طاقات نسوية يطفئها غياب الاهتمام

مصريات مهمشات يبحثن عن دعم لإحياء الفنون الشعبية ويحلمن بالوصول إلى العالمية عبر بوابة الإبداعات التراثية.
الأحد 2018/06/24
البساطة عنوان الإتقان والحرفية

يقدم الإبداع النسائي نماذج ثرية لسيدات ماهرات في صناعات وفنون مختلفة، ويحكي تجارب شخصية عميقة ومميزة، إلا أن غياب الاهتمام بالفنون اليدوية الشعبية التي تملكها هذه السيدات أفقدها الكثير من البريق والجاذبية، وأضحت طاقات متوهجة عرضة للانطفاء، بينما كان من الممكن أن تمثّل إضافة حقيقية لو جرى الاهتمام بها ورعايتها بصورة جيدة.

القاهرة - مازالت بعض النخب الثقافية تنتفخ حناجرها بتمكين المرأة في خطابات لم تتحرر بعد من عباءة الصخب أمام الكاميرات، وتتباكى على مظلومية النساء وتهميشهن في عصر الحرية، في حين هناك واقع صادم يكذب الأحاديث الهشة لكسب مساحات واسعة من التأييد في مجال العمل المدني النسوي، لو جرى الاهتمام به والتركيز عليه لقدم خدمة جليلة لفئة ربما تكون مجهولة تنتمي لجنس المرأة.

ثمة فنانات بالفطرة يصنعن السجاد بالنول اليدوي، وجداريات الصوف والحرير، والنحت على الخشب والخزف والنحاسيات والنقش على المعادن، كذلك صناعة الخوص اليدوي والتشكيل على الجبس، بالإضافة إلى الرسم على الزجاج، وتصنيع الإكسسورات النسائية والمنزلية. لكن تظل هناك مخاصمة ظاهرة مع الفن النسائي الفطري. وقد يكون ذكره والتأريخ له يتم عبر محاولات خجولة، ووضعها في زوايا حياتية ضيقة تخرج من حدود العمل الفني والإبداعي، وتحصرها في نطاق البحث عن العمل وتوفير لقمة العيش.

يحظى الفن النسائي من خلال المعارض المنظمة باهتمام يفوق ما يتم تقديمه من خلال فنانات بالسليقة في مجالات عديدة وفي صناعات وفنون تراثية نادرة، وحرف يدوية أعدن إليها بريقها ونفضن الغبار عن فنون الأجداد التي هجرها الرجال ويكاد يطويها النسيان. يقدمن صورا إنسانية متفردة تكتمل به منظومة العقل الإبداعي للمرأة الفنانة.

تجمع دفات الكتب أسماء كثيرة لمبدعات، لكن ليس بالقدر اللائق للإبداع الحقيقي للنساء ولا ترتقي إلى تعزيز إشعاع الفنون المتوارية لدى فئة قد لا يعرف الكثيرون عنها شيئا، فئة لديها ملكات في مجالات عديدة، يمكن وصفها بالفنون الشعبية والفطرية وتتواجد في دول مختلفة.

نوران فؤاد:  امتلاك المرأة للحس الفني جعلها أكثر استعدادا  لإحياء مهن من التراث
نوران فؤاد:  امتلاك المرأة للحس الفني جعلها أكثر استعدادا  لإحياء مهن من التراث

يد ماهرة ورؤية بديعة

 تبقى السيدة البسيطة صاحبة اليد الماهرة والرؤية البديعة بعيدة عن الأنظار بعد أن أفقدتها بساطة عيشتها وظروفها المادية والاجتماعية الصعبة قدرتها على تقديم نفسها كفنانة قادرة على إحداث تغيير.

وتؤكد صور عدة ونماذج مختلفة منهن جمال الفن النسائي البدوي رصدتهن “العرب” لتبحث بينهم عن تلك المعضلة، وهي غياب تسليط الضوء على العاملات بالفن الشعبي البديع، لعل أبرزهن السيدات الماهرات العاملات بمركز رمسيس ويصا واصف بمصر، لتصنيع جداريات الحائط الحريرية التي تنافس سجاد النول.

