة محمد الذي يشعر بالذنب كلما تراءى له ما يمكن أن يحدث لها.

إنها تقوم أولا بتهريب الكاميرا التي ستستخدمها إلى حمص، ثم تتابع يوما بعد يوم دراما القتل في المدينة ، لكنها أيضا تروي لأسامة عبر التخاطب أو “التشات” على الإنترنت، كيف أنها عثرت على ما تعتبره كنزا، أي على جرامافون قديم، وكيف أنها عثرت على نسخة من رواية “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي وأنها تعيد قراءتها الآن معلقة “طعم غريب للقراءة تحت القصف”!

وحوارات سيماف وأسامة في الفيلم حوارات بليغة شاعرية، حزينة، مرهقة، تأتينا على صور لانفجارات، تفجير منازل كاملة بل وأحياء كاملة في حمص، اعتقال نساء في الشارع والاعتداء الوحشي عليهن، وهي لقطة تتكرر كثيرا فيما بعد، مناظر لتعذيب الثوار الشباب، التنكيل بالجثث والتمثيل بها في عرض الطريق.. سيماف تعلق “أبي العجوز يبكي مثل القطط”. هل تبكي القطط؟ نعم فنحن نشاهد أولا كيف تهرب عشرات القطط من القصف العنيف، ثم نرى لقطة قريبة قطة تموء بلا توقف وقد احترق وجهها!

فيلم يتميز بأعلى درجات التشويق

وكان الفيلم قد أثار اهتماما كبيرا من جانب الجمهور عند عرضه. وقد انتقل للعرض أيضا في مهرجان نيويورك السينمائي. وعندما صعدت رئيسة لجنة التحكيم للإعلان عن الجائزة قالت إن “اللجنة تأثرت كثيرا بهذا الفيلم الذي يقدم صورة تفصيلية لما يحدث في سوريا هي صورة مخيفة ولكن شعرية”.

وقد نوهت بتأثر اللجنة بشكل خاص، “بالبحث المشحون بالمشاعر والشجاع من جانب بدرخان، لأن تصبح شاهدة تتمتع بالمصداقية بينما تحاول أن تستوعب ما يحدث وأن تحافظ على حياتها في الوقت نفسه في تلك الظروف المستحيلة التي تعيشها مدينة حمص”. وأشارت إلى كون “أسامة محمد يعيش في المنفى في باريس وهو ما يعزز رغبتنا في الابتعاد عن مخاطر الحرب ولكن معجزة الفيلم أنه يستولي على مشاعرنا”.

شارك في لجنة التحكيم التي منحت الجائزة إلى الفيلم السوري كل من المنتج السينمائي روي أكرمان الحائز على جائزة البافتا التي تمنحها الأكاديمية البريطانية لعلوم وفنون السينما -على غرار جوائز الأوسكار الأميركية-، ونيك فريزر رئيس تحرير مجلة ستوري فيل، والمخرجة وكاتبة السيناريو بيني وولكوك.


الموهبة الجديدة


أما جائزة أفضل موهبة بريطانية جديدة فقد حصلت عليها الممثلة سامينا جابين أحمد بطلة الفيلم البريطاني “امسكني ياوالدي” Catch Me Daddy التي تفوقت في أداء دور بطلة الفيلم “ليلى”. وهي فتاة في السابعة عشرة من عمرها، باكستانية الأصل تقيم علاقة عاطفية مع شاب أنكليزي من يوركشير حيث يقيم الاثنان معا في كارافان، ويتعيشان على المال القليل الذي تكسبه ليلى من عملها في تنظيف أرضية دكان حلاقة الشعر القريب، والاثنان يعيشان في منطقة ريفية منعزلة ويقضيان الأمسيات معا في الخارج، يغشيان بعض أماكن الرقص العنيف ويتعاطيان المخدرات.

جائزة أحسن عمل أول فاز بها الفيلم الأوكراني"القبيلة" وهو فيلم صامت يعتمد على استخدام لغة الإشارات

الواضح أن أداء الممثلة القادمة إلى السينما في أول أدوارها، والتي تمزج الأنكليزية باللهجة الباكستانية، أثار إعجاب جمهور المهرجان، الذي تعاطف مع الشخصية التي تؤديها، وإن كان الفيلم نفسه لا يخرج عن جائرة الأفلام المثيرة التي تكتفي بتقديم التباين الحاد بين الشخصيات، ولكنه يتجه نحو الفيلم المثير، أي فيلم المطاردة والتعقب والعنف، مستبعدا أي مجال لتقديم رؤية جديدة لموضوع التناقض الاجتماعي العرقي في المجتمع البريطاني.

وجدير بالذكر أن المهرجان لا يمنح جوائز في التمثيل أو الإخراج، ولم يكن أصلا يمنح جوائز ولكن المديرة الجديدة التي تولت إدارة المهرجان قبل ثلاث سنوات وهي الأسترالية كلير ستيوارت، هي التي نجحت في إقناع إدارة معهد الفيلم البريطاني BFI (من الأصوب إطلاق تسمية مؤسسة السينما البريطانية على هذا الكيان) بضرورة نقل المهرجان نقلة تاريخية وجعله مهرجانا ينظم مسابقات ويمنح جوائز أساسية لأحسن الأفلام، وإن ظلت لائحته لا تشترط عدم مشاركة أفلام المسابقات في مسابقات المهرجانات الأخرى خلال العام. ولكن المستقبل سيشهد دون شك، تغيرات أخرى تلحق بهذا المهرجان العريق.

15