طاقات الخط العربي تتجدّد بالحروفيات والمنحوتات

معرض "روحانيات" يعرض أعمالا تحاول تقديم مفاهيم جديدة للخط العربي وطاقاته الكامنة لاسيما من خلال الألوان التي تعانق الحروف لتضيف إلى جمالية الخط أبعادا أخرى.
السبت 2021/04/17
حروف هائمة في فضاءات حرة ومفتوحة (لوحة لجاسم محمد)

يعدّ الخط العربي شكلا من أشكال الجمال في الحضارة العربية، وأحد الفنون التي لا تزال تأخذ حيزا لدى الكثير من المهتمين بالفنون وأنواعها المختلفة، وهو إلى ذلك فن متجدّد، تتطوّر آليات الاشتغال عليه وفق الرؤى الجمالية التي ينجزها الفنان الحروفي. ومعرض “روحانيات” المقام حاليا في غاليري “رؤى 32 للفنون” في العاصمة الأردنية عمّان تأصيل لهذا الفن برؤى معاصرة.

عمان- يتواصل حتى العشرين من مايو القادم بغاليري “رؤى 32 للفنون” في العاصمة الأردنية عمّان معرض “روحانيات” الذي يتضمن تجارب في الخط العربي لثلاثة من الفنانين العراقيين هم: حارث الحديثي وجاسم محمد وعلي العبادي، إلى جانب منحوتات للفنان عماد الظاهر التي تتميز بطاقة إيجابية تعكس الجانب الروحاني في أعماله.

ويضم المعرض 73 عملا منها لوحات توظف الحروف العربية التي تختلف أساليبها ورؤيتها، وتحاول تقديم مفاهيم جديدة لهذه الحروف وطاقاتها الكامنة، لاسيما من خلال الألوان التي تعانق الحروف لتضيف إلى جمالية الخط أبعادا أخرى.

تكوين بصري وإيقاعي

معرض «روحانيات» يضم 73 عملا فنيا، منها لوحات توظف الحروف العربية بمختلف أساليبها ورؤاها الجمالية

تشكّل أعمال حارث هشام الحديثي تطويرا للمدارس التقليدية في الخط العربي، وأبرزها المدرسة البغدادية، حيث قام بزخرفة وتذهيب عدد كبير من الأعمال، ومن بينها ستّة مصاحف يعود أقدمها إلى القرن السابع للهجرة، إضافة إلى ترميمه مخطوطات إسلامية عديدة، ويستخدم أنواعا عديدة من الخطوط، مثل الثلث الجلي.

وولد الحديثي ببغداد سنة 1973، وظهرت موهبته الفنية منذ الصغر، حيث قام برسم عدد كبير من الجداريات منذ عام 1991، ليشفعها بدراسة الخط العربي في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد. كما تتلمذ على يد كبار أساتذة الخط العربي في العالم وتحديدا سلمان إبراهيم وعباس البغدادي.

وهو حاصل على شهادة من جمعية الخطاطين العراقيين تخوّله ممارسة مهنة الخط العربي، وعلى شهادة من دار المخطوطات العراقية في ترميم وصيانة المخطوط.

وأقام الحديثي، المقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، سبعة معارض شخصية في العراق والأردن، وشارك في العديد من المعارض الجماعية في العراق والأردن والولايات المتحدة وكندا.

أما الحروفي جاسم محمد المقيم بدوره في الولايات المتحدة فينزع في أعماله نحو رؤية حداثوية للحروفيات من خلال تحريرها من قوالبها التقليدية وجعلها مفردة في لوحته عبر أخذها إلى تكوين بصري في إيقاعاتها وحركتها، مع الحفاظ على شكل الحرف ضمن بنائه الواقعي، كجزء من سعيه إلى المزج بين حداثوية تشكيلية وبين الدلالات الفلسفية والجمالية للحرف العربي.

ويعتمد في أعماله على بناء هندسي في تركيز على إبراز مستويات من الظلال والنور في شكل من التراكم والتكثيف على سطح اللوحة، وكذلك التباين بين الألوان المشرقة والمعتمدة في تدرجاتها المختلفة والتي تعكس حيوية في اللغة البصرية، ما يخلق فوضى تحاكي حركة الكون الدائمة، وكأن الحروف مسيّرة أو هائمة في فضاءات حرّة مفتوحة، بحيث تبدو هذه العشوائية جزءا من نسق أو نظام معين.

وبذلك ينزع محمد إلى تصوّر مفاهيمي للوحة، بعيداً عن الإغراق في التجريد عبر إيجاد علاقة متوازنة بين الكتلة والفراغ، وجعل الشكل تعبيرا عن بنية دقيقة توظّف الأضداد والتناقضات بين الحروف وتظهر قوة الخطوط وبراعة التلوين أيضا.

وعن منجزه الفني يقول الناقد العراقي محسن الذهبي “إن الحرف في لوحة الفنان جاسم محمد يجسد مضامين إنسانية في التعبير عن معنى الجملة ورمزية القول، بعيدا عن المتعارف عليه في صراحة القول ومباشرته في اللوحة الخطية. كذلك يبتعد ببساطتها عن التجريد المغرق في إذابة روح الحرف وتحويله إلى مرموز مدغم استلهامي، لمعان تبتعد عن معنى ما يشتغل عليه من مقاصد الجملة القولية”.