تجلس السيدات في هذا المركز على مقاعد خشبية متوسطة الارتفاع وأمامهن أنوال خشبية ضخمة ومجموعة كبيرة من الخيوط المصبوغة والمعدّة لعمل سجاد معلّق يجذب أنظار السائحين في معارض محلية، وحصدت إعجاب الكثيرين، حتى أصبحت نوافذ دائمة وتعرض فنا نسويا يحكي قصصا بلا كلمات ويعكس حياة المرأة في القرية.

يحتضن مركز واصف للفنون فن “الباتيك”، وهو الرسم على القماش بالشمع، ووفقا لرواية ألفونس غطاس مدير مركز رمسيس ويصا واصف في حديثه لـ”العرب”، “المركز على علاقة وثيقة بمراكز ثقافية محلية في محافظات مختلفة بمصر، ويسعى حاليا للتواصل مع متاحف عالمية في سويسرا وكندا وإنكلترا وفرنسا لعرض تلك اللوحات الفنية النسوية.

ويؤكد غطاس أن إبداع المرأة غير محدود، لكنه مازال يفتقد من يتبنّاه ويدعمه، خاصة هؤلاء السيدات البسيطات اللاتي لا يمتلكن سوى أيديهن الماهرة ويفتقدن الطرق العلمية في التسويق والعرض.

لفتت لوحات عديدة لسيدات بسيطات من المركز أنظار شخصيات سياسية وفنية، خاصة تلك اللوحات التي تحكي إبداعا نسويا يحمل تفاصيل إنسانية، ويؤرخ لتجارب شخصية يبحن فيها النساء بالكثير من مكنوناتهن الخاصة والمتفردة في سرد وجعهن بلا كلمات، ومنها لوحات يتصالحن بها مع العالم مثل لوحة “الموت” التي أبدعتها فنانة لا تجيد القراءة والكتابة، كان يزورها الموت حسب وصفها في الأحلام فنسجت من الخيوط تشكيلا يشبه ما رأته في منامها.

وقالت كريمة علي، من قرية الحرانية بمحافظة الجيزة القريبة من القاهرة، لـ”العرب” “حين لقبوني بالفنانة كان عمري 15 عاما، لم أكن أعي معنى الكلمة ولا حجم التكريم لما أقدمه، كنت أتحدث بالخيط وأرفع صوتي على النول ما أعجز عن البوح به في عالم القرية المنغلق، وحين تزوجت ابتعدت عن الفن وانشغلت بحياتي العائلية، حتى أعادني همس داخلي إلى عالم صناعة السجاد الحريري”.

ويعد مشروع “قصاقيص كعابيش”، الذي أسسته زينب حيدر ابنة مدينة إسنا التابعة لمحافظة الأقصر (جنوب مصر) بمثابة نموذج آخر للمرأة العاملة التي حولت فنها الريفي لمشغل وورشة صغيرة للفتيات بصورة متطورة. ويقدّم مشغل “كعابيش” أعمالا عدة، منها تحويل مخلفات مصانع النسيج إلى إكسسوارات نسائية ومستلزمات للمنازل، سواء للضيافة أو الاستخدام اليومي، بالنول الخشبي البلدي والنول الفرنسي المعروف.

جدارية يدوية تكشف إبداعا نسويا متفردا
جدارية يدوية تكشف إبداعا نسويا متفردا

مجالات فنية مختلفة

 لاقى المشروع اهتماما كبيرا بعدما أعاد الاستفادة من المخلفات وقدّم أدوات جميلة بثمن رخيص يتناسب مع طبيعة وظروف المناطق الريفية المصرية. وفي سياق مشابه قدّم مشروع “لها قيمة” الخاص بإعادة تدوير البلاستيك، مستغلا طاقات الكثير من سيدات منطقة الصعيد فنونا عديدة، منها تصنيع الزجاج الملوّن والخزف والكراسي الخشبية.

وأشارت هدى جابر، عاملة في تصنيع وزخرفة الزجاج، لـ”العرب” إلى أنها قضت عشرين عاما كاملة في زخرفة الزجاج بعد خروجه من الأفران وإضافة اللمسات الجمالية إليه ولصق بعض قطع الكريستال وحبات اللؤلؤ الصناعي، ثم وضعه في صناديق ورقية وتغليفه بأقمشة الحرير والأشرطة الملوّنة التي تظهر المنتج في صورة جذابة، لكنها لم تستطع تسويق عملها وعرضه إلا مع الاهتمام والمساعدة المقدمة من مشروعات خيرية لدعم العمل الفني.

ورغم حزمة وفيرة من التغييرات والإصلاحات في مجال تمكين المرأة وزيادة مشاركتها في الحياة العامة، إلا أنّ ظروفا اجتماعية تحُول دون إتمام عملية التمكين، ما يجعلها لا تزال حبرا على ورق.

ويرجع البعض أسباب قصور تمثيل المرأة في المجالات الفنية واستغلال السيدات البسيطات في أعمال ذات طابع فني إلى سيطرة المجتمع الذكوري ورفضه عمل المرأة بشكل واسع يجعل منها امرأة عاملة تسافر وتتاجر في منتجاتها.

تعتبر فترة الستينات حقبة الحقوق المدنية التي طالبت فيها الفنانات بالمساواة مع الرجل في عالم الفن، تأثراً بالحركات الحداثية، لتأسيس فن نسوي بطرق غير تقليدية للمساهمة في “تغيير العالم”.

بدأت الحركة الفنية النسائية تتصاعد في السبعينات من القرن الماضي بتأثير من الحركات النسوية السياسية والاجتماعية. ويمثل الفن النسوي تحولاً كبيراً في مجال الحداثة، حيث وضعت الأعمال الفنية للمرأة في فئة مختلفة عن الأعمال التي أنجزها الرجال.

ورغم التغير الكبير الذي شمل عمل فنانات في مجلات فنية، مثل الفن التشكيلي والنحت ووصول الكثير منهن للعالمية والتمثيل الدولي في المعارض الفنية، لكن تبقى ثورة الحداثة وفتح الطريق أمام المرأة للتنوير والإبداع قاصرة على المتعلمات المقيمات في المناطق الحضارية، وتتجاهل المرأة العاملة والمكافحة لتقديم إبداعات فنية فطرية.

تبدو كاملة أحمد حامد، استثناء بين من نجحن في الخروج من كونها تقدّم فنا بسيطا في قرية بعيدة عن الأضواء بمحافظة الفيوم (جنوب غرب القاهرة) لتجذب العديد من الجهات الحكومية، بعد أن برعت السيدة الستينية في صناعة الخوص الأبيض والملوّن من خامات البيئة المحلية الخصبة، من سعف النخيل وقش الأرز.

عبرت منتجاتها حدود مصر إلى العالمية وأقيمت لها معارض في دول مختلفة، منها الولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا، وطافت أيضا دولا عربية، واختارها أحد البنوك الحكومية في مصر، لتقديمها كنموذج مشرّف لاجتهاد المرأة وإصرارها على التحدّي والنجاح. ونجحت حامد في إقامة مركز للتدريب على صناعة الخوص وإنجاز منتجات منزلية، مثل “العياشة” وهي أطباق حفظ الخبز الطازج، وصناديق حفظ الملابس والأغراض المنزلية الأخرى، ومنتجات متعددة تحمل طابع المنتجات اليدوية ببصمة بدوية.

ألفونس غطاس:  إبداع المرأة غير محدود، لكنه مازال يفتقد من يتبناه ويدعمه
ألفونس غطاس:  إبداع المرأة غير محدود، لكنه مازال يفتقد من يتبناه ويدعمه

 واستطاعت إنشاء معرض دائم أصبح منصة محلية لتقديم منتجاتها، ويحمل صبغة متحفية، وتوجد به نماذج مختلفة جمعتها على مدار ستة عقود، وهي في بداية عمرها المهني في صناعة الخوص الملون.