تجاور النحت والحرف

عماد الظاهر يزاوج بين الخيل والحرف في القوة وعبقرية الحركة
عماد الظاهر يزاوج بين الخيل والحرف في القوة وعبقرية الحركة

ممّا يحسب لمحمد قدرته على احترام قدسية وبناء الحرف والمحافظة الجادة على رسم الشكل المثالي للحرف، وفق مدارس الخط العربي المعروفة والاستفادة منه في مختبره البصري كقيمة تجريبية مبتعدة عن الانفصام بين ذاكرة الكتابة وذاكرة الصورة، تلك المعادلة التي شغلت نقاد الحروفية في تخليص الحرف من ذاكرة الطراز التقليدي لمدارس الخطوط وتفريغه من بعده الروحي لصالح الحداثة التشكيلية في محاولة لإبعاد الفنان الحروفي عن كونه خطاطا يمتهن الكتابة فقط.

ومحمد من مواليد العراق عام 1970. أقام سبعة معارض شخصية في دمشق والرياض وعمّان وواشنطن وجدة والرباط. وحاصل على شهادات تقديرية دولية كثيرة من إسبانيا والإمارات والسعودية والولايات المتحدة وسوريا وغيرها من البلدان. وبعض أعماله مقتناة من الممثلة الأميركية أنجلينا جولي، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، والمتحف الوطني السوري.

ومن جهته يهتم علي العبادي بالبعد الزخرفي في تصويره معاني النصوص القرآنية أو الأدبية عبر الإطارات الحروفية التي يبتكرها، لتضيف إلى جمالية الخط بعدا آخر مميزا في الشكل والتركيب عبر استخدام أساليب رسم وتشكيلات مختلفة.

والعبادي المقيم في الدنمارك ولد في العراق عام 1965، خريج كلية الفنون الجميلة 1986. أقام معرضين شخصيين في غاليري “بلدنا للفنون” العراقي عام 1995 وعام 1999، كما شارك في العديد من المعارض الجماعية في الأردن والعراق والدنمارك.

أما عماد الظاهر فيستند إلى تجربة في النحت يُعيد من خلالها تناول الموروث البابلي والآشوري في أعمال تجمع بين الجسد الإنساني وكائنات أخرى في مناخات سريالية، وهو يقدّم منحوتات تجسّد الخيل العربي في جموحه، وتزاوج بينه وبين الحرف، مستغلا ما في الحرف من جماليات وطاقة إبداعية توازي في قوتها جموح الخيل العربي وانسيابية جسده ورشاقته وعبقرية حركته.

ومنذ بداياته في بغداد، حيث درس الفنون الجميلة، مارس الظاهر فن النحت وتأثر خلال سنوات الدراسة بأساتذته، لاسيما النحاتين محمد غني حكمت وصالح القره غولي، وفي كل معارضه يميل إلى تقديم أكثر من تجربة بالأسلوب التعبيري في المجموعة الواحدة.

لوحات جاسم محمد الحروفية تستند إلى بناء هندسي متطوّر مع التركيز على إبراز مستويات من الظلال والنور

ويُعتبر الفنان العراقي، الذي يعيش في أستراليا منذ 2005 بعد أن عاش في الأردن لمدة عشرة أعوام، أن المهجر أثّر على أعماله الفنية من ناحية الأسلوب، والمواد المستخدمة في النحت، إذ بدأ يركّز أكثر على الفكرة وتنوّع المواضيع، لكنه يرى بأن الأفكار الجديدة ما زالت لا تلقى اهتمام المتلقّي العربي الذي يهتم أكثر بجمالية الشكل.

ويقول الظاهر إنه مع كل أبناء جيله من العراقيين، تحضر في فنهم ثيمة الاغتراب وهو موضوع متشعّب، ينطوي على أسئلة الذات والهوية والوطن والمنفى والترحال والحنين. وفي سياق تمثيل الذات، يعتبر الفنان أن اهتمامه بتجسيد الحصان في أكثر من تجربة، هو تمثيل للإنسان العربي، لارتباط الخيل بالذاكرة والتراث والمخيال العربي بالعموم.

والظاهر الذي يقيم في سيدني الأسترالية من مواليد بغداد عام 1964. حاصل على الجائزتين الأولى والثانية في مسابقة النحت في “بلاك تاون” للفنون بسيدني الأسترالية عام 2007، وعلى الجائزة الأولى للمسابقة ذاتها عام 2005.

وكان قد حصل عام 1989 على جائزة نصب الشهيد، بغداد، وعلى جائزة مهرجان الشباب في النحت. وهو عضو رابطة فيرفيلد وليفربول للفنانين بسيدني في أستراليا والرابطة الدولية للفنون التشكيلية “نافا” وملفات الفن “المقتنيات”، ومركز الفنون “مساحة آي.آر.تي” إضافة إلى روابط فنية عراقية أخرى.

14