وأكدت نوران فؤاد، أستاذ علم الاجتماع لـ”العرب”، أن امتلاك المرأة للحس الجمالي والتعبير عن الذات بالفن وحسها الفني الرفيع، جعلها أكثر استعدادا من الرجال لقطع مسافات كبيرة في تقديم فنون راقية وإحياء فنون ومهن عميقة من التراث الشعبي، هجرها أهلها من الرجال.

البحث عن فرصة

 لعل مساهمات النساء الإبداعية في الحرف التراثية، مثل تصنيع سجّاد النول والنقش على الزجاج والنحاس وتلوين الزجاج، انعكاس واضح على دورهن في إثراء تلك الفنون التي تعدّ تراثا تاريخيا ينقل إلى الأجيال.

وأضافت فؤاد، أن إبداع النساء نتاج طبيعي لاهتمامها بتنسيق منزلها وإضفاء اللمسات الجمالية والتزيين، ومنها ما تتوارثه الأسر والعائلات كالفنون البسيطة من الحياكة والتطريز وشغل الكروشيه وأعمال الإبرة وتطريز المفارش اليدوية “الشراشف” والفنون المنزلية البسيطة.

وتبقى المرأة بطبيعتها متمرّدة على الثوابت وتبحث عن فرصة، فإن وجدتها تشبثت بها وتوحدت معها وقادتها إلى إبداع متفرّد وحالة شديدة الخصوصية من الفن.

وأشار أيمن عامر، أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة القاهرة، لـ”العرب” إلى أن طبيعة المرأة الفنانة بالفطرة تعود إلى روحها الإبداعية وشغفها بالطبيعة ومحاولة محاكاتها، ولا يقتصر دور المرأة في المجالات الفنية والإبداعية على تقديم نماذج معلّبة، لكنها تتخطى الحدود لصناعة إبداع نسوي متسق مع ذاتها وبنات جنسها.

وحذّر عامر، مما أسماه كبت المرأة المبدعة بالسليقة، الذي تنتج عنه طاقة سلبية بنفس قوة الطاقة الإبداعية، وربما أكثر، ويتساوى في ذلك دور جميع النساء في الفن لا فرق بين صانعات الخوص والسجاد، أو راقصات الباليه والفن التشكيلي وفنانات الأوبرا. وأوضح أنّ تحوّل الطاقة الإبداعية الإيجابية إلى سلبية، معناه تأثير غير مباشر على المجتمع ككل، فالمرأة عمود كل أسرة وسعادتها وقدرتها على إخراج طاقتها بعيدا عن الواجبات المنزلية شريطة هامة لأسرة ناجحة.

وأصبحت المرأة محمّلة بحماية التراث الفني اليدوي، لكن بلا دعم مجتمعي وتوافق على ضرورة تشجيعها ماديا ومعنويا، لن تصبح السيدات قادرات على الإسهام في إحياء الفنون الشعبية.

تقف طبيعة وخصوصية المجتمع المصري حجرة عثرة أمام بروز دور المرأة خاصة في الأعمال الفنية شديدة الخصوصية، فكلمة الفن تحرك الصورة الذهنية للوعي الجمعي المتغذي على صورة ممثلات أو راقصات ليظل فن التمثيل في المقدمة، بينما ما عداه من فنون يقف في الخلف ويتوارى.

ويرى خبراء أنه من الضروري تقديم دعم تشريعي لتوفير قوانين حامية ومشجعة للمرأة في التعبير عن شغفها الفطري، في ظل أسر يقف فيها الأب أو الزوج أمام طموح ابنته أو زوجته بداعي أنه صاحب سلطان وحيد عليها.

وأجرت نسرين البغدادي، عضو المجلس القومي للمرأة ورئيس مركز البحوث الاجتماعية والجنائية في مصر سابقا، دراسة بعنوان “الحماية التشريعية للمرأة المبدعة ودورها في الحفاظ على الأمن القومي” كشفت فيها عن غياب الحماية القانونية لعمل السيدات الفني.

وخلصت الدراسة إلى أن الحماية القانونية من أشكال حث المرأة على الإبداع، وأن غياب التشريعات الحمائية من شأنها وأد الإبداع أو حصره في جوانب ضيقة.

